الفصل ألف واثنان وسبعون: اللعبة تشتد وطأة
كان خيار موريس للخطوة التالية جلياً لا ريب فيه ؛ فقد أحكم قبضته على "غولم " ليو بخناقٍ محكم ، ومن ثم كان الهجوم الأكثر منطقية هو ذاك الذي يستغل هذا التحكم المطلق ؛ فبما أن خصمه مقيد ولا يقوى على تغيير موضعه لم تعد هناك حاجة للدقة أو التمهيد ، بل للقوة الغاشمة التي تُسدد بيقينٍ تام.
وهكذا ، حين كشفت المصفوفه عن تحركاتهما في آنٍ واحد—
*قلب البطاقات*
ارتطام ×10.
انفجار ×2.
للحظة خاطفة ، بدا وكأن الهواء قد سكن وتجمد ، بينما استقر الخياران في أرض الواقع معاً ، قبل أن تستجيب الهياكل دون تأخير.
تحرك "غولم " موريس أولاً ، فشدت أطرافه الحجرية وثاقها حول هيكل ليو ، بينما عدل وقفته بنية وحشية ، فخلخل توازن الهيكل المتضرر أصلاً مع الحفاظ على التحكم الكامل في الجزء العلوي ، قبل أن يهوي به إلى الأسفل بقوة كارثية ، موجهاً زخم المضاعفات بأكمله في حركة ساحقة واحدة لم تعرف تردداً ولا هوادة.
*بووووم*
هبط الارتطام بثقلٍ طاغٍ ، فاصطدم بغولم ليو لتتفتح الشقوق عبر هيكله ، وتتفاقم الأضرار التي لحقت به مسبقاً ، بينما تفتتت شظايا الحجر تحت وطأة الضغط.
بيد أنه في اللحظة ذاتها ، تفعلت حركة ليو من الداخل ؛ إذ أضاء السطح المتصدع لغولمه على طول شقوقه مع اندفاع الطاقة من جوفه ، قبل أن ينفجر انفجاراً ارتجاجياً في كل اتجاه ، ليتمدد بسرعة فائقة في شكل كرة عنيفة اجتاحت كلا الهيكلين من مسافة قريبة جداً ، حيث أشعت القوة الخارجية للانفجار بعنف أشد بكثير من الداخل ، مندفعة مباشرة نحو غولم موريس في ذروة حركته.
*بوووم*
اصطدمت القوتان فى تبادلٍ عنيف ، حيث سحق الارتطام النازل هيكل ليو الواهن بالفعل ، بينما رد الانفجار بضراوة مماثلة ، مرسلاً موجة صدمة عبر هيكل موريس ؛ فانتشرت التصدعات عبر جذعه وذراعيه ، وتموجت الحرارة على سطحه بينما بدأت أجزاء من جسده بالفحيح تحت وطأة الأثر.
للحظة وجيزة ، سادت الفوضى كل شيء ، حيث تلاحمت القوى وتناثرت الصخور المحطمة ، وتطايرت الشظايا عبر المصفوفه بينما تموجت الصدمة في الفضاء المحصور بينهما.
ومع انقشاع غبار المعركة ، تراجع غولم موريس إلى الخلف ، وانفكت قبضته وهو ينزلق عبر المصفوفه ، وبات هيكله الذي كان مستقراً يوماً ما مكسواً بالشقوق الواضحة ، بينما انبثق وهج حراري خافت من سطحه ، مما أظهر ضرراً جلياً مع الحفاظ على استقراره الهيكلي.
أما غولم ليو ، فقد نال منه الضرر أكثر بكثير ؛ إذ اسودَّ هيكله بالكامل وتفحم من الداخل ، وانتشرت كسور عميقة في كل شبر من جسده حتى غدا بناؤه بالكاد متماسكاً ، وباتت أجزاؤه تهدد بالانهيار في أي لحظة ، وظل صامداً فقط بأدنى هامش ممكن.
كان الفرق لا ينكره أحد.
لثانية واحدة ، خيّم الصمت بينهما ، بينما عصف الإعصار حول تلك الصخرة المنفردة ، وظل كلا الهيكلين في مكانهما ؛ أحدهما متضرر ولكنه مستقر ، والآخر يصارع من أجل البقاء.
ثم انفجر موريس بالضحك.
"هاهاهاهاها! "
رن صوته بجموح في قلب العاصفة وهو يميل برأسه إلى الخلف ، وشعره يتطاير في فوضى بينما ارتجف جسده بأكمله من شدة الحماس ، وكأن الدمار الذي يتجلى أمامه كان هو المطلب الذي طالما انتظره.
"هذا جميل! "
انحنى للأمام فجأة ، واتسعت عيناه بابتهاج هوسي وهو يحدق في ليو مباشرة ، واتسعت ابتسامته أكثر فأكثر ، إذ بدا أن عدم التوقع المطلق في هذا التبادل قد بث فيه روحاً جديدة.
"هل اخترت الدمار في هذه اللحظة ؟ "
ضحك مرة أخرى ، بصوت أعلى هذه المرة ، عاجزاً عن كبح تسليته.
"كنت أظنك الرجل الحذر! "
كانت أصابعه تنقر الآن بسرعة على الطاولة لم تعد حركات مدروسة بل غدت عشوائية ، بينما غذت الفوضى القائمة أمامه حماسه المتزايد.
"هذا هو بالضبط ما كنت أريده! "
قال موريس ذلك وانخفض نبر صوته قليلاً بينما تحولت ابتسامته إلى شيء أكثر حدة ، ورمق الهياكل المحطمة بنظرة خاطفة قبل أن يعود بصره إلى ليو.
"هذا التقلب وعدم التوقع.. أعشق هذه السمة في الخصم... "
أشار بخفة نحو المصفوفه المتضررة ، وعيناه تلمعان.
"تملك صلابة ورباطة جأش يا ليو سكاي شارد ، أشهد لك بذلك. و لكن حسبما أرى ، فأنت الآن في مأزقٍ حرج... "
"لدينا بطاقة اخذ واحدة. ولكن ، أتظن حقاً أنني سأسمح لك باستخدامها ؟ أم سأنهي هذا القتال قبل أن تسنح لك الفرصة للتعافي ؟ "
سأل موريس ذلك وهو يفرك كفيه حماساً ، بينما ظل ليو رزيناً كعادته.
"سوف أهجم في الخطوة القادمة... وسأضع بها خاتمة لهذا النزال. "
ترك موريس كلماتِه تستقر بينهما ، ولم تحِد عيناه عن وجه ليو ، مترقباً أي أومأ ولو طفيفة ، أو أدنى تصدع في ذلك المظهر المتماسك الذي رفض أن يمنحه أي انطباع.
"أم تراني سأفعل ؟ "
أفلتت منه ضحكة خافتة وهو يميل إلى الخلف قليلاً ، وأصابعه تنقر على الطاولة بإيقاع بطيء وغير منتظم.
"هل أقول لك الحقيقة.. آملاً أن تظنها كذبة ؟ "
اتسعت ابتسامته.
"أم أنني أكذب.. آملاً أن تظنها الحقيقة ؟ "
أمال رأسه ، متفحصاً ليو عن كثب الآن.
"لأنك إن اعتقدت أنني سأهجم ، فستلجأ للمراوغة.. وإن راوغت في حين أنني لم أهجم ، فستتراجع مرتبتك أكثر. "
تبع ذلك صمت قصير.
"وإن ظننت أنني أكذب ، فستحاول الرد بهجوم مضاد.. أو ربما ستجرب شيئاً ذكياً ، شيئاً تفاعلياً.. شيئاً يائساً. "
توقفت أصابعه عن النقر.
"وإن كنت سأهجم حقاً بينما تفعل ذلك... "
أطلق ضحكة ناعمة.
"فسينتهي الأمر عند تلك النقطة تماماً. "
انحنى موريس للأمام مرة أخرى ، وكانت نظرته حادة ومتطفلة ، وكأنه يحاول شق طريقه مباشرة إلى أفكار ليو.
"أترى الضباب ؟ "
ابتسم.
"لم يعد هناك جواب صحيح بالنسبة لك. "
صمتٌ آخر.
"كل خيار تملكه الآن.. يعتمد عليّ. "
واتسعت ابتسامته أكثر.
"وأنا لم ألعب بطاقتي بعد. "
للحظة ، عاد الصمت بينهما ، كثيفاً وخانقاً ، بينما اكتفى موريس بالمراقبة ، مستمتعاً بوضوح بالضغط الذي خلقه.
"لذا تفضل يا سكاي شارد... "
نقر على الطاولة مرة أخرى.
"أبهرني ، واذهل عقلي ، واستعد مكانتك في هذه اللعبة. أو.. افشل. "