الفصل 965: مخلصٌ زائف
(في هذه الأثناء، بالقرب من منصة الإعدام)
في اللحظة التي دفع فيها سورون بخصمه هيلموث إلى البعد الرابع، انطلق ليو نحو ريموند في هجومٍ مباشر وكاسح.
«أهذا كل ما جئت به يا فتى؟ أقبل إليّ إذًا».
هكذا فكر ريموند؛ فبدلاً من أن يتملكه العجب أو يتسلل إليه القلق، شعر بنشوةٍ من التسلية المتمهلة التي تكاد تفيض بالاستعلاء، وهي تتصاعد في صدره إزاء جسارة ملكٍ مجردٍ يتجرأ على مجابهته بمفرده.
«أقبل لترى الهوة السحيقة بيننا»، فكر ريموند مجدداً، وشعر برضا خفيّ يغمره وهو يراقب ليو يطوي المسافات بينهما دون أدنى تردد.
*ثبات*
ثبّت ريموند قدميه، وعدّل وقفته بلامبالاة واضحة؛ إذ لم يجد داعياً للتأهب لمواجهةٍ خطيرة ما دامت النتيجة قد حُسمت سلفاً. وهكذا انتظر ببساطة، يرمق ليو وهو ينبثق أمامه وسط ضبابٍ من الفضاء المشوه، بينما كانت مهارة [ستورم فلاش: الاجتياز] تحمل "تنين ظل الطائفة" إلى مرمى يده.
*هجوم*
في اللحظة التي سدد فيها ليو طعنةً بخنجريه نحو حنجرة خصمه، رفع ريموند هدوءٍ إصبعاً واحداً مغلّفاً بفيضٍ من الجوهر الإلهي الكثيف. كانت حركته روتينية وغير متسرعة، وكأنه يزيح حشرةً مزعجة بدلاً من اعتراض ضربةٍ قاتلة.
*صليلٌ حاد*
كان الاصطدام مباغتاً وحاسماً؛ حيث صرخت شفرات ليو بعنف وهي تصطدم بالهالة الإلهية المركزة المحيطة بإصبع ريموند. توقف زخمه المندفع فوراً عند الارتطام، بينما سرت الارتدادات مباشرةً عبر ذراعيه وكتفيه، مما تسبب في صكّ العظام وتمزق الأنسجة العضلية.
*اندفاع*
أُجبر ليو على التراجع، فارتدّ خطوتين إلى الوراء، ولكن لدهشته الشديدة، كان ريموند قد أطبق عليه بالفعل؛ إذ رفض نصف الإله أن يمنحه رفاهية الابتعاد أو فرصةً لالتقاط الأنفاس.
«بطيءٌ للغاية يا ابن عمي».
تمتم ريموند بذلك وهو يوجه لكمةً قوية إلى وجه ليو، مما أفقد الأخير وعيه للحظة بينما طار في الهواء متراجعاً، وقد هشمت اللكمة أنفه وحطمت عظام وجهه.
*تهشّم*
*دويّ ارتطام*
انبعثت خصلة من الدم القرمزي من أنف ليو، وبحلول الوقت الذي استعاد فيه توازنه وأعاد تركيز رؤيته، كان ريموند قد صار أمام وجهه تماماً، ونصل نصف الإله موجّهٌ مباشرةً إلى حنجرته.
«تباً!»
فكر ليو في ذعر، بينما فعّل مهارة [خطوة التلاشي] ليتفادى هجوم ريموند في الرمق الأخير بصعوبة بالغة. نقلته مهارة الحركة خلف ريموند، وحاول الرد فوراً بضربةٍ تستهدف مؤخرة عنق خصمه.
*صليل*
*حاجز*
ومرة أخرى، وباستخدام إصبعٍ واحدٍ فقط، صدّ ريموند الضربة القادمة دون أن يلتفت حتى. أمال رقبته ببرود وألقى على ليو نظرةً ساخرةً كأن لسان حاله يقول: «لستَ نداً لي يا رفيقي»، ليجد ليو نفسه مضطراً للانسحاب فوراً.
*خطوة*
*خطوة*
*لهاث*
بينما كان يحاول خلق مسافة آمنة، مسح ليو بعض الدماء المتساقطة من أنفه المكسور، وعيناه لا تفارقان ريموند، في حين أطلق نصف الإله ضحكةً خافتة تنمّ عن استمتاعٍ خبيث.
«ها... هاهاهاها!»
ضحك ريموند، ولم تكن ضحكةً طبيعية، بل قهقهةً متكلفة بدت جافةً وحادةً تنفر منها الأسماع.
«أهذا كل شيء؟ أهذه هي منتهى قدرات "سكاي شارد"، ليو العظيم؟»
«هيا يا ابن عمي، لقد بلغتني عنك أخبارٌ طنّانة...»
«ألسْتَ أنت "تنين ظل الطائفة"؟»
«وخليفة القائد تشارلز والعم سورون؟»
«ألسْتَ أنت "شيطان أوميغا"؟»
«فلماذا أنت مثير للشفقة إلى هذا الحد؟»
«تعالَ وأرني أفضل ما في جعبتك...»
سخر ريموند بكلماتٍ تقطر سمّاً، بينما هدأ ليو من روع أنفاسه وأومأ برأسه بهدوء.
على الرغم من المظهر المأساوي للأمور، إلا أن المعركة حتى الآن سارت تماماً وفق ما خطط له ليو؛ ففي هذه اللحظة، صار لديه تقديرٌ تقريبي لمدى سرعة تحرك ريموند، ومدى اتساع الفجوة الزمنية السانحة التي يحتاجها لإنهاء حياة نصف الإله.
«هيا، أرني بعض الفنون المحرمة للطائفة!»
«تلك التقنيات الأسطورية التي استمتم في الحفاظ عليها لأكثر من ألفي عام».
«تلك الحركة التي استخدمتها للتسلل خلفي... كانت جيدة نوعاً ما».
«أرني المزيد، وربما سأكافئك كما كافأتُ تنينك المحبوب عندما كان في ضيافتي في "الحديقة الأبدية"».
تمتم ريموند وهو يرى حدقتي ليو تتسعان بصدمةٍ بالغة.
«ماذا؟ ألم يخبرك؟»
«يا للإله! أظن أنه لم يستطع إيصال الرسالة وهو رهن الاعتقال، ولكن ما إن عزلناه حتى بدأ يُدلي باعترافاتٍ مخزية ويظهر تعاوناً غير متوقع، بل وأفشى جميع أسرار الطائفة مقابل لقمة سائغة ومأوى دافئ...»
نطق ريموند بكلماته بساديةٍ واضحة، قبل أن يستخدم مهارة [التجسد] ليتحول إلى هيئة "فير"، ليثبت أن التنين قد خان الطائفة فعلاً وباح بمعلومات سرية لم يكن من المفترض أن تخرج للنور.
«يا له من جبانٍ رعديد... التنين المبجل، إيجون فير».
«لا يسعني إلا أن أشفق عليك وعلى أتباعك الذين تجشموا عناء هذه الرحلة لإنقاذ مخلصكم، بينما الحقيقة أن مخلصكم هذا قد باع عهده لنا منذ زمن بعيد...»
قال ريموند ذلك وهو لا يزال متمثلاً في هيئة فير، يهز رأسه في تظاهرٍ بالخيبة.
«صدقوني حين أقول، لقد كنا نسدي إليكم معروفاً حين شرعنا في إعدامه حياً؛ لأن شخصاً عديم المروءة مثله لم يكن إلا عبئاً ثقيلاً على كلينا».
«لكن للأسف، اضطررتَ أنت والعم سورون للتدخل بحماقة».
«والآن، ها نحن عالقون في هذه الفوضى».
قال ريموند وهو يستعيد هيئته الأصلية ببطء، وعيناه الذكيتان تلمعان بمكرٍ وهو يحاول تحطيم نفسية ليو تماماً.
«أستطيع أن أقول بمجرد أن تقاطعت سيوفنا لمرة واحدة، يا "سكاي شارد"، أنك لست ضعيفاً أو خائناً مثل فير».
«أنت سليلٌ حقيقي لـ "القاتل الخالد" وتجسيد لروح التحدي التي تتبناها الطائفة».
«وهذا هو السبب تحديداً...»
«سأقوم الآن بإذلالك أمام ناظري العالم أجمع؛ فلا بد من تقديم عبرةٍ لغيرك، لكي تبقى هيبتنا ورهبتنا في القلوب كما هي».
قال ريموند ذلك وهو يقبض على سيفه بإحكام، بينما بدأ الجوهر الإلهي يتدفق منه في موجاتٍ كثيفة خانقة، وضغطت نية القتل لديه على ساحة المعركة بثقلٍ ساحق، واعدةً بالألم والإذلال وبدرسٍ قاسٍ لن ينساه المتفرجون أبداً.