Switch Mode
تم اطلاق التطبيق على متجر بلاي للاختبار 14 يوم لمن يرغب في الانضمام الى الاختبار ليتمكن من تحميل التطبيق إرسال الايميل الخاص به الى الادمن

المغتال عديم الوقت 978

الحداد


الفصل 978: الحداد

(بعد أسبوع، الحديقة الأبدية، من وجهة نظر كايليث)

وقف كايليث على حافة أعلى جرف في "الحديقة الأبدية" وقد عقد ذراعيه خلف ظهره، بينما كان البحر اللامتناهي في الأسفل يزفر بأنفاس بطيئة ورتيبة، وترتفع أمواجه لتقبل الصخر قبل أن تتكسر متحولة إلى ضباب ينجرف نحو الأعلى ليستقر برفق على ردائه، ويغمره بقطرات دقيقة لم يكلف نفسه عناء الاحتماء منها.

*تلاطم*

*ارتطام*

كانت "الحديقة الأبدية" فاتنة الجمال اليوم.

كان جمالها مؤلماً إلى حد لا يُطاق، حيث تخلل ضوء الشمس المظلات الخضراء الشاسعة في الأعالي، وانكسر إلى ألوان ناعمة متعددة الطبقات، بينما كان الهواء يطن بسكينة ووقار لا يمكن أن يفيض بهما إلا مكان إلهي كهذا؛ ومع ذلك، لم يشعر كايليث بأي شيء من ذلك وهو يقف هناك على حافته.

بدلاً من ذلك، استقرت نظراته على شاهدي القبر الموضوعين على مسافة قصيرة من بعضهما، واللذين نُحتا من ذات "الحجر الأبدي" ولكنهما أُثقلا بأوزان شعورية متباينة تماماً؛ حيث يحمل أحدهما اسم أخيه وخصمه الأبدي، "سورون"، بينما يحمل الآخر اسماً ما زال يرفض أن يبدو واقعياً مهما كرر قراءته.

"ريموند".

*تلاطم*

*ارتطام*

كان البحر يزأر بهدوء في الأسفل، بينما انقبض فك كايليث، وظل تعبيره جامداً كالصخر في حين كان شيء عتيق وثقيل يلتوي ببطء في صدره؛ فهذه الحرب لم تكلفه جيوشاً أو نفوذاً فحسب، بل كلفت دماءً وإرثاً ويقيناً، وسلبت أجزاءً من حياته واحداً تلو الآخر حتى لم يبقَ سوى الصمت.

*نبض*

شعر بألم خفيف ينبض عبر وجهه.

امتدت الندبة التي خلفها "نصل الأصل" الخاص بسورون من جبهته نزولاً عبر خده، قاطعة إحدى عينيه بشكل قطري قاسٍ؛ ورغم أن النزيف قد توقف واللحم قد التأم، إلا أن الألم بدا وكأنه استوطن هناك بشكل دائم، كما لو كان يذكره باستمرار بالملحمة التي دارت رحاها.

"أتمنى لك التوفيق في حياتك... يا أخي".

ترددت كلمات سورون الأخيرة في ذهنه، حيث أدرك أخيراً المغزى الحقيقي الكامن وراءها.

"كيف تعايشت مع إصاباتك لأكثر من ألفي عام؟"

تساءل كايليث في نفسه، وهو يتذكر كيف أنه في ذلك الصباح، عندما استيقظ لأول مرة، مرت به لحظة وجيزة ومرعبة لم تبصر فيها عينه شيئاً على الإطلاق.

لا ضوء.

لا لون.

لا ملامح.

مجرد فراغ مطلق.

وعلى الرغم من أن قدرة "الترميم الإلهي" قد أصلحت ذلك بعد ثوانٍ، وعاد إليه بصره كما لو لم يحدث أي خطأ، إلا أن كايليث كان يدرك ما هو أدهى من ذلك؛ فقد بدأ "سم الأصل" مفعوله بالفعل، بشكل خفي وصبور، مستقراً في أعماق الأنسجة التي لن تتحرر منه تماماً أبداً.

على مر القرون، ستضعف تلك العين.

وعلى مدى آلاف السنين، ستفقد وظيفتها.

لم يكن العمى وشيكاً، ولكنه كان قدراً محتوماً.

وكان سورون يعلم ذلك تماماً عندما وجه ضربته.

*تنهد*

زفر كايليث ببطء، والضباب يعلق برموشه وهو يمعن النظر في شواهد القبور مجدداً، وأفكاره مثقلة بما عجز اللسان عن نطقه؛ ففي نهاية المطاف لم يأتِ النصر دون ضريبة، وهذه المرة، طالب الكون بثمن من الدم لا يمكنه استرداده أبداً.

"ربما كرهت والدي، وربما كرهت أخي، لكنني لم أكرهكِ يوماً. أنتِ... وأطفالكِ، أنتم الأشخاص الوحيدون الذين ما زلت أعتبرهم عائلتي في هذا الوجود".

فكر كايليث وهو يحدق في شاهد قبر ريموند والغضب يغلي في مرجله.

في ذلك الوقت، عندما غادر "الهاوية"، لم يخطر بباله حتى احتمال موت ريموند؛ فمع رحيل سورون، لم يكن يعتقد ببساطة أن أي محارب آخر يمتلك الوسائل الكفيلة بإيذاء ابنه.

لكن ظنه خاب، إذ تبين أن ريموند قد سقط على يد ملك فاني.

"ليو سكايشارد...".

فكر كايليث، بينما ارتعش الضباب المتشبث بحافة الجرف بخفة حين انقبضت أصابعه في كفيه، وانغرزت أظافره في اللحم تحت وطأة هذا الإدراك المتعاظم؛ فأن يقتل ملكٌ كائناً نصف إله لم يكن مجرد أمر بعيد الاحتمال، بل كان إهانة صارخة للتراتبية التي تحكم الوجود نفسه.

"ليو سكايشارد...".

تردد الاسم مرة أخرى، لكنه في هذه المرة كان أكثر قتامة.

"الرجل الذي استأمنه أخي على الطائفة".

كانت السخرية مريرة لدرجة أنها باتت ملموسة.

وبينما اكفهرت سحنة كايليث، وتدفق الغضب في عروقه كموجة عاتية، انطلقت "هالته الإلهية" بلا قيد، فائضة إلى الخارج في موجات متلاطمة مزقت سكون "الحديقة الأبدية"، بينما عوت الرياح عبر المنحدرات واستجاب البحر في الأسفل بشكل غريزي، حيث هاج سطحه الذي كان ساكناً من قبل، واصطدمت أمواج هائلة بعنف بالصخور.

*هدير*

*تكسر*

اهتز الهواء في مكانه.

وانحنت الأشجار خضوعاً.

تمزق الضباب وتبدد كالدخان.

ولبضع نبضات من القلب، بدت "الحديقة الأبدية" وكأنها على شفا التحطم تحت وطأة غضبه، بينما وقف كايليث بلا حراك في مركز العاصفة، وعيناه تتقدان بنار لم يعد لها مستقر.

ثم كبح جماح قوته ببطء وتأنٍ.

ومع كل نفس يزفره، انخفض الضغط، وهدأت الرياح، وعاد البحر في الأسفل إلى إيقاعه الرتيب، بينما أرغم كايليث مشاعره على أن تصبح أكثر برودة، وأشد حدة، وأشد فتكاً بكثير.

لقد استعاد سيطرته.

واسترجع الصمت سكونه فوق الجرف.

عندها فقط نطق كايليث، بصوت منخفض ورصين وخالٍ تماماً من الرحمة وهو يرمق الأفق بنظره، نحو مستقبل صار له الآن هدف واحد لا حياد عنه.

قال بهدوء، وقد نحتت كل كلمة بصدق مطلق: "بسبب الجرم الذي ارتكبه بسلب ابني مني...".

"فإن موتك... لن يكون موتاً هيناً".

أقسم في نفسه وهو يشرع في رسم ملامح هجومه على "ليو سكايشارد" وسلالته بأكملها، ناذراً نفسه لإبادتهم بأبشع صورة يمكن تخيلها.

قال كايليث بصوت خفيض: "سأحزن على وفاة ابني لمدة ثلاثة وثمانين يوماً بالضبط"، ونطق الرقم بدقة تثير الرهبة بينما ظلت نظراته مسمرة على شاهد القبر.

"ثلاثة وثمانون يوماً ليوارى الحزن الثرى حيث ينتمي، وليخمد الغضب ويستحيل إلى صفاء قاتل، ولأقرر كيف سيخلد الكون ذكرى ما سُلب مني".

انقبض فكه بقوة.

وتابع قائلاً، وقد انخفضت نبرة صوته إلى حد حاد وحاسم: "بعد ذلك، لن يكون هناك أي وازع أو لجام، ولا رحمة، ولا تمييز بين عدو أو ضحية عابرة ستقف في طريقي".

انقطع النفس للحظة.

"سيتعلم ليو سكايشارد وزمرته ما يعنيه أن يضعهم إله لم يعد لديه ما يخسره نصب عينيه".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط