الفصل الثالث عشر: الفصل الثاني عشر: لجنة الانضباط
سرعان ما انتشرت أنباء محاولة الاغتيال الفاشلة في أرجاء الأكاديمية كالنار في الهشيم ، وبدأت التحقيقات تأخذ مجراها. وفي خضم ذلك لم يعد بإمكان "رين " الاستمرار في ادعاء الإصابة في ساقه ؛ فنُقل إلى المعهد الصحي حيث أُجيريت له فحوصات دقيقة وشاملة.
بدت علامات الذهول على وجه الطبيب وكأنه يرى شيئاً لم يعهده من قبل ، وقال:
"لقد اتخذت كل عضلة في جسده شكلاً أفضل ، وأُعيد تكوينها بطريقة مثالية للحركة. و من الطبيعي أن تُخلق العضلات لتتبع نمطاً محدداً ، ولكن يبدو هنا وكأن نمطاً أكثر كمالاً قد أُدخل إلى جسده ، فتشكلت عضلاته كلها لتلائم هذا النموذج الجديد. "
ولم يكن "هلوفغار " متفاجئاً بشكل خاص ، لكنه ظل مأخوذاً بتحليل الطبيب ، وشعر بالفخر يملأ صدره.
"لم أتوقع أن ينكشف أمري بهذه السرعة ، ولكن بعد ذلك... "
عاد "رين " إلى غرفته الخاصة ، فمنذ ترقيته إلى رتبة قائد فما فوق ، صار لكل فرد غرفة مستقلة يُسمح له بتصميمها كما يشاء. وبالطبع كان جناح "رين " مفرط الفخامة ؛ إذ كانت الأثاثات كلها من الطراز البلاتيني الفاخر ، اشتراها "سير ليترا " وجلبها له مباشرة.
ارتدى زيّ "الفريق " الذي أُعيد تصميمه مجدداً ؛ وبصفته قائد الفريق كان يرتدي عباءة فضية طويلة ذات بطانة عنابية ، وقميصاً أحمر ، وسروالاً أبيض ، مع حذاء أسود يصل إلى الركبة بتصميم شرقي ، إذ وجده أكثر سحراً وجاذبية من تلك الأحذية التي يرتديها "الآرتيكيون ".
خرج بخطوات ملكية مهيبة ، فلاحقته نظرات الطلاب المليئة بالحسد. ولم يكن من الغريب أن يفعلوا ذلك ؛ فذاك الذي قيل عنه قبل شهر واحد فقط إنه لن يستطيع المشي مجدداً ، صار الآن أقوى من أي وقت مضى. و لقد غيّر ذلك نظرة الجميع إليه ، وجعل الكثيرين يكنّون له احتراماً لم يسبق له مثيل.
وصل "رين " إلى مقر الفريق ، ليجد أعضاءه جميعاً متصلبين في أماكنهم كالتماثيل ، وأمامهم شاب ذو شعر أشقر طويل يرتدي بدلة رسمية سوداء "توكسيدو " كان يفرك سبابته وإبهامه معاً ، ثم فرقع أصابعه بعد لحظات من دخول "رين ".
"أنا كيانسن أولفور ، وأنا صاحب المقعد الحادي عشر في الاتحاد. "
انعقد لسان "رين " وسقط فكه من الصدمة ؛ فعضو من أعضاء الاتحاد يجلس أمامه مباشرة ، كيف له ألا يرتبك ؟
’...مهلاً ، هل قال للتو كيانسن ؟ أليس من المفترض أن يكون هذا اسم... آآآآه‘
ضجّ رأس "رين " بالأفكار الجامحة: ’هل يعني هذا أن ابن "السيد " عضو في الاتحاد ؟ ولكن انتظر ، أليس يبدو أصغر من أن يكون ابناً للسيد ؟ ربما أنجب السيد في سن متأخرة.‘
ابتسم "أولفور " وكأنه يستمتع بتلك التعبيرات التي اعتلت وجه "رين " وبالطبع كان مستمتعاً ؛ فالشخص الذي طالما تفاخر به جده يتلعثم الآن أمام هيبته كعضو في الاتحاد.
"يُفترض بكم أن تخوضوا جلسة تدريبية معي ليوم واحد. ولكن بسبب الإنجاز الذي حققه قائد فريقكم ، قررتُ أن أقضي يوماً كاملاً مع كل واحد منكم على حدة. ما سأقوم به هو تقييمكم ومنحكم نصائحي الصادقة حول كيفية معالجة نقاط ضعفكم ، وكيفية تحطيم أي عقبة كبيرة تعترض طريقكم. لذا رغم أنني سميته يوماً واحداً إلا أنني لن أقضي أقل من ست ساعات مع الشخص الواحد. و إذاً ، من سيبدأ أولاً ؟ "
قال "رين " "سأختار أنا الترتيب. "
"أوه أنت تملك روحاً قيادية أكثر مما ظننت ، حسناً ، لا بأس. "
’فلنعطِ الأولوية للأقوياء لأنهم سيكونون أكثر حاجة لهذا التدريب ، وعلاوة على ذلك لدي خطة موضوعة للمبتدئين أيضاً ، ولن يتم تهميشهم.‘
"جون ، آرنيت ، ثم زولين ، سيغريد ،... كويتز ؟ أين هي كويتز ؟ "
أجابت "ماكسي " "قالت إنها بحاجة إلى بعض الوقت. "
"همم... أرى ذلك إنها تجد صعوبة في اتخاذ قرارها. " نظر "أولفور " إلى "زولين " وهو يلقي بكلماته ، فأتى رد فعل "زولين " بإيماءه استغراب وكأنه يقول "ماذا ؟ " فأشاح "أولفور " بنظره بخيبة أمل وتابع.
"براشيولد ، إستريد ، غريم ، ماكسي... ثم أنا. "
اندهش الجميع لأن "رين " وضع نفسه في المرتبة الأخيرة.
ابتسم "أولفور " وقال:
"حسناً إذاً ، يمكنني البدء فوراً. "
"إيه ؟ "
"إيه ؟ "
"إيه ؟ "
"إيه ؟ "
هتفوا جميعاً في وقت واحد بصيحات التعجب.
**************
دعت لجنة الانضباط إلى اجتماع طارئ. حيث كانت لجنة الانضباط هيئة سيئة السمعة في الأكاديمية ، والأكثر وحشية على الإطلاق ؛ إذ تتكون من خريجين مختارين بعناية ومدربين خصيصاً من أكاديمية "مانكرا " ومعظمهم يتسمون بطباع فظة.
لا يظهرون أبداً في الضوء إلا عندما تكون قواعد الأكاديمية ومبادئها وفخرها على المحك. وتتكون اللجنة من سبعة أعضاء ، لكل منهم قدرة فريدة تناسب التحقيقات ، أما من حيث القوة القتالية ، فقد كانوا قوة فتاكة لا تُقهر. وهي هيئة لا يمكن السيطرة عليها إلا من قِبل المدير نفسه.
"ما الذي يحدث ؟ هل استدعيتمونا جميعاً لمجرد محاولة اغتيال طالب ؟ هذا أمر يحدث بين الفينة والأخرى ، طلاب يحاولون قتل بعضهم البعض. " تحدثت "جالانا " بلامبالاة وهي تخلل أصابعها في شعرها.
وقال "تيغان " ذو الشعر الأشعث والمستقيم "لا أدري يا جال ، ما كان ينبغي لنا حتى أن نجتمع هكذا ، إن هذا إهانة للقبنا كأعضاء في اللجنة. "
"جال ، وتيغان ، كفاكما. " تحدث رجل ضخم أصلع الرأس.
"تشه " سخر "تيغان " وأشاح بوجهه بعيداً.
"لقد اجتمعنا هنا اليوم بسبب التحقيق ، هذا صحيح ، لكنني لم أحضركم جميعاً لأمر تافه. إنه أمر في غاية الأهمية... " ثم مرر ما يشبه الكتيب الصغير على الحاضرين.
"... لم أكن مهتماً حقاً بمحاولة الاغتيال ، ولهذا تركت المهمة لمدربي المدرسة ، لكني رأيت بعض الأدلة الغريبة التي تبدو جميعها وكأنها تشير إلى شيء واحد ، وإذا كان هو ذلك الشيء حقاً ، فقد نحتاج إلى يد ضاربة أكبر. "
ساد الصمت بينهم جميعاً وهم يشاهدون ما تحتويه الورقة.
"أعتقد أنكم تفهمون الآن لماذا توجب علينا التواجد هنا. "
"هذا عبث لم نسمع عنهم منذ عشر سنوات ، فلماذا الآن ؟ وعلاوة على ذلك لماذا يهاجمون طالباً ؟ " ظهر صوت "ألفا " صادقاً ومهتماً وهي تشعر بالقلق على المستقبل.
قال قائد لجنة الانضباط "ليس لدينا أدنى فكرة. "
"لكن هناك شيء واحد مؤكد ، هؤلاء الأشخاص يراقبوننا منذ فترة طويلة. "
"تشه... ماذا نفعل ؟ هل نرد الهجوم ؟ "
نظر الجميع إلى "تيغان " فأجابه فتى نحيل وطويل يرتدي نظارات مستديرة "سيكون ذلك تهوراً وقلة اكتراث منا يا تيغان. حيث يجب أن نكون حذرين للغاية ، فمغتالو (ناتشزيرر) هم وحوش كنا نلاحق قضاياهم لما يقرب من ثلاثين عاماً ، سلفنا ونحن أيضاً ، وبالتأكيد سيكون من العار أن الشمال هذا الملف لخلفائنا... "
"أليس هذا سبباً إضافياً لضربهم بقوة وسرعة ؟ "
"أين تضع عقلك وأذنيك يا تيغان ؟ الأمر لا يتعلق بالضرب بقوة ولطف ، بل بالضرب بذكاء. مغتالو (ناتشزيرر) ليسوا سوى أحجار شطرنج ، ليسوا هم محور تركيزنا ، هذه اللعبة تشبه لعبة الشطرنج يا تيغان ، وعلينا أن نلعب بذكاء لننتصر. "
وتابع القائد "وإذا كانت لديهم القدرة على تهريب أولئك المغتالين إلى داخل الأكاديمية ، فهم ليسوا هينين ، قد نكون بصدد مواجهة شيء قد يهدد وجود المدرسة نفسها. "
سألت "جالانا " "ألا يجب علينا إبلاغ المدير إذاً ؟ "
"ألا يجب علينا على الأقل الانتظار حتى نمتلك أدلة مؤكدة ؟ ليس لدينا حتى دليل جازم على أن هؤلاء الأشخاص هم (ناتشزيرر) و كل ما نفعله نابع من شعور صادم بالـ (ديجافو) ، أعتقد أنه يجب علينا إعادة تحليل الأمور. "
"أوافق (جيثرو) الرأي ، وبناءً على ذلك يجب علينا جميعاً القيام بدورنا في التحقيق وتقديم تقرير في غضون أسبوع. تذكروا ، نحن بحاجة إلى أدلة. وأيضاً ، (مينيل) و(أليسون) عليكما مراقبة الفتى الذي كان مستهدفاً ، وأريد أن أعرف المزيد عن هذا الشخص الذي تصدى بمفرده لثلاثين من مغتالي (ناتشزيرر) ، في حين أن (تيغان) بالكاد استطاع مواجهة عشرين منهم قبل عشر سنوات. "
"سحقاً لك! حيث كان ذلك قبل عشر سنوات ، فليأتوا مجدداً وسأحطم وجوههم جميعاً ، لا يهمني حتى لو كان عددهم مائة. "
"آه ، أتوقع أن أرى منك الكثير من الأفعال هذه المرة. حسناً كان من الجميل رؤية وجوهكم ، فلنبدأ العمل ، والتقرير بعد أسبوع من الآن. "
"حاضر سيدي! "
أجابوا جميعاً في آن واحد.
ورغم أنهم كانوا غلاظاً وعنيفين إلا أنه كان من غير المعروف كيف يتمكن "كال بينغ " دائماً من إبقائهم تحت السيطرة ؛ نعم ، لقد كان فرداً قوياً بلا شك ، لكن الناس شككوا فيما إذا كان ذلك وحده كافياً.
********
وصلت أنباء تحركات لجنة الانضباط إلى "هلوفغار ".
جلس في مكتبه غارقاً في التفكير:
’همم... هل بدأ المدير بالتحرك مجدداً ، أم أن هذا شيء لا داعي للقلق بشأنه ؟ في كلتا الحالتين ، لا يمكنني غض الطرف عن حقيقة أن أولئك المجرمين على وشك الانطلاق مرة أخرى. ما الذي قد يكون قد أطلقه الاغتيال ؟ هل عثروا على شيء فاتني ؟‘ لم يستطع "هلوفغار " منع نفسه من القلق ، وحدق من نافذته كعادته.
"صحيح... لقد نسيت ، السنة توشك على نهايتها. "
********
وقف "جون " مع "أولفور " في ساحة تدريب الأكاديمية. لم يرغب في الذهاب في البداية ولكن "رين " أصرّ على ذلك ثم أراد "أولفور " أن يرتاح قليلاً ، وبعد الراحة ، ها هما هنا.
خلع "أولفور " سترته وظل بملابسه الداخلية البيضاء "الطريقة الوحيدة التي يمكنني بها تقييمك هي أن تهاجمني ، لن يجدي نفعاً أن تكتفي بالتحديق من هناك ، لذا... تقدم نحوي ، وأرني من ماذا جُبلت. "
’إيه... هل يجب أن أكون سعيداً أم حزيناً...‘
توقف عقل "جون " عن التفكير تماماً.