الفصل الخامس عشر: الفصد عند نقاط "الشِي شوان " العشر
كانت تدرك حدود قدراتها جيداً و هكذا فكرت تشانغ جين ليان. حيث كانت تعلم علم اليقين أنها لا تملك القدرة على التعامل مع مثل هذه الحالة الحرجة. فلو كان المريض شخصاً بالغاً ، لربما تجرأت على تجربة إجراءٍ اختباري ، لكن المريض هنا طفلة ، والأطفال كائنات رقيقة غالية على قلوب ذويهم ، لذا لم تجرؤ على التصرف بتهور. وبالطبع ، لو كان الأمر مجرد حمى بسيطة ، لما ترددت في علاجها ، أما وقد اجتمعت كل هذه الأعراض دفعة واحدة ، فمن ذا الذي يدري كنه هذا المرض ؟ إن أخطأ العلاج ووقع للطفلة مكروه ، فلن يكون التعويض المادي أكبر همومها ، بل كانت تخشى على حياتها ومستقبلها المهني.
في نهاية المطاف ، انحصر الأمر في حقيقة واحدة: لم تكن تملك الجرأة.
"أيها المدير ؟ " التفتت تشانغ جين ليان نحو لي تشنج دي ، وكانت نظرتها تحمل معنىً جلياً "لا أستطيع التعامل مع هذا الأمر ، القرار لك ".
أُلجم لي تشنج دي من الدهشة ، ولم يتوقع أن تلقي تشانغ جين ليان بكرة النار في حجره هكذا. و لقد شغل منصب مدير المركز الصحي لعشر سنوات ، وكانت بلدة "تشونغهو " هي المكان الثاني الذي يخدم فيه مديراً. وبصراحة ، طوال تلك السنوات العشر كانت مهاراته الطبية قد علاها الصدأ ولم تعد تواكب التطورات و بل غدت عملياً بلا فائدة. وفوق ذلك كله كان جراحاً في الأصل ، ولم تكن الأمراض الغامضة من نقاط قوته.
قال لي تشنج دي "حالة الطفلة حرجة للغاية ، ولا يمكننا التعامل معها هنا. و من الأفضل أن تسرعي بها إلى مستشفى كبير ".
كان يود في تلك اللحظة لو يمزق تشانغ جين ليان إرباً ، هكذا فكر ، لكنه حين نظر إلى الطفلة التي غدا صراخها مبحوحاً لم يستطع إلا أن يلفظ تلك الكلمات قسراً.
أما دو هينغ الذي كان يستمع من الخلف ، فقد غلبه الذهول. لم يتخيل أبداً أن يرفض هذان الاثنان علاج الطفلة. و نظر إلى العاصفة الثلجية في الخارج حيث تنهمر ندف الثلج الكبيرة ، وإلى الطريق الأبيض الشاسع الموحش الذي لا تعبره سيارة ، وتساءل في نفسه: كيف يطاوعهم قلبهم أن يطلبوا من امرأة حمل طفلتها إلى مستشفى كبير في مثل هذه الظروف ؟ كيف تجرؤ ألسنتهم على نطق كلمات كهذه ؟ نعم ، بالسيارة قد يستغرق الوصول إلى مستشفى كبير عشر دقائق أو عشرين ، ولكن سيراً على الأقدام ، سيستغرق الأمر ساعة على الأقل. وفوق ذلك فهذه طفلة تعاني من حمى شديدة و والمشي بها في هذا الجو القارس سيكون أمراً يفوق الاحتمال.
إن الحمى الشديدة خطر داهم و إذ قد تسبب تهيجاً مفرطاً أو كبحاً للقشرة العقلية ، مما يؤدي بسهولة إلى تشنجات حرارية ، لا سيما لدى الأطفال الصغار الذين هم أكثر عرضة لذلك. و علاوة على ذلك فإن الحمى المستمرة لفترة طويلة تسرع معدل ضربات القلب ، مما يزيد العبء على عضلة القلب ، وإن وجد عيب خلقي في القلب ، فقد يؤدي ذلك بسهولة إلى فشل قلبي. و كما تؤثر الحمى الشديدة على الوظائف الهضمية ، ويؤدي استمرارها إلى فقدان كميات هائلة من المياه عبر التبخر ، مما يهدد بالإصابة بالجفاف. و هذه الطفله الصغير جداً ، وحرارتها بلغت 39.1 درجة مئوية ، فكيف يمكنهم ترك المريضة ترحل هكذا ؟
رأى دو هينغ الأم وهي على وشك الانهيار أمامهم ، بينما ما زال الطبيبان يصران على نقلها للمستشفى ، فما كان منه إلا أن نحى تشانغ جين ليان التي كانت تسد طريقه جانباً ، وتخطى لي تشنج دي ، ثم حمل الطفلة من على السرير واتجه بها نحو غرفة معاينته الخاصة.
"توقفي عن البكاء ، واتبعيني إلى مكتبي ".
كانت هذه الكلمات بالنسبة لأم الطفلة كبشارة من السماء ، أو كقشة الغريق التي تشبثت بها. أفلتت يدي الطبيبين ، وأتبعت دو هينغ وهي تغص بعبراتها.
ارتاع لي تشنج دي من تدخل دو هينغ المفاجئ. ومع أنه أعجب بروح المبادرة لديه إلا أنه لم يكن يثق البتة في قدراته. "بطن حادة ؟ دو هينغ لم يعالج حالة كهذه من قبل. ثم هل يستطيع الطب الصيني التقليدي علاج حالة بطن حادة أصلاً ؟ "
"شياو دو أنت... "
"أيها المدير ، أنا أعرف ما أفعله ". قالها دو هينغ دون أن يلتفت برأسه.
بقي لي تشنج دي عاجزاً عن الكلام أمام تصرف دو هينغ المتهور. وأمام عائلة المريضة لم يستطع قول أي شيء حاد. وبينما كان في هذا المأزق ، رأى فجأة ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتي تشانغ جين ليان ، فاستشاط غضباً على الفور ورمقها بنظرة شرسة محذراً إياها بصمت أن تلم شتات نفسها. وفي الوقت ذاته ، قرر في قرارة نفسه أن مهمة تجميع السجلات الصحية للبلدة بأكملها ستكون من نصيبها.
كانت وانغ تشين تشين أيضاً قلقة على دو هينغ. لم تكن تصدق أن بمقدوره علاج حالة بهذه الخطورة و وإلا لما كانت قد أحضرت المريضة إلى مكتب تشانغ جين ليان منذ البداية. ولكن برؤية رحيل دو هينغ المستعجل لم يتبقَّ أمامها إلا أن تتبعه وهي لا تملك من أمرها شيئاً.
بمجرد عودته إلى مكتبه ، وضع دو هينغ الطفلة فوراً على سرير الفحص ونزع عنها أغطيتها بالكامل. وعندما تحررت أطراف الطفلة ، بان جلياً أن جسدها الذي كان يرتجف في البداية ، قد بدأ يختلج قليلاً. حيث أطلق دو هينغ زفيراً طويلاً.
في الطب الصيني ، ثمة قاعدة تقول "في الحالات الحادة يُعالج العَرَض ، وفي الحالات المزمنة يُعالج الأصل ". لذا فإن الأولوية القصوى الآن هي خفض الحرارة. فإذا تطورت التشنجات الحرارية ، فإن احتمال تلف العقل لدى طفلة بهذا العمر سيكون أمراً مرعباً.
"بو وي ، أحضر حقيبة الإبر الخاصة بي وعقمها ".
كان وو بو وي قد بدأ هذه الاستعدادات بالفعل منذ لحظة دخوله. وبحلول الوقت الذي أنهى فيه دو هينغ كلامه كانت الإبرة الأولى في يده بالفعل.
ألقى دو هينغ نظرة تقدير على وو بو وي. و هذه المرة لم يطرح أي أسئلة مفاجئة ، بل بدأ في غرس الإبر مباشرة.
بيد أن الطفلة كانت تبكي وتضرب بأطرافها يمنة ويسرة ، مما جعل القيام بالوخز الإبري مستحيلاً. ولم يجد دو هينغ بداً من طلب المساعدة من أم الطفلة لتمسك يديها. ثم التفت إلى لي تشنج دي ووانغ تشين تشين والآخرين الذين تبعوهم إلى الداخل وقال "لا تقفوا متفرجين و ساعدوا في تثبيت الطفلة ".
أما تشانغ جين ليان ، فقد تجاهلها دو هينغ غريزياً.
وبعد جهد مضنٍ تمكنوا من تثبيت الطفلة ، وهو أمر آلم الأم في الصميم ، فانهمرت دموعها كالسيل.
نظر دو هينغ إلى الأم الباكية وحذرها قبل غرس الإبر "لا تدعي شفقتكِ على الطفلة تجعلكِ تترددين الآن. حيث يجب أن تمسكيها بقوة ، فإذا لم تفعلي وحدث خطأ ما ، فلن أكون مسؤولاً ".
بقول ذلك ثم لم يعر الأم اهتماماً إضافياً. حدد بدقة مواقع النقاط الإبرية وغرس الإبر بسرعة في نقاط "تشي تشي " (لي-11) ، و "واي غوان " و "هي غو " (لي-04). وبعد عدة تعديلات لضمان استقرارها ، قام بسرعة بإجراء الفصد عند نقطة "شاو شانغ " ونقاط "الشِي شوان " العشر.
حين رأت الأم ذراعي طفلتها مغطاتين بالإبر وقطرات الدم تعلو كل إصبع تمزق قلبها تماماً. وإن كانت دموعها قبل قليل تشبه المطر ، فقد انهمرت الآن كالإعصار.
إن الفصد عند نقاط "الشِي شوان " العشر تقنية شائعة في الطب الصيني ، وتشتهر بتأثيراتها العلاجية الممتازة في حالات مثل الحمى الشديدة والصداع. وكثير من الناس العاديين يألفون هذه الطريقة ، بل إن عدداً لا بأس به يستخدمونها بأنفسهم. ومع ذلك كان دو هينغ ينصح الناس دائماً بعدم القيام بها بمفردهم.
والسبب بسيط: فكثير من الناس يفتقرون للتدريب الرسمي في هذا المجال ، وحين يحاولون الفصد عند هذه النقاط ، لا يستطيعون تحديد المواقع الصحيحة أو استخدام التقنية الملائمة. ونتيجة لذلك لا يقتصر الأمر على عدم شفاء المرض فحسب ، بل يُعرّض المريض لمعاناة شديدة. وحتى لو حقق الأمر بعض الأثر ، فإن الأسلوب غير السليم—بإدخال الإبر بعمق زائد أو لمرات كثيرة—لا يختلف عن التعذيب في شيء.
فعلى سبيل المثال لم يحتج دو هينغ إلا لوخزتين أو ثلاث وخزات خفيفة على كل إصبع من أصابع الطفلة لاستخراج الدم ، مسبباً بذلك أقل قدر من الألم. أما بعض الممارسين غير المحترفين ، فقد يثقبون أصابع المريض حتى تدمى بشدة دون تحقيق أي أثر علاجي ، بل وقد يتسببون في صدمة نفسية لا تُمحى.
لقد حقق وو بو وي تقدماً سريعاً في الأيام الأخيرة. فبمجرد رؤيته لدو هينغ وهو يجري الفصد كان واقفاً بالفعل وأعواد القطن جاهزة في يده. وما إن ظهرت قطرات الدم من أصابع الطفلة حتى مسحها بسرعة. وسواء كان يعرف هذا من قبل ، أو تعلمه مؤخراً ، أو كان الأمر مجرد ضربة حظ—كرمية من غير رامٍ—فقد كان بلا شك عوناً كبيراً لدو هينغ.
وهذا ما جعل دو هينغ يشعر برضا أكبر.