الفصل الحادي والخمسون بعد المائتين: من أجل المال وحسب
كانت المرأة تحاول افتعال جلبة وصخب ، وهي تصرخ بصورة مبالغ فيها ، لكن "غونغ داويانغ " لم تنطلِ عليه تلك التمثيلية و فقبض على ياقة ثوبها بحزم وجذبها واقفة ، بينما سارع "ليو غونغ " من خلفها إلى الإمساك بكتفيها.
صاحت المرأة بصوت جهوري "آآآه! أنقذوني! الشرطة تعتقل الناس! و لماذا تعتقلونني ؟ اتركوا سبيلي! ".
سخر "غونغ داويانغ " منها قائلاً "بأي اليس كذلك ؟ أنتِ أدرى الناس بالسبب. ستشرحين كل شيء بالتفصيل في المركز " ثم التفت إلى "ليو غونغ " وأردف "خذها إلى السيارة واقتدها إلى المركز لإجراء تحقيق مستفيض معها ".
لم يعر "ليو غونغ " اهتماماً لتمثيل الدراما الذي تمارسه المرأة ، بل أحكم قبضته على ذراعها وجرّها إلى سيارة الشرطة الرابضة في الخارج.
وبعد رحيل "ليو غونغ " توجه "غونغ داويانغ " بحديثه إلى القرويين الذين تملكهم الذعر "يُشتبه في تواطؤ هذه العائلة مع هؤلاء النصابين لخداعكم جميعاً. سآخذهم للتحقيق معهم بدقة. عودوا أنتم إلى أعمالكم ، ومن كان له حق في اخذ ماله ، فليتقدم لاستلامه ".
"متواطئون لخداعنا ؟! "
"كنت أعلم! إنها مجرد عميلة مأجورة كـ (طُعم)! وإلا فلماذا تسرعت في شراء أربعة صناديق دون حتى أن تستفسر بشكل لائق ؟ "
"وأنا أيضاً راودني الشك ، ولهذا لم أشترِ شيئاً. إنها معروفة بتقطيرها وبخلها الشديد ، فكيف لها أن تدفع ثمانية آلاف يوان بهذه السهولة اليوم ؟ لابد أن في الأمر (إنّ) ".
"حتى حموها الذي يعشق الزحام عادةً ، شدّ الرحال إلى المدينة قبل الفجر اليوم.. لابد أنه فعل ذلك لإبعاد الشبهات عن نفسه.. ".
بثّت كلمات "غونغ داويانغ " الطمأنينة في أرواح القرويين المذعورين ، كما أشعلت فيهم "فطنة ما بعد الحدث " حيث شرع كل واحد منهم يسرد قصصاً عن حصافته المزعومة وتنبؤه بما حدث.
وعندما رأى "غونغ داويانغ " استقرار الأوضاع لم يعد يساوره القلق ، فمشى نحو "دو هينغ ".
"يا أخي ، أشكرك على مساعدتك اليوم ".
"لا تشكرني يا غونغ ، لقد فعلت ذلك من أجل مصلحتي أيضاً ".
تربت "غونغ داويانغ " على كتف "دو هينغ " مرة أخرى وقال "دعنا لا نفرط في المجاملات ، فجميلك هذا العميد في رقبتي ، وسنجلس معاً في وقت آخر لنتبادل أطراف الحديث بشكل لائق. عليّ الآن رفع تقرير للمسؤولين ، لذا لا يمكنني الإطالة أكثر من ذلك ".
أومأ "دو هينغ " برأسه وقال "تفضل لمباشرة عملك ، فأنا أيضاً لدي شؤون عليّ إنجازها ".
لقد سمع كلمات "ليو غونغ " بوضوح و فالفرق الأخرى كانت بالتأكيد في مناطق أو قرى مجاورة ، ومع نجاح "غونغ داويانغ " هنا ، فإنهم بلا شك سيستأصلون شأفة هؤلاء النصابين بضربة واحدة حاسمة.
وبعد تبادل عبارات الوداع ، نادى "دو هينغ " على "طبيب الصيدلة " ليغادرا معاً ، إذ لم يعد لهما عمل هناك. ومع ذلك ألقى كلام "ليو غونغ " السابق بظلال من الهمّ على قلب "دو هينغ ". فالمتوطئون مع هؤلاء النصابين في بيع تلك السموم لم يقتصروا على رؤساء القرى فحسب ، بل شملوا أيضاً بعض أطباء الريف و لكنه لم يكن يدري عددهم بالتحديد.
وفي ظل الظروف الراهنة لم يستطع "دو هينغ " الاستفسار بشكل مباشر ، وكان عليه الانتظار ريثما تظهر نتائج تحقيقات مركز الشرطة. ولهذا ، وبينما كان يقود السيارة ، غلب عليه الوجوم والكدر.
أما "طبيب الصيدلة " فكان يشعر بشيء مماثل ، لكن الحيرة كانت تملأ رأسه أكثر.
"أيها المدير ، هؤلاء المتواطئون كانوا إما رؤساء قرى أو أطباء ريفيين ، أي أنهم من وجهاء قراهم ، وجميعهم ينتمون إلى القرية نفسها حيث لابد أن يلتقوا ببعضهم البعض يوماً ما. كيف يجرؤون على فعل فعلة كهذه ؟ لقد سمعت للتو أن المبالغ لم تكن طائلة ، مجرد ألفين أو ثلاثة آلاف يوان ، وأكثرهم كسباً نال ستة آلاف فقط. ألا يعتقدون أن الأمر لا يستحق كل هذه المخاطرة ؟ ".
تمالك "دو هينغ " أعصابه وقال بهدوء "قد لا تبدو بضعة آلاف من اليوانات مبلغاً كبيراً في نظرك. أما بالنسبة لهم ، فإن المخاطرة بمواجهة سخط الناس من أجل ذلك المال.. قد يعادل راتبك الشهري أو ربما أقل. و لكن ما لا تعرفه هو أن المتدربين في هذه المناطق الجبلية في (سنترال ليك) قد يكدحون في الحقول عاماً كاملاً ليجنوا مبلغاً كهذا ، وربما أقل منه. و على سبيل المثال ، أخي وزوجته ، بعد خصم ثلاثة آلاف يوان ثمن الأسمدة لم يجنيا من حقولهما العام الماضي سوى ألف وثلاثمائة يوان فقط. لذا أخبرني ، إذا كان بإمكانك بدلاً من الكدح والمشقة ، أن تكسب عدة آلاف في يوم واحد لمجرد أنك كنت أول من يشتري شيئاً ما – وبمال ليس مالك أصلاً – ألا تفعل ذلك ؟ ".
"لكن.. لكن.. الآن وقد انقشع الغطاء وانكشف أمرهم ، كيف سيواصلون العيش في القرية ؟ ".
ضحك "دو هينغ " بمرارة "أنت تتحدث عن انكشاف أمرهم ، ولكن ماذا لو لم يُكتشف ؟ لكانوا قد كسبوا عدة آلاف مقابل لا شيء. لماذا لا يفعلونها إذن ؟ ".
"أقصد ، ماذا لو افتُضح أمرهم كما حدث الآن ؟ ".
"سيواجهون الأمر في حينه ، ولكل حادث حديث ".
قطب "طبيب الصيدلة " حاجبيه قائلاً "ولكن كيف يطيقون العيش في القرية ؟ ".
"هه ، هذه هي الأرياف. إنهم يعيشون في بيوتهم المستقلة وأفنيتهم الخاصة ، ويمتلكون أراضيهم. ما الذي يمنعهم من العيش ؟ ".
"ألا يشعرون بالإحراج والارتباك ؟ ".
"يخرجون للعمل في الحقول مع تباشير الصباح ويعودون عند الغروب. يغلقون بواباتهم ، يتناولون عشاءهم ويشاهدون التلفاز. وسواء شعروا بالارتباك أم لا ، فما شأن الآخرين بهم ؟ ".
ألقى "دو هينغ " نظرة من نافذة السيارة وقال بنبرة فاترة "الأرض هنا شاسعة والسكان قليلون. و إذا انكفأ المرء على حقل نفسه ، فلن يكاد يلتقي بأحد. وحتى لو اكتُشف أمرهم ، ففي أسوأ الأحوال سيدّعون أنهم هم أنفسهم تعرضوا للخداع ، وسينطوي الأمر ويُنسى مع مرور الأيام. إنهم جيران ، وربما أبناء عمومة من أصل واحد ، فليس من المعقول أن يقتلهم أحد من أجل ذلك أليس كذلك ؟ فضلاً عن ذلك وكما قلتَ أنت للتو ، هؤلاء إما رؤساء قرى أو أطباء ريفون. هل تعتقد أن أسرة وحيدة غريبة عن القرية يمكنها أن تتبوأ مثل هذه المناصب ؟ ".
كان "طبيب الصيدلة " من سكان المدن الأصليين ، ولم يكن يفهم خفايا الحياة الريفية وتعقيداتها ، ولم يبدأ في استيعاب الصورة إلا بعد سماع تفسير "دو هينغ " المقتضب.
"بما أن الأمر كما قلت أيها المدير ، فلا ينبغي أن يواجه الأطباء المتورطون مشاكل كبيرة. فلماذا ما تزال قلقاً إذن ؟ ".
"لست قلقاً بشأن وقوعهم في المتاعب ، بل يساورني القلق بشأن عقليتهم في ارتكاب ذلك ".
خفف "دو هينغ " من سرعة السيارة قليلاً وقال بشيء من الشجن "أهلنا هنا ، في الظروف العادية ، لا يرتادون المستشفيات الكبيرة إلا إذا استفحل بهم الداء أو بلغت الروح الحلقوم. وهم في الغالب يكتفون بالعلاج في العيادات الريفية. و يمكن القول إن أطباء هذه العيادات هم خط الدفاع الأول الذي يحمي هؤلاء الناس. فلو كانوا أكثر مسؤولية ، يربحون المال وفي الوقت ذاته يقدمون للمرضى نصائح سديدة ، لكان ذلك خيراً و إذ سيمنعون تحول الأمراض البسيطة إلى أمراض مزمنة ، والمزمنة إلى حالات حرجة. أما إذا صار هؤلاء الأطباء لا يلهثون إلا خلف المال ويتعاملون مع حالات مرضاهم بإهمال وصورية ، فهذا نذير شؤم على القرويين ".
سكت "طبيب الصيدلة " ولم ينبس ببنت شفة. فالناس يميلون لرؤية الأشياء من زوايا مختلفة و ومنظورهم ومواقفهم عند تقييم القضايا قد تتباعد مابعد المشرقين.
وبعد فترة طويلة من الصمت ، سأل فجأة "أيها المدير ، عندما نذهب إلى العيادات الريفية الأخرى لاحقاً ، هل يجب أن نسأل عما حدث ؟ ".
هز "دو هينغ " رأسه بحزم "لا تطلب ، ولا تُلِح في القول. سننتظر أخبار مركز الشرطة في هذا الشأن. مهمتنا اليوم تنحصر في تفتيش القضايا المتعلقة بالأدوية في تلك العيادات. وإذا وجدنا مواد دوائية دون المستوى ، فسنكتفي بتنبيههم للتخلص منها في أسرع وقت ".
"وماذا لو تجاهلوا تنبيهنا ؟ نحن لا نملك سلطة معاقبتهم ".
"عندها سنتركهم وشأنهم. وفي يوم الاثنين ، سأرفع تقريراً بهذا الشأن إلى المكتب ، وسيكون لمكتب الرقابة على الغذاء والدواء طرقهم الخاصة للتعامل مع الأمر. حينها ، ليقلع كل منهم شوكه بيده ".
أومأ "طبيب الصيدلة " برأسه موافقاً ، وقال "أنت على حق. نحن لم نرفع تقريراً مسبقاً ، بل تجشمنا عناء الزيارة لتنبيههم. فإذا لم يقدروا ذلك فليس في يدنا ما نفعله أكثر من ذلك ".