الفصل 131: المفاوضات
بمجرد أن فرغت الأميرة أليكسيس من استحمامها، أومأت لدومينيك بالدخول.
خاطبته قائلة: "لا تزال رائحة البارود والسحر تفوح منك. لا بأس بها، لكن عليك الاغتسال ونزع درعك؛ فالعدو ليس في حال تسمح له بشن هجوم آخر هذا الصباح حتى وإن رغب في ذلك".
فأجابها: "أمركِ يا سمو الأميرة، ولكننا صرنا في وقت الظهيرة".
ردت عليه: "إذن ارتدِ درعك مجدداً بعد الاستحمام، فمن يدري ما قد يطلبه ذلك الأحمق ألبروليس بحلول المساء".
اغتسل دومينيك وبدل ملابسه، ثم عاد إلى غرفة التخطيط الاستراتيجي ليجد الأميرة شاخصة بصرها نحو النافذة.
سأل: "ما الذي تلمحينه؟".
أجابت: "هناك رسول يحمل راية الهدنة البيضاء، يسير عبر الحقول الشمالية. استعد، سنستقل عربة إلى السور".
وبينما كانا ينزلان الدرج مروراً بجناح الماركيز بيرتون، رأياه هو وولديه جالسين في صمت مطبق، يحدقون في نعش زوجته الراحلة. بدا على الصبيين وكأنهما قد تقدما في العمر عقداً من الزمان في ليلة واحدة، أما الماركيز نفسه فكان في حالة تذيب الصخر حزناً.
رفضت الأميرة أليكسيس على الفور التماسه بمرافقتهم، وتركته يواسي فجييعته.
انطلق السائق مخترقاً شوارع المدينة، فوصلوا إلى الجدار الشمالي بينما كان حامل العلم لا يزال في منتصف الطريق تقريباً عبر الأراضي المكشوفة.
همس دومينيك: "ما هي البروتوكولات المتبعة هنا؟ لم أطّلع على هذا الجزء في الكتب بعد".
أجابت أليكسيس بهدوء: "سنخاطبهم من فوق الأسوار. لا قتال حتى يعود الجميع إلى خطوطهم وتغيب الراية عن الأنظار".
توقف ذلك النبيل بملابسه الرسمية حاملاً راية التفاوض البيضاء، على بُعد عشرة أمتار من السور، ثم رفع عقيرته بالنداء.
صاح قائلاً: "هل لي أن أعرف بمن أتشرف بالحديث؟".
أومأت أليكسيس برأسها لدومينيك ليجيب بالنيابة عنها.
فقال: "أنت تخاطب الساحر الملكي دومينيك ويفمايتس، نيابة عن صاحبة السمو أليكسيس، الأميرة التاسعة لسجنيا".
أومأ النبيل برأسه احتراماً وقال: "أنا نايجل، الابن الثاني للفيكونت ستابتونتاف، أحيي الأميرة ومستشارها".
وتابع: "مساء أمس، فقدنا الدوق ألبروليس في المعركة، وياللأسف الشديد، سقط معه كامل طاقمه القيادي. وبصفتي الأعلى رتبة بين النبلاء المتبقين في القوة، أود التفاوض على انسحاب سلمي للقوات من ساحة المعركة، وجمع رفات ضباطنا النبلاء".
التفت دومينيك إلى أليكسيس، فأومأت برأسها بالموافقة، ثم رفعت يدها لتشير إلى أنها ستتحدث بنفسها.
قالت: "يا سيد نايجل، في الظروف المعتادة، لا تترك الفظائع التي ارتكبها جيش داغوس أي مجال للانسحاب السلمي. ومع ذلك، وتقديراً لثقل خسارة الدوق ألبروليس في الميدان، سأستجيب لطلبك".
وأضافت: "لكن عليّ أن أسأل، توثيقاً لسجلاتنا، من هم النبلاء ذوو الألقاب الذين قضوا في هذه المعركة؟".
تنهد النبيل تنهيدة حرّى، ورأى دومينيك أن وطأة أحداث الصباح قد هدّت كاهله.
أجاب: "الدوق ألبروليس، وأبناؤه الخمسة جميعاً، والأمير بريسكوت، واللورد الجنرال ألبروليس، بالإضافة إلى بارونات دوف، وجاستون، وناتاليا، ودوفر، وجرينبيلت".
دون دومينيك كل تلك الأسماء وأومأ برأسه بوقار، فقد كان إحضار الدوق لأبنائه الخمسة جميعاً إلى ساحة المعركة لغزاً محيراً؛ فمن الناحية التكتيكية، كانت تلك فكرة انتحارية وتفتقر للمسؤولية.
فسأل: "هل كان هناك سبب وجيه لتجمع كل ورثة ألبروليس في ساحة المعركة؟".
هز اللورد نايجل رأسه وأخلل أصابعه في خصلات شعره الأسود الشعث.
وقال: "لم يكن من المفترض وجودهم هنا. فثلاثة من أبنائه كانوا قادة سفن هوائية، ولم يتم تعيينهم في قطاع بيرتون أصلاً، لكن تم إسقاطهم جميعاً هنا. أما الاثنان الآخران فقد أُحضروا ليكونوا شهوداً على زواجه المزمع من الأميرة بعد استسلامها".
كانت الجملة الأخيرة خافتة بالكاد تُسمع، وكأنه تمنى لو لم تخرج من فمه.
عقب دومينيك قائلاً: "آه، فهمت. هذا يفسر الأمر، فقد تلقينا رسالة بهذا المضمون"، بينما بدت الأميرة أليكسيس وكأن الشرر يتطاير من عينيها من شدة الحنق.
انحنى اللورد نايجل وقال: "أشكر كرمكم يا سمو الأميرة. سأصدر الأوامر لفرق إخلاء القتلى بالبدء في عملهم الآن".
بدأ بالتراجع، لكن دومينيك استوقفه بطلب أخير: "ما هي طقوس الدفن التي يفضلها شعب داغوس لموتاهم؟".
كان يعلم أن الإجابة هي الحرق، لكنه أراد إجبارهم على حرق موتاهم هناك ليبقى المشهد محفوراً في ذاكرتهم كذكرى لمأساتهم الناجمة عن مهاجمة مدينة بيرتون.
وعرض اللورد نايجل قائلاً: "إذا سمحتم لنا بانتشال جثث قتلانا، فسنقيم مراسم حرق جثث لائقة قبل رحيلنا".
أومأت الأميرة أليكسيس برأسها ورفعت صوتها ليسمعها كل من خلف الجدار: "سنسمح لكم بجمع جثث موتاكم وحرقها. ولكن، إذا لم تنسحب قواتكم فور الانتهاء، فسنعتبر ذلك خرقاً فاضحاً لمواثيق الشرف والنبلاء، وسنأمر قناصينا باستهداف ضباطكم في أي اشتباك مستقبلي".
لقد كان هذا يحدث بالفعل، لكنه لم يكن أمراً صريحاً ومعلناً؛ فقتل النبلاء ذوي الرتب العالية هو أقصر الطرق للنصر، لكن استهداف كل كادر نبيل في الصفوف سيكون بمثابة إبادة لنسل عائلاتهم.
أجاب بنبرة حادة: "فهمت يا صاحب السمو"، ثم استدار ومضى في حال سبيله.
بعد وقت قصير من وصوله إلى الخطوط الأمامية ونصبه للعلم الأبيض على سارية للإشارة إلى وقف إطلاق النار، بدأ جنود داغوس في تمشيط ساحة المعركة، وعزل الضباط عن الجنود العاديين، والنبلاء ذوي الألقاب عن بقية الضباط.
استغرقت العملية ساعات طوال، فقد فاق عدد الموتى عدد الأحياء بمراحل، وبدا المشهد وكأن وباءً قد تفشى في المكان وحصد الأرواح حصداً.
وفي لحظة ما، جلبوا معظم الجنود من الجبهة الجنوبية للانضمام إلى بقية القوات، مما ساهم على الأرجح في نقل العدوى والأسقام التي كانوا يعانون منها إلى البقية.
لكنهم واصلوا عملهم بجلد، فقاموا بتطهير الموتى وترتيبهم في أكوام تمهيداً لحرقهم.
أضاءت محارق الجثث عتمة الليل، في مشهد جنائزي يذكر بالثمن الباهظ للحروب، ومع بزوغ الفجر، كان الناجون قد حزموا أمتعتهم ورحلوا نحو الشمال بكل ما استطاعوا حمله.
سأل أحد سحرة المدينة دومينيك وأليكسيس وهما يرقبان رحيل العدو من فوق السور: "هل كان من الحكمة السماح لهم بتمشيط الساحة؟ لا بد أنهم استردوا قدراً كبيراً من الغنائم والتقنيات السحرية".
أجابت أليكسيس: "بالتأكيد، ولكن في عيون الجنود البسطاء الذين من المستبعد أن يلمسوا فلساً واحداً من أجورهم الموعودة بعد هلاك أسيادهم النبلاء، سنبدو نحن الجانب الرحيم؛ تلك السيدة الملكية التي منحتهم فرصة لاستعادة كرامتهم قبل العودة إلى ديارهم".
وختمت قائلة: "وهذا بحد ذاته سيحطم روحهم المعنوية تماماً إذا ما فكر أحد في زجهم ضدنا مرة أخرى".