الفصل 1131: فخٌ مُحكم (البُعد الرابع)
*قبضةٌ مُحكمة*
*ارتجاف*
بينما كان يوي كيرو يُصغي إلى ليو وهو يقلل من شأنه بوقاحةٍ بالغة ، شعر بغضبه يضطرمُ في صدره اضطراماً ، فأحكم قبضته على رمحه ، في حين تدفقت هالته إلى الخارج كاستجابةٍ لهذه الإهانة.
قال يوي كيرو وهو يندفعُ إلى الأمام مصوباً رمحه مباشرةً نحو قلب ليو "حسناً أيها الثرثار ، بما أنك ترغبُ في رؤية الفرق بين الثرى والثريا ، فدعني أُلقنكَ درساً يليقُ بك ".
*ووووش*
تحرك بسرعةٍ تُضاهي سرعة الآلهة ، حيث انطوى الفضاءُ تحت وطأة تقدمه ، بينما تجمعت كميةٌ هائلةٌ من الجوهر الإلهيّ عند رأس رمحه.
إلا أن ما تلا ذلك خالف توقعاته تماماً ؛ ففي اللحظة التي بلغ فيها الرمحُ مداه ، تحرك ليو بخفةٍ طفيفة ، دافعاً الهجوم ليمر بجانبه وكأن المشهد برمته كان يُعرض أمامه بحركةٍ بطيئة.
*مرور*
لم يظهر أي جهدٍ في حركته ، ولا أي محاولةٍ يائسةٍ للهروب ، بل تفادى الطعنة بإزاحةٍ بسيطةٍ حافظ فيها على توازنه المثالي ، وكأنه كان يعلمُ يقيناً أين سيستقر الهجوم.
"ماذا ؟! "
فكر يوي كيرو في ذعرٍ ، وعيناه تضيقان ، وعقله يأبى تصديق هذه النتيجة العبثية ، فواصل حركته دون توقف ، مُحولاً الطعنة الأولى إلى سلسلةٍ لا هوادة فيها من الضربات المتتالية التي انطلقت الواحدة تلو الأخرى ، دون أن تترك لليو مجالاً لالتقاط أنفاسه.
*ووووش*
*ووووش*
*ووووش*
كانت كل ضربةٍ مشوبةً بنية الخداع ، حيث تغير مسار رمحه في منتصف الحركة ، بينما غطت هالته على الاتجاه الحقيقي لهجماته ، مُشكلةً أنماطاً كان حتى الآلهة المُحنكون يجدون صعوبةً في تفسيرها.
ومع ذلك كان ليو يتحرك وسط هذا كله ببراعةٍ ، منساباً بين الضربات القادمة بأقل الإزاحات الممكنة ، ينسج بجسده بين وابل الهجمات بمستوى من التحكم جعل الاشتباك برمته يبدو ضرباً من الخيال.
*مراوغة*
لم تكن هناك حركةٌ ضائعةٌ في دفاعه ؛ فكل خطوة ، وكل ميلة ، وكل تحولٍ توافق تماماً مع تدفق الهجمات ، مما جعل الأمر يبدو وكأن هجوم يوي كيرو كان تمثيلياً ، لا نزالاً حقيقياً في معركة.
"ما الذي يحدث بحق الجحيم ؟ " فكر يوي كيرو ؛ وللمرة الأولى منذ دخوله ساحة المعركة ، برزت ومضةٌ من عدم التصديق في ذهنه ، وبدأ يستوعب استحالة ما يشهده.
حتى لو كان ليو قادراً على استشعار النوايا ، فإن توقع نقطة الهبوط الدقيقة لهجماته كان يجب أن يكون مستحيلاً ؛ إذ إن تقنيته مبنيةٌ على الخداع الطبقي الذي يُربك حتى الإدراك على المستوى الإلهيّ.
ومع ذلك سقط هذا المنطق هنا ؛ فكل ضربةٍ وجهها كانت تستمر في المخطئ بهوامش دقيقة جداً لا يمكن اعتبارها مصادفة ، مما أجبره على الاعتراف بأن هناك أمراً أعمق بكثير يلوح في الأفق.
"هل يستخدمُ تقنيةً سريةً من طائفةٍ لا أعلمُ عنها شيئاً ؟ "
تساءل في نفسه ، محاولاً البحث عن نظريةٍ تُبرر هذه العبثية التي تتكشف أمامه.
غير أنه في غمرة ذلك تحرك فير دون تردد ؛ إذ انطلقت من نقطته العمياء شفرةٌ شقت الفضاء المشوه خلفه بتوقيتٍ دقيقٍ وحاد.
*شينغ*
أجبر هذا التحول يوي كيرو على الالتفاف فوراً ، فاستدار لاعتراض الضربة القادمة ، مُقرباً رمحه من جسده ليصد الهجوم الذي كاد يمزق خاصرته.
*صد*
تردد صدى الاصطدام في البُعد الرابع بقوةٍ عنيفة ، مُحدثاً تموجاتٍ في الفضاء المحيط ، بينما انتقل ليو فوراً من الدفاع إلى الهجوم ، محاولاً استغلال الثغرة التي خلقها له فير.
*شينغ*
هاجم ليو يوي كيرو دون تأخير ، ضاغطاً على دفاعاته من الجانب الآخر ، مُجبراً الإله على الانحصار في زاويةٍ ضيقةٍ لم يعد أمامه فيها سوى الصد أو التراجع.
*صد*
*تراجع*
دون تردد ، فعّل يوي كيرو إحدى تمائم الحماية لديه ، فتشكل حاجزٌ غير مرئيٍ حوله امتص ضربة ليو ، بينما انسحب هو فوراً ، مبتعداً عن الاشتباك ليخلق مسافةً ويُعيد تقييم الموقف بنظراتٍ غدت أكثر حدةً بشكلٍ ملحوظ.
وللمرة الأولى منذ بدء المعركة ، أدرك أن هذا النزال لن يُحسم بمجرد السطوة ، وأن الافتراضات التي دخل بها المعركة لم تعد صالحة.
قال ليو من الجانب ، بنبرةٍ تحمل سخريةً علنيةً وهو يرمق يوي كيرو بازدراء "ها ، أيها الجنرال سبارو... صحح لي إن كنت مخطئاً ، ألم يكن هناك شخصٌ ما عازماً على تلقيننا درساً في الاحترام ؟ "
رد عليه فير بضحكةٍ خافتةٍ بينما أظلم وجه يوي كيرو أكثر "أجل ، أيها المعلم ، ظننتُ أن أحدهم سيضعنا في حجمنا الحقيقي ، لكن بالنظر إلى وجهه ، أرى أن شخصاً آخر هو من وُضع في حجمه ".
ساد صمتٌ للحظات ، بينما تمدد التوتر بينهما عبر نسيج البُعد الرابع غير المستقر ، دون أن يتحرك أيٌ منهما.
حتى...
"كفى! " زأر يوي كيرو أخيراً ، فمزق صوته الفراغ ، واندفعت هالته بعنفٍ إلى الخارج ، متوسعةً إلى ذروتها القصوى بينما تحول اللون الأحمر الباهت حوله إلى درجةٍ أكثر قتامة.
*فوش*
ازداد الضغط من حوله مع كل ثانيةٍ تمر ، وراقبهما ليو وفير بتركيز ، إذ كان التغير في هالته يشي بأن استقراره العاطفي بدأ يتصدع تحت وطأة غضبه.
في الأيام العادية لم يكن يوي كيرو رجلاً يُقيده التباهي الكاذب ؛ فلم يتردد يوماً في الانسحاب أمام خصومٍ يراهم خطيرين ، وفي معاركه السابقة ضد آلهةٍ آخرين كانت النجاة دائماً مقدمةً على الكبرياء.
لكن الموقف هنا كان مختلفاً ؛ فالخصوم أمامه ليسوا آلهةً بل أنصاف آلهة ، وحتى لو مالت كفة المعركة ضده ، فإنه لم يشعر بأي تهديدٍ لحياته في مواجهتهم.
كان هذا الفارق جوهرياً ؛ فبينما كان الخوف قادراً على كبح كبريائه أمام خطرٍ حقيقي لم يكن هناك سوى الإهانة ، والإهانة وحدها لم تكن مما يتعلمه يوي كيرو تقبله بصمت.
وهكذا ، بينما كان ذلك الغضب يضطرمُ دون رادعٍ في داخله ، تبسطت أفكاره لتصبح أكثر خطورةً ، فلم يعد في عقله سوى سؤالٌ واحد: كيف يقضي على الخصمين الواقفين أمامه دون إبطاء ؟
وهذه الاستجابة كانت هي بالضبط ما كان ينتظره ليو.
إذ إنه منذ بداية المواجهة ، اختار ألا يكشف عن "نصل الأصل " الذي في حوزته مبكراً ، وذلك لأن الكشف عن هذا السلاح كان سيخلق مستوى من التهديد يدفع يوي كيرو ليصبح أكثر حذراً.
فكان هناك احتمالٌ أن يتراجع الإله ويهرب بحياته بمجرد إدراكه لخطرٍ حقيقيٍ قد يلحق به ضرراً دائماً.
لذا اختار ليو ضبط النفس ، وترك المعركة تتطور بشكلٍ طبيعي بينما كان يقود يوي كيرو بحذرٍ إلى عمق الاشتباك ، ضامناً أن يثبته الكبرياء في مكانه بدلاً من أن يدفعه الحذر للفرار.
وكلما طال أمد المعركة ، وتورط فيها يوي كيرو أكثر ، شعر ليو باقترابه من تحقيق النصر ، متوقعاً أنه كلما طال قتالهما ، زادت الفرص المتاحة له لإطلاق ضربته القاضية.
ولهذا السبب ، وبينما كان يراقب هالة يوي كيرو وهي تنجرف نحو مزيدٍ من عدم الاستقرار ، ظل ذهنه هادئاً ومركزاً على هدفٍ واحد...
وهو خلق الثغرة التي يحتاجها لإطلاق "إعدام الرئيس " وإنهاء هذا النزال ، مرةً وإلى الأبد.