Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

المغتال عديم الوقت 1081

العودة +


الفصل الألف وواحد وثمانون: العودة

(كوكب غرناطة ، من منظور ليو)

كان ليو يحلق صامتاً فوق بحار غرناطة الهائجة ، وقد اضطربت أنفاسه وهو يلهث بخفوت ، محاولاً السيطرة على جسده بينما كانت العاصفة تستعر دونه بلا هوادة. تلاطمت الأمواج بعنف ، تعلو وتهوي في إيقاع فوضوي ، بينما امتدت المياه الداكنة إلى ما لا نهاية في كل اتجاه ، يضج سطحها بحركة قلقة وقوى دفينة.

ومع ذلك ورغم الفوضى العارمة بالأسفل ، ركز ليو على مهمته ؛ فمد يده إلى الخارج واستجمع مياه البحر صاعداً بها في تيارات محكومة لتنسكب داخل أوعية متخصصة صنعها حِرفيو الطائفة ، وقد صُمم كل منها بدقة تتجاوز الحرفية المعتادة. لم تكن هذه الحاويات مجرد وحدات تخزين بسيطة ، فبمجرد إغلاقها كانت تحفظ كل ما يوضع بداخلها في درجة الحرارة والضغط ذاتهما وقت الجمع ، مما يضمن بقاء أدق الخصائص دون مساس بمرور الزمن. حيث كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة لنقل شيءٍ بقيمة مياه غرناطة بأمان ؛ فمهما كانت الأسرار التي تكنّها هذه المياه ، سيكون من الحماقة فقدانها بسبب طرق تخزين غير ملائمة ، إذ إن أدنى خلل في التوازن قد يفقدها قيمتها بالكامل.

*غلووب*

*غلووب*

مرت الدقائق ، وواصل ليو عملية الجمع. و تدفقت لترات تلو اللترات إلى الأعلى تملأ وعاءً تلو الآخر وهو يعمل في صمت ، وحركاته ثابتة رغم الإجهاد المتزايد الذي ينهش جسده. ومع ذلك وحتى وهو في سكونه التام ، ساوره شعور بالخطأ. بدا النصر الذي أحرزه للتو بعيداً ، بل يكاد يكون بلا معنى ، في ظل الألم العارم المنبعث من إصبعه المبتور ، والذي رفض أن يخبو ، وظل حضوره ثابتاً وخانقاً.

شعر بخفة في رأسه ، فقد بدأ فقدان الدم يستنزف قواه ، وترنحت رؤيته قليلاً بينما بدت العاصفة من حوله تتلاشى عند الأطراف ، وفقد العالم وضوحه.

"إنه مجرد إصبع... " تمتم ليو تحت أنفاسه وهو يحاول استجماع قواه ، مُجبراً أفكاره على التركيز في شيء عملي وواقعي.

"إذا عدتُ بسرعة ، فقد يظل الأطباء قادرين على إعادة وصله... " تابع حديثه وصوته يزداد خفوتاً ، كأنه يحاول إقناع نفسه أكثر من أي شيء آخر. "يمكنهم كشط اللحم المتضرر... وإزالة ما لوثه معدن الأوريجين... وإصلاح البقية... "

ظلت الفكرة تراوده ؛ هشة وغير مؤكدة. ومع ذلك تمسك بها ليو رغم كل شيء وواصل ملء الحاويات ، رافضاً أن يبطئ وتيرته رغم الدوار الذي بدأ يسري ببطء في عقله.

خمسة آلاف جالون ؛ كان هذا هو الرقم الذي توقف عنده ، فقد رآه كافياً ، إذ إن أي كمية إضافية لن تكون على الأرجح مما ستحتاجه الطائفة خلال الألفي عام القادمة. وبحركة محكومة ، أحكم إغلاق الوعاء الأخير.

*تكة قفل*

أطبقت الآلية على الفور حافظةً المحتويات بداخلها ، وتأكد ليو من تأمين كل حاوية بشكل صحيح قبل أن يسمح لنفسه بالتقاط أنفاسه ولو لثانية واحدة. ثم ودون إضاعة لحظة أخرى ، رفع يده.

*شققق*

انشق الفضاء أمامه.

*فـوووش*

تشكلت بوابة بُعدية ، تتوهج حوافها بعنف ضد العاصفة وهي تستقر لتتحول إلى ممر يؤدي إلى دياره. ومع ذلك وقبل أن يخطو عبرها ، التفت ليو مرة أخرى... كانت نظراته تبحث عن موريس الذي ما زال جالساً على مقربة منه عند طاولة اللعب والابتسامة ترتسم على وجهه ، وكأنه شهد للتو شيئاً ممتعاً للغاية.

"إلى لقاء آخر إذن... يا سيد الطائفة. "

قالها موريس وهو يزيد من عرض ابتسامته. ورغم أنها كانت من أقبح الابتسامات التي رآها ليو في حياته ، فقد أجبر نفسه على الرد بابتسامة مماثلة وهو يطلق ضحكة جافة.

"ها— "

خرجت منه ضحكة خالية من المرح ؛ لم تكن نابعة من فكاهة ، بل من إنهاك محض ، وهز رأسه بخفة قبل أن يشيح بوجهه دون نبس ببنت شفة ، وخطا داخل البوابة تاركاً غرناطة خلف ظهره.

---

(وفي هذه الأثناء ، بالعودة إلى عالم الزمن الساكن ، من منظور الظل رقم واحد)

لم يغب ليو إلا لبضع دقائق ، ومع ذلك ومع كل ثانية تمر ، شعر الظل رقم واحد بقلقه يتعمق ، وبدأ توتر صامت يلتف داخل صدره. و لقد أعطاه ليو أوامر واضحة بشأن ما يجب فعله إذا لم يعد ، ومع ذلك لم يكن الظل رقم واحد يدرك يقيناً ما سيفعله إذا لقي سيده حتفه حقاً ، حيث بدأت أفكاره تنجرف نحو احتمالات أكثر قتامة.

لو فشل ليو في العودة ، لكانت العواقب كارثية ؛ فالطائفة في وضعها الحالي أبعد ما تكون عن الاستقرار لتحمل تحول مفاجئ آخر في القيادة. حيث كانت هناك قطع شطرنج كثيرة لا تزال قيد الحركة... وخطط جمة لم تكتمل بعد ، إذ إن حلم الأجيال بالانتقام والسيادة الكونية يعتمد بشكل كلي على بقاء ليو لضمان المضي قدماً دون أي خلل. فبدونه ، سيتباطأ كل شيء ، وستجبر عقود من التحضير على التأجيل ، حيث ستحتاج الطائفة إلى إعادة التجمع ، وإعادة التنظيم ، وبناء زخمها من جديد قبل أن تفكر حتى في التقدم مرة أخرى... وهذا التأخير قد يمتد لقرون ، وكانت مجرد الفكرة يكفى لجعل الظل رقم واحد يهز ذيله بقلق خلفه.

*هزة*

*هزة*

"أرجو أن يكون السيد بخير... "

تمتم بصوت خافت ، وفي اللحظة التي وصلت فيها التوتر إلى ذروته تمزق الفراغ بجانبه فجأة.

*فـوووش*

تشكلت بوابة بُعدية في مكان قريب ، وشوهت حوافها الهواء فى الجوار ، فالتفتت عينا الظل رقم واحد نحوها على الفور.

خرج ليو منها متعثراً ؛ كان جسده غير متزن ، وأنفاسه مضطربة ، وإحدى يديه تقبض على إصبع مبتور بينما تنزف الأخرى بغزارة ، ويقطر الدم القرمزي بثبات على الأرض دونه.

ولحظة عابرة ، اهتز ذيل الظل رقم واحد بارتياح ، ثم تجمد مكانه. و لقد استوعب تماماً مشهد إصابة ليو ، فتلاشت الفرحة الأولية فوراً ، وحل مكانها قلق حاد اجتاح تعابير وجهه دون تردد.

"الأطباء ، الآن! "

أمر ليو ، وكان صوته مجهداً لكنه آمر ، يشق الهواء بضرورة لم تترك مجالاً للتأخير. استجاب الظل رقم واحد على الفور فأخرج جرم الاتصال الخاص به وبدأ في إصدار أوامر متلاحقة ، وكان صوته حاداً ومنضبطاً وهو يبلغ عن حالة الطوارئ لكل وحدة طبية متاحة في النطاق.

وفي غضون لحظات ، تلت ذلك حركة سريعة ؛ تردد صدى خطوات الأقدام في القاعات بينما هرع فريق من الأطباء إلى الحجرة ، وكانت ملامحهم تفيض بالتركيز وهم يستعدون لتقييم الضرر ومعالجته دون إضاعة ثانية واحدة.



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط