الفصل 1106: نصرٌ مُبين
(كوكب ساتورو ، الصباح الباكر ، القيادة العسكرية المركزية)
كان صباحاً روتينياً اعتيادياً داخل القيادة المركزية ، حين انطلق فجأة إنذارٌ أحمر يضجُّ بصخبه في أرجاء القاعدة.
"إنذارٌ أحمر ؟ "
"ما الذي حدث ؟ هل نحن تحت الهجوم ؟ "
تساءل الطاقم بصوتٍ عالٍ ، وارتفعت أصواتهم ممزوجةً بالحيرة ، بينما تقدم القائد "يو جو " دون تردد ؛ فوجوده أضفى فوراً هالة من النظام على المكان وهو يتحرك نحو لوحة التحكم المركزية.
"سيدي ، لقد التقطنا صوراً لأسطول ضخم يقترب منا " هكذا أبلغ الملازم بسرعة ، وكان صوته مشحوناً بالتوتر وهو يعرض الصور الواردة لـ "يو جو ". وأضاف "لقد رفضوا الكشف عن هويتهم ، ويبدو أنهم مدججون بالسلاح. أخشى يا سيدي أن تكون هذه بداية غزوٍ كوكبي ". رفع "يو جو " حاجبه قليلاً وهو يتفحص الإسقاط البصري.
"من هؤلاء... هل هم التنانين ؟ " سأل بنبرةٍ ثابتة رغم التصعيد المفاجئ ؛ ففي الآونة الأخيرة لم يكن يجرؤ على مهاجمة الكواكب التابعة للعشائر العظمى إلا "التنانين ".
تردد الملازم للحظات قبل أن يرد ، كأنه غير واثقٍ مما إذا كان عليه تكرار ما رآه للتو على الشاشة. و قال وهو يبتلع ريقه بتوتر قبل أن يكمل "لا يا سيدي... الأسطول ليس من أصل "تنيني ". السفن تحمل شعاراً مختلفاً... شعاراً لم نره منذ زمنٍ طويل ".
تحدقت عينا "يو جو " على الفور وتسلل شعورٌ خفي بالريبة إلى صدره وهو ينتظر التأكيد. و قال الملازم أخيراً ، بصوتٍ خافت كأن نطق الاسم وحده يحمل ثقلاً "الشعار يعود لـ "الطائفة الشريرة " يا سيدي. حيث يبدو أنهم... قد عادوا إلى طرائقهم القديمة ".
ساد الصمتُ المكان للحظة.
قال "يو جو " وعيناه تتسعان قليلاً في ذهول وهو يقترب من الشاشة ، وعقله يتسابق لاستيعاب أبعاد هذا التصريح "ماذا ؟ ". ثم تمتم بنبرة تزداد حدة مع مزيجٍ من الصدمة والغضب "أوغاد "الطائفة الشريرة "... بعد كل ما حدث... بعد مقتل "سورون " وتدمير عالمهم... هل ما زالون يجرؤون على التصرف بهذه الجسارة ؟ ".
أمر بحزمٍ وهو يستعيد وقار القيادة "أبلغوا المقر فوراً. أرسلوا إشارة استغاثة ذات أولوية واطلبوا تعزيزاتٍ في الحال. و هذا ليس توغلاً روتينياً ". أومأ الملازم بحدة وتحرك للتنفيذ ، بينما انطلقت أصابعه فوق لوحة التحكم لإرسال الإشارة إلى القيادة العليا لعشيرة "يو " دون إبطاء.
في أرجاء الكوكب ، انطلقت أنظمة التحذير في آنٍ واحد ، وتفعلت بروتوكولات الطوارئ في المدن والمناطق العسكرية على حدٍ سواء ، موجهةً المدنيين للاحتماء بينما استنفرت القوات الدفاعية لمواجهة الصراع القادم.
"ارفعوا الدرع الكوكبي " أمر "يو جو " وكانت عيناه لا تزالان مثبتتين على الأسطول المقترب الذي يواصل تقليص المسافة دون تباطؤ. "أريد تغطية دفاعية كاملة قبل أن يدخلوا نطاق الاشتباك ".
وفي غضون لحظات ، دبت الحياة في شبكة الطاقة الهائلة المحيطة بكوكب "ساتورو " متوسعةً نحو الخارج كحاجزٍ متلألئ يغلف الكوكب في قبة واقية.
"انشروا جميع البطاريات المضادة للطائرات وجهزوا فرق الاعتراض " تابع "يو جو " بنبرةٍ هادئة رغم ما تحمله من استعجال ، بينما تحرك كل ضابط في مركز القيادة لتنفيذ مهامه الموكلة إليه.
اتخذت أنظمة الصواريخ مواقعها عبر المنشآت الرئيسية ، وتفعلت أنظمة الاستهداف لتصوب نحو التهديد القادم ، بينما استعدت وحدات الدفاع الجوي للاشتباك الفوري بمجرد الاختراق. و حيث بقي "يو جو " ساكناً في قلب الحدث ، وعيناه معلقتان بالأسطول البعيد الذي بدا يزداد ضخامة مع كل ثانية تمر.
"أوغاد "الطائفة الشريرة "... ظننت أنكم قد ذهبتم إلى غير رجعة... "
تمتم بذلك ورغم أنه لم يكن لديه أدنى فكرة عن سبب توسع "الطائفة الشريرة " مجدداً ؟ أو ما الذي يكمن وراء ثقتهم الجديدة هذه ؟ إلا أن ما كان يعلمه يقيناً هو أن كوكب "ساتورو " أكثر من مجهزٍ للصمود حتى وصول التعزيزات.
"أوغاد "الطائفة الشريرة " توقيتكم هو الأسوأ حقاً... لقد قمنا بتطوير درعنا الدفاعي الكوكبي قبل شهرٍ فقط. وهو الآن قوي بما يكفي لصد حتى أقوى كاسري الدروع من "الفصيل الصالح " لأيام... لذا حظاً أوفر لكم في محاولة اختراقه! "
تمتم بذلك بثقة ، حيث كان يؤمن حقاً بأن "الطائفة الشريرة " لن تتجاوز الدفاعات الخارجية ، ناهيك عن السيطرة على كوكب "ساتورو " اليوم.
"ستصل التعزيزات في غضون 24 ساعة. وحين يصلون ، سنطبق عليكم الحصار ونرسلكم مباشرة إلى جحيمكم الذي زحفتم منه أيها الجبناء! هل تظنون أن طائفتكم لا تزال ذات شأن اليوم ؟ حسناً ، دعوني أخبركم بشيء... بدون "سورون " أنتم لا شيء! وسأذكركم بذلك قريباً. "
-------------
بعد بضع دقائق ، وبينما دخل أسطول "الطائفة " محيط كوكب "ساتورو " صار من المستحيل تجاهل حجم القوة القادمة ، حيث انتشرت آلاف السفن في تشكيلاتٍ محيطة بالكوكب من كل جانب.
داخل القيادة المركزية ، راقب "يو جو " التحركات بهدوء ، وظلت ثقته راسخة وهو يضم ذراعيه ناظراً إلى الشاشة التكتيكية. و قال بحزمٍ والجميع ينظر إليه بحثاً عن الطمأنينة "لا تقلقوا ، لن يتمكنوا من اختراق درعنا الكوكبي ".
في تلك اللحظة ، انطلقت أربعة أشعة هائلة من الطاقة المركزة من أعماق الفضاء ، لتلتقي في نقطة واحدة من الحاجز الكوكبي بدقة مرعبة.
حدث الارتطام.
وللحظة وجيزة لم يحدث شيء.
ابتسم "يو جو " ابتسامة خفيفة ، وقد تعززت ثقته وهو يتنفس الصعداء. و قال بهدوء "أخبرتكم حتى لو استمروا في هذا لأيام ، فلن يتمكنوا من... "
*تشقق*
قطع صوتُ التشقق جملته كأنه نصلٌ حاد.
ارتجفت عيناه. "ها ؟ "
عالياً فوق سطح الكوكب ، بدأت صدوع خفيفة تظهر عبر الدرع ، وخطوطٌ دقيقة تتشعب نحو الخارج من نقطة الارتطام كأنها عروق تتشكل تحت ضغطٍ هائل.
مرت الثواني. فظهرت مزيدٌ من الشقوق. ثم المزيد.
الدرع الذي كان يوماً بلا عيوب ، صار يبدو الآن كسطحٍ زجاجي تحت وطأة ضغطٍ لا يطاق ، وانهارت بنيته بطرقٍ لم يكن من المفترض أن تكون ممكنة.
"لا... انتظروا... " تمتم "يو جو " وهو يميل بجسده للأمام وقد توترت تعابير وجهه.
توسعت الصدوع بسرعة ، وتمددت كشبكة العنكبوت عبر الحاجز بأكمله بينما فقدت الطاقة التي تجمعه تماسكها بمعدلٍ مخيف.
*تحطم*
انهار الدرع الكوكبي تماماً ، متفجراً في شلالٍ عنيف من الضوء ، وتلاشت شظايا أيتها الطاقة في العدم ، تاركةً الكوكب مكشوفاً. ارتجف سطح الكوكب بأكمله.
"ماذا ؟ لا يمكن... هذا... هذا مستحيل! " صرخ "يو جو " وقد تحطم رباطة جأشه لأول مرة وحل محلها الذهول. حيث كان قد وضع ثقته في ذلك الدرع. الجميع فعل ذلك. ومع ذلك فقد انهار في غضون دقائق.
ومع ذلك وقبل أن تستقر الصدمة ، بدأت المرحلة التالية.
اندفعت سفن المناورة الخفيفة إلى الأمام على الفور مخترقة الحاجز المحطم بسرعة هائلة وهي تهبط نحو المنشآت العسكرية الرئيسية في أرجاء الكوكب.
*دوي*
*دوي*
*دوي*
اندلعت الانفجارات عبر مناطق متعددة في آنٍ واحد ، وهزت أصداؤها مركز القيادة نفسه ، بينما سرت موجات الصدمة عبر البنيان. ترنح "يو جو " قليلاً ، متمسكاً بلوحة التحكم وعيناه متسعتان من الذهول.
"لقد وصلوا بالفعل ؟ " تمتم بصوتٍ مخنوق وهو يكافح لاستيعاب وتيرة الهجوم. فلم يكن لهذه السرعة أي تفسير ؛ فقبل أن تتمكن وحداتهم الجوية من التفعيل الكامل كانت سفن "الطائفة " قد اخترقت الغلاف الجوي وبدأت هجومها.
"ما خطبهم... ما هذه السرعة الجنونية ؟ " قالها تحت أنفاسه ، وقد بدأت ثقته تتداعى مع كل ثانية. ومع ذلك أجبر نفسه على التصرف.
"هجومٌ مضاد! " زأر بصوتٍ اخترق الفوضى. "أنقذوا الكوكب! يجب أن نصمد لأربعٍ وعشرين ساعة حتى وصول التعزيزات! "
تفعلت أنظمة الدفاع عبر السطح فوراً ، وانطلقت البطاريات الصاروخية في تتابعٍ سريع بينما صدحت أبراج المدافع وأبراج الجحيم بالحياة. أضاءت السماء بنيران المواجهة. وللحظة ، بدا الأمر وكأنه مقاومة.
ثم... انهارت.
تقدمت مدمرات "الطائفة " دون إبطاء ، وامتصت حواجزها الدفاعية التتابعية الهجمات بينما ردت أسلحتها بقوةٍ ساحقة ، محطمةً المنشآت الدفاعية واحدة تلو الأخرى. مُحيت البطاريات الصاروخية ، وسُحقت الأبراج ، وخرست أبراج الجحيم في لحظات.
ما كان يوماً شبكة دفاع محصنة ، صار الآن مجرد مجموعة متناثرة من الأهداف بانتظار التدمير. راقب "يو جو " المشهد بإحساسٍ متنامٍ من عدم التصديق.
"هذا... هذه ليست معركة... " تمتم.
"هذه مجزرة... "
في غضون دقائق من بدء الغزو ، أصبح تباين القوى أمراً لا جدال فيه ؛ إذ مزقت قوات "الطائفة " كل ما في طريقها بكفاءة وحشية. وبعد نصف ساعة ، هبطت الموجة الأولى من السفن. ولم تلقَ أي مقاومة تذكر.
"يو جو " الذي صار الآن كسيراً ومرتجفاً من القصف المستمر ، استل سلاحه وحشد الجنود الباقين حوله. "سنقاتل! " صرخ بصوتٍ أجشٍ لكنه عازم. "سندافع عن هذه الأرض مهما كلف الثمن! "
اندفعوا. وللحظة خاطفة ، بدت وقفتهم صامدة. ثم التقت بهم قوات "الطائفة ".
جاءوا في موجات ، حركاتهم عدوانية ولا تكل ، وحمل حضورهم توقاً جارفاً للقتال جعلهم يبدون كوحوشٍ كاسرة. لوح "يو جو " بنصله بكل ما أوتي من قوة ، قاطعاً رأس أول "مُتسامٍ " اقترب منه ، ثم الثاني. و لكنهم لم يتوقفوا ؛ فقد استمر تدفقهم من كل جانب ، كالذئاب التي تحيط بفريستها.
لم يخرج "فير " شخصياً لمواجهة القائد العسكري ، بل تولى "ملازمو الطائفة " أنفسهم تحدي إخضاع الخصوم الأقوياء.
*اصطكاك*
*اصطكاك*
قاتل "يو جو " بيأس ، وكانت حركاته تتباطأ مع كل ثانية بينما تراكمت الجراح على جسده. فضربة من اليسار ، أخرى من اليمين ، ونصلٌ من الخلف. ترنح. و سقط على ركبة واحدة. ومع ذلك لم يتوقفوا.
في النهاية لم يسقطه خصمٌ واحد ، بل العشرات ، وقد انهالت نصالهم في تتابعٍ سريع حتى عجز جسده عن الصمود. انهار "يو جو " تحت وطأة الهجوم الغاشم ، وبدأ بصره يتلاشى بينما تلاشت مالعالم من حوله في فوضى عارمة.
لم تكن فكرته الأخيرة عن النصر ، بل كانت عن الذهول. الذهول من أن الأمر انتهى بهذه السرعة.
وعلى امتداد الكوكب كانت القصة ذاتها ؛ محاربو "الطائفة " اندفعوا كوحوشٍ طليقة ، يمزقون المقاومة دون تردد وهم يتقدمون من هدفٍ إلى آخر بدقةٍ لا ترحم.
لم تكن هناك استراتيجيات معقدة ، ولا حيل خفية ، ولا تخريب داخلي. لم تكن "الطائفة " بحاجة إلى ذلك في هذه الحرب ، فقد انتصروا بالتفوق المحض وحده.
وفي غضون ساعة ونصف تم تحييد المؤسسة العسكرية بأكملها لكوكب "ساتورو " وفُككت دفاعاتها وسُحقت قواتها دون أمل في التعافي ، وبدا وكأن الغزو قد نُفذ بنحوٍ مثالي من البداية إلى النهاية.
أما بالنسبة لعشيرة "يو " فلم يكن هناك شيء يمكنهم فعله لإيقافه... ففي النهاية ، قُتلوا بمثل تلك الطريقة البائسة التي تمناها "فير " لما يمكن تسميته بنصرٍ مثالي.