الفصل 112: الطريقة الصعبة
في مرحلة ما توقفت "إيري " عن عدِّ المقذوفات السحرية التي أطلقتها. ظلت تهتف بكلمات التعويذات كآلةٍ صماء ، تطلق النار وتغتال الوحوش بمقذوفاتها السحرية دون توقف. و لقد تحول التكرار الممل إلى استراتيجية قتالية. وبعد ساعاتٍ مما بدا كدورةٍ لا تنتهي من التكرار ، رأت أخيراً نهاية هذا العذاب.
فرَّ نمران من نمور "ذوات الأنياب السيفية " مذعورين بعد رؤية المقذوفات السحرية قادمة لتسلب حياتهما ، لكن المقذوفات تتبعتهم بإخلاص لتخترق ظهور الوحشين. حيث كان هذان هما الأخيرين ، ولم يتبقَّ أي وحشٍ آخر في مدينة "روبرتو ".
انهارت "إيري " على الأرض ؛ فالمقذوفات التي أطلقتها للتو كانت نتاج استنزاف آخر قطرة من مخزون المانا لديها ، ولم تشعر سوى بإنهاكٍ شديد. و في تلك اللحظة لم تكن تملك حتى القوة لرفع ملعقة. وبينما كانت تحدق في الأرضية الجرانيتية بوهن قد سمعت فجأة صوت جلبةٍ تُنبئ باقتراب أحدهم. وعندما رفعت رأسها فجأة ، رأت "كيران " وهو يناور بقفزاتٍ بين أسطح المنازل ، وسرعان ما بلغ قمة البرج حيث تتواجد.
حين أبصرت "إيري " "كيران " تبدلت تعابير وجهها لتشبه تعابير طالبةٍ أنهكها العمل الشاق ، فصرخت بصوتٍ يملؤه الضجر:
"إذاً ، ما رأيك ؟ لقد رأيت ذلك أليس كذلك ؟! لقد فعلتها! لقد حققتُ المستحيل! "
فقد كانت تستخدم التعويذة المزدوجة اللعينة من أجل المانا لساعات!
اتسعت عينا "كيران " للحظةٍ أمام نبرةٍ بدت وكأنها تحمل شيئاً من الغضب ، لكنه سرعان ما ابتسم برفقٍ قائلاً:
"أعلم. و لقد رأيتُكِ أثناء القتال. أحسنتِ يا إيري. بفضلكِ ، نجا الكثيرون من هذه الكارثة ".
"أوه… حقاً ؟ "
وضع "كيران " يده على رأس "إيري " وبعثر شعرها "في نهاية المطاف أنتِ أفضل ساحرة أعرفها ".
"..! "
كم مضى من الوقت… منذ أن تلقت مديحاً ؟ في الماضي كانت تتلقى الثناء والتقدير من "كيران " عدة مرات في اليوم ، لكن منذ أن افترقا لم تعد تحظى بأي تقدير ، بل كان كل فى الجوار إما يهينها أو يغتابها ، وكأن العالم أجمع تكاتف ليلومها ؛ باستثناء "كيران ". ورغم أنها انضمت مجدداً إلى فريق "كيران " إلا أنه لم يكن يمدحها كما في السابق ، وكانت هي تتحمل جزءاً من اللوم في ذلك لذا لم تجرؤ على الشكوى ، مكتفيةً بالامتنان لأنه لم يحاول تحقيرها كالبقية.
لكن الآن ، ابتسم "كيران " بصدق وأثنى عليها. و لقد اعترف بتميزها ، ومر وقتٌ طويل منذ أن نالت هذا التقدير. و شعرت بصدرها يرتجف ووجهها يلتهب ، وكأنها تذوب في بركةٍ من السعادة. طأطأت "إيري " رأسها وضغطت على قبعتها المدببة لتخفي وجهها ، وقالت:
"همم ، همم! طالما أن المرء يبذل قصارى جهده ، فهذا ليس بالأمر الجلل! "
انتظرت "إيري " رد فعل "كيران " متوقعةً أن يسمعها المزيد من المديح ، لكنها لم تتلقَّ الرد الذي طمحت إليه. وعندما رفعت رأسها مذهولةً من الصمت ، وجدت أن "كيران " الذي كان أمامها قد اختفى.
"هاه.. ؟ مهلاً يا أوفيليا ، أين كيران ؟ "
"البطل ؟ قفز مغادراً قائلاً إن لديه أعمالاً أخرى ليقوم بها. "
"أوه ، حقاً.. ؟ "
—
تعاملتُ مع جميع الوحوش التي عكرت صفو مدينة "روبرتو ". ما زال هناك الكثير من العمل بخصوص الخسائر والجرحى ، لكن يمكن للحراس والجنود تولي ذلك. امتطيتُ حصاناً بلا صاحب وانطلقتُ مسرعاً خارج "روبرتو ".
'كان يفترض بهم أن يكونوا قادرين على إخضاع "البييموث " دون مشاكل كبيرة ، أليس كذلك ؟ '
في الواقع لم تكن هناك حاجة للقلق كثيراً بوجود "فرايليت " لكن عقلي الباطن لم يكفَّ عن التوجس. لحسن الحظ ، اتضح في غضون عشر دقائق من قيادة الحصان أن قلقي كان في غير محله ، فقد استطعت رصد القوات المندفعة نحو "روبرتو ". وجدتني "فرايليت " التي كانت في الطليعة ، وجذبت لجام حصانها نحو موقعي.
"كيران ، هل أنت بخير ؟ "
"أنا بخير ، والمدينة بخير أيضاً. "
"هل تقصد أن المدينة أصبحت خارج دائرة الخطر ؟ "
سألت "فرايليت " بترقب ، فأومأتُ لها بالإيجاب:
"تم اختراق البوابات ، لكن جميع الوحوش الغازية قد قُتلت. "
"هذا جيد. هل الأضرار جسيمة ؟ "
"جسيمة للغاية. سيتعين على دوق "أولر " أن يعاني كثيراً لإصلاح ما تضرر. "
لقد كانت الكثير من الهياكل الأساسية منهارة ، وبدت أضرار الممتلكات فادحة ، كما أن عدد القتلى والجرحى لا يمكن حصره بنظرة سريعة. حيث أطلقت "فرايليت " تنهيدةً كئيبة وقالت:
"أظن ذلك. ومع ذلك لم يعد بإمكاننا فعل شيء حيال الأمر. و أنا سعيدة لأنك لم تصب بأذى. "
"تحدثي عن نفسكِ. كنتُ في المدينة ، ويبدو أن إخضاع "البييموث " انتهى على خير ، أليس كذلك ؟ "
لسبب ما ، أومأت "فرايليت " برأسها ولكن بتعبير مرير. فكنت فضولياً لمعرفة سبب هذا التعبير ، لكنني دائماً ما أستطيع السؤال عن ذلك لاحقاً عندما نجلس لنحتسي مشروباً أو اثنين. طرحتُ عليها السؤال الأهم حالياً:
"إذاً ، هل يمكنك إخباري بمكان جثة "البييموث " ؟ "
أمالت "فرايليت " رأسها "هاه ، لماذا ؟ "
"لقد جئتُ إلى هنا بالفعل ، أحتاج على الأقل لمعرفة كيف يبدو شكل "البييموث ". "
"همم… حسناً ، أنا متأكدة أن أي شخص سيكون فضولياً. و من الصعب شرح ذلك بالكلمات ، لذا دعني أرشدك. "
لوحتُ بيدي رافضاً حسن نيتها. مهما كنت أثق في "فرايليت " كان من المبكر جداً كشف أوراقي بشأن النقوش في الوقت الراهن.
قاطعتُها قائلاً "لا. حيث يجب أن تعودي إلى المدينة وتنهي الأمور هناك. حتى لو شرحتِ لي الأمر بالكلمات ، سأفهمه تماماً ، لذا فقط دُليني عليه. "
"المتابعة… نعم كان هناك… "
تذكرت ، وكان صوتها مشوباً ببعض الأسف ، لكنها أخبرتني بمكان سقوط "البييموث ".
حسناً ، فهمت الأمر.
"إذاً سأراكِ بعد عودتي. لنتناول المشروبات اليوم حتى نثمل. "
"نثمل… تبدو خطة جيدة. أراكِ لاحقاً. "
عجلتُ على الفور نحو الموقع الذي أشارت إليه "فرايليت ". اقتربتُ من الغابة الكثيفة ، لكنني لم أنزل عن ظهر الحصان ؛ فمهاراتي في الركوب جيدة بما يكفي للتحكم في الحصان حتى في تضاريس الغابة المعقدة. وصلتُ أسرع مما كنت أتوقع بفضل ركوب الحصان عبر الغابة.
"مواجهة ضارية. "
الأشجار التي شكلت الغابة كانت مقتلعة من جذورها ، والأرض كانت مغطاة بجثث الجنود. ولربما لأن خصومهم كانوا وحوشاً ضارية لم تكن حالة الجثث جيدة ؛ فمشاهدة الأجساد الممزقة كانت أمراً نادراً ، إذ كانت هناك جثث يفتقد أصحابها لنصفهم العلوي أو السفلي.
نزلتُ عن الحصان ، لأن الحصان كان مضطرباً ، متردداً في المشي فوق ساحة الجثث. وبصراحة لم يبدُ أن هناك مكاناً ليضع الحصان حوافره عليه أيضاً.
'هل هذا هو السبب الذي جعل وجه "فرايليت " يبدو مريراً ؟ '
بشخصيتها ، ربما تكون قد حملت كل المسؤولية على عاتقها. لم تكن مضطرة لذلك. و يمكننا التحدث عن هذا عندما نلتقي للمشروب لاحقاً.
على مسافة ما ، بدأ يظهر جثمان الوحش المهيب. حيث كان الوحش أصغر قليلاً من "الغول " وله هيكل عظمي يشبه جاموس الماء للوهلة الأولى. ومع ذلك وعلى عكس جاموس الماء كان الجزء العلوي من جسده أكثر تطوراً بكثير من الجزء السفلي ، وكانت القرون على جبينه أكبر بشكل لا يقارن بقرون الجاموس. حيث كانت القرون الكبيرة ملتفة على ظهره لتشكل عرفاً شائكاً ، وكانت مخالبه وأطرافه أكبر وأحدَّ من معظم السيوف.
مشيتُ بحذر نحو جثة "البييموث " متخذاً خطوات دقيقة حتى لا أدوس على الدماء التي تلطخ الأرض. وعندما رأيت.. رأيت مخلوقين برأسين كالأخطبوط يرتديان رداءين ، يقفان بجانب جثة "البييموث " وهما يتلون تعويذات. حيث كانت روح "البييموث " تُمتص إلى داخل الكريستالة التي كانت يمسكها أحدهما.
ما الذي.. يحدث هنا ؟
عقدتُ ذراعيَّ وتأملتُ للحظة ، ثم سحبتُ سيفي بهدوء.
إذا لم يفصحا عن حقيقة الأمر برحابة صدر ، فسأضطر للجوء إلى الطريقة الصعبة.