الفصل 626: أحداث غير متوقعة في المقابلة
ما هو شعور أن تصبح مشهوراً بين عشية وضحاها ؟
لم يكن "دو هينغ " يعلم كنه ذلك الشعور.
حتى حينما رأى حسابه على "إنستغرام " الذي يعود لأيام دراسته الجامعية ، وكيف قفز عدد متابعيه فجأة من خانة الآحاد إلى خمس خانات لم يختلج في صدره أي شعور. فقد هجر ذلك الحساب منذ تخرجه ، ولم تكن زيادة المتابعين في نظره سوى أرقام صماء تتبدل لم تثر في نفسه أدنى تموج.
بيد أن نظرة واحدة إلى سيل التعليقات التي انهمرت فجأة تحت منشوراته ، جعلت "دو هينغ " يشعر بأن رباط جأشه أوشك على الانفصام.
ثمة من يسأل عن نصائح طبية ، ومن يبحث عن توصيات لأطباء مشهورين ، لكن الغالبية العظمى كانت تعج بالشك ، والسموم ، والافتراء.
تجرع "دو هينغ " للمرة الأولى مرارة التنمر الإلكتروني ، وأدرك بوضوح تلك الصورة القاتمة التي وصفتها له "الأخت لي ".
كانت هذه شهرة نالها دون أن يطأ على أصابع أحد ، فماذا لو كان قد مس مصالح قوى متنفذة ؟ لربما عصفت به هذه العاصفة بعنف يربو على هذا بمئة ضعف. لا عجب إذن أن ينسحب بعض المشاهير فجأة من عالم الإنترنت ، ولا عجب أن يمزح البعض عبر الشاشة يوماً ، ثم يودعون العالم في اليوم التالي. حقاً ما يقال إن الكلمات كالسكاكين و كل طعنة منها تريق دماءً و فجرة قلم بسيطة قد تقطع كالفأس ، ولا يقوى الجميع على تحمل نصلها ، لا سيما مثقف مثله ، يقدس كرامته ويملك حساً عالياً بالخجل. حيث كان يشعر وكأن كل كلمة تُنحت في صميم قلبه.
"بعيداً عن العين ، بعيداً عن الخاطر " و أخذ "دو هينغ " نفساً عميقاً وأغلق الصفحة.
لكن عينيه المحتقنتين بالدم ، وأنفاسه المتلاحقة ، وصدره الذي يعلو ويهبط و كل ذلك كان يشي بأن إغلاق الصفحة لم يفلح في تهدئة روعه.
وقف "تشيو بينغ تشين " بهدوء أمام مكتب "دو هينغ " مراقباً حالته بصمت ، دون أن يجرؤ على النطق بكلمة.
إن تيارات الإنترنت حقاً وحش متقلب الأطوار.
بالأمس كان مستخدمو الإنترنت ما زالون يضجون بمرض "فنغ سو " بالسرطان ، لكن بحلول وقت الغداء ، انحسر المد فجأة ، وتحول اهتمام الرأي العام من النجمة الشهيرة إلى الطب الصيني التقليدي ، ثم تسلطت الأضواء على "دو هينغ " نفسه ، مما أثار سجالات حادة ، لا سيما حول قدرته الحقيقية على علاج السرطان.
ولم تلبث هذه النقاشات أن تحولت إلى حملات تنديد ضد "دو هينغ " بدعوى الخداع ، وشكوك حول جدوى الطب الصيني في علاج الأمراض. وبحلول الوقت الذي استعد فيه "دو هينغ " للذهاب إلى عمله لم تعد قضية "فنغ سو " تتصدر المشهد.
حتى تحت منشورات "فنغ سو " نفسها لم يعد الناس يكترثون إن كانت تصور مع "لي تشين " أو إن كانت مصابة بالسرطان حقاً ، بل كان يشغلهم أمر واحد فقط: هل حقاً شفاها "دو هينغ " بمجرد جرعات من الدواء العشبي ؟
كانوا يأملون أن تخرج هي ، بصفتها صاحبة الشأن ، لتوضح الحقيقة.
كان "تشيو بينغ تشين " بمثابة المستشار المؤقت لـ "دو هينغ " خلال اليومين الماضيين ، وكان مطلعاً بدقة على ديناميكيات الشبكة العنكبوتية.
وبالنظر إلى حالة "دو هينغ " أدرك أن تلك التعليقات قد نالت من صفو مزاجه.
لحسن الحظ كان "دو هينغ " يمتلك قدرة جيدة على ضبط النفس ، فبعد بضع أنفاس عميقة ، استعاد هدوءه وسأل "أيها المدير تشيو ، ما الخطب ؟ "
نظر إليه "تشيو بينغ تشين " وحين رآه قد استجمع قواه ، قال "لقد وصلت جين جوان. هل تود مقابلتها أيها العميد ؟ "
تنهد "دو هينغ " تنهيدة ثقيلة وسأل "ماذا قالت ؟ هل هي مستعدة للتعاون معنا ؟ "
"رفضت في البداية ، ولم تهرع بالعودة والموافقة على التعاون إلا بعد أن تواصلتُ مع المدير (لي) من لجنة الصحة. "
كانت نبرة "دو هينغ " باردة بعض الشيء وهو يقول "لن أقابلها. فقط اشرح لها الأمر بوضوح ، وأخبرها أن تنتقي كلماتها بعناية حين يصل المراسلون لاحقاً. "
تردد "تشيو بينغ تشين " فقطب "دو هينغ " حاجبيه وسأل "ما المشكلة ؟ "
"جين جوان تريد رؤيتك ، تريد التحدث إليك. "
ضحك "دو هينغ " بمرارة "بالنظر إلى وضع الإنترنت اليوم ، هل يهم حقاً إن كانت مستعدة للتعاون أم لا ؟ "
ثم استحال تعبير وجهه إلى جليد "إن تعاونت ، فستوفر علينا بعض العناء وتغنينا عن كثرة التفسيرات ، وإن لم تفعل ، فسنبذل نحن جهداً أكبر لتوضيح الأمور بأنفسنا. "
لقد أحدث هذا التحول غير المتوقع في الأحداث تغييراً جذرياً في ذهنية "دو هينغ " وهو تغيير شعر به "تشيو بينغ تشين " بوضوح.
في البداية كان اعتراف "جين جوان " العلني كفيلاً بامتصاص الكثير من الضغط عن "دو هينغ " والمستشفى و "فنغ سو ". لكن من كان يظن أن صخب "فنغ سو " سيكون أقل بكثير مما كان متوقعاً ؟ لم تكن فضيحة مدوية من فضائح المشاهير التي تعود عليها الناس ، فتبين أن نفوذ شهرتها كان أهون شأناً من تافهٍ من توافه مشاهير الإنترنت الكبار. حيث كان هذا أمراً لم يتوقعه أحد.
علاوة على ذلك أظهرت المواضيع الساخنة المتقلبة باستمرار أن فضول الجمهور حول الطب الصيني وقدرة "دو هينغ " على علاج السرطان فاق بكثير اهتمامهم بأخبار المشاهير.
لولا بقيةٌ من شهرة "فنغ سو " وحادثة تسريب خصوصية المريض من قبل المستشفى —مما جعلهم يخشون دعوى قضائية أو مطالبة بالتعويض— لما كلف "دو هينغ " نفسه عناء الالتفات إلى "جين جوان " الآن.
أدرك "تشيو بينغ تشين " ما يدور في خلد "دو هينغ " لذا لم يضغط عليه لمقابلة "جين جوان " بل اكتفى بالإيماء والموافقة ، ثم انصرف ليتحدث إليها.
في العاشرة والعشرين دقيقة صباحاً كان مراسلون من محطة التلفزيون البلدية والمحطة الإقليمية قد نصبوا كاميراتهم في مكتب "دو هينغ " يوجهون موظفي مكتب المستشفى لتعديل ترتيب الأثاث.
ولم يكن "دو هينغ " بمنأى عن هذه الجلبة ، فقد جلس على الأريكة بينما كان خبير تجميل ، جاء مع المراسلين ، يوزع المساحيق على وجهه.
تململ "دو هينغ " في جلسته وقال "يا رفاق ، أنا سأجيب فقط على بضعة أسئلة ، فهل كل هذا التجميل ضروري حقاً ؟ " كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يُثار فيها كل هذا الضجيج حول وجهه ، وهو الذي كان يكتفي عادةً بلمسة بسيطة من كريم "داباو " المتواضع.