الفصل 1583: شهادةٌ تنهض
قال أوين وهو يحدق في السيف الملتهب الموجه إلى صدره من مسافة لا تزيد عن عشرين خطوة "هذا جنونٌ محض. ملكي يؤول إلى الزوال ؟ ولِمَ ؟ لأنكِ تشتهين ذلك ؟ أم لأنكِ أقنعتِ هؤلاء الأغبياء بمناداتكِ 'بالقديسة ' ؟ "
كان صوت أوين يقطر ازدراءً وهو يسخر علانيةً من القوم الذين دعوها بـ "القديسة ". كانت مجازفةً كبرى أن يعمم اتهامه بهذا الشكل الفج ، لكن لم يكن أمامه خيارٌ آخر في هذه اللحظة. حيث كان أوين يشعر بخياراته تتضاءل مع كل نبضة قلب بينما كانت هي تقلب الطاولة عليه ، وأدرك أنه إن لم يقرع رؤوس هؤلاء الحمقى ، فلن يستفيقوا أبداً ليدركوا حقيقة ماذا يجري.
تابع أوين حديثه وكأنه يتنازل عن شيء عظيم "لا أنكر أن الأب ريكارد كان خارجاً عن نطاق الإصلاح ، وربما محققوه كذلك. ولعل منحي إياهم مهلة عامٍ قبل التنفيذ كان ضرباً من الإلهام غير المقصود " أضاف ذلك وكأن التنازل الذي انتزعه توسل إغناطيوس الشخصي يحمل في طياته قيمة استراتيجية.
قال أوين رافعاً يديه كمن لا حيلة له "ربما أخطأتُ في تمديد تلك الرحمة للأب نفسه. سنعرف قريباً حين نواجه الشياطين التي تهاجمنا هذا الشتاء ، ما إذا كنا سنفتقد نيرانه في ساحة المعركة أم لا ".
على المنصة تململ بريدن ساليو في حرج وهو يراقب زوجة ابنه لا تزال جاثيةً أمام السيدة آشلين. و لقد حذرها مراراً ؛ فهي أمٌ ولديها أطفال ، وكان حرياً بها أن تعي أن هناك قوىً أعظم تتحكم في الأمور. حيث كان من المقبول دعم السيدة آشلين ضد الأب ، خاصة وأن البلاط بأكمله قد فعل ذلك لكن إظهارها للولاء بهذا الشكل... تجاوز كل الحدود.
لم يقتل أحدٌ في "لوثيان مارش " من الشياطين أكثر مما قتل أوين لوثيان. فلم يقتصر الأمر على كونه قاد غاراتٍ ضد الشياطين أكثر من أي شخص آخر منذ نهاية "حرب البوصات " قبل عشرين عاماً ، بل إنه ذبح بنفسه عدداً من الشياطين جعل الكنيسة تعلن دعمها الكامل له كقائد للحرب المقدسة التي أعلنتها ضد ذاك الكيان.
وبالنسبة للسيدة آشلين أن تحاول عزله الآن ، والشياطين تنهش مزارعهم وقراهم... كان أوين محقاً في وصفه الأمر بالجنون ، ومع ذلك بدت توشا ثابتةً في دعمها المحموم لهذا الجنون عينه!
قال أوين بشفةٍ تعلوها سخرية "لكن ربما لم يعد مهماً إن كان لدينا رجلٌ مثل ريكارد بنيرانه المقدسة في صفنا أم لا ".
واختتم أوين "ففي نهاية المطاف ، لدينا 'قديسة ' لتحل محله في الصراع ضد شياطين الليل ، ومحققٌ أعلى أيضاً. و لكنكِ تنسين يا عزيزتي " قالها وهو يلفظ كلمة 'زوجتي ' كما لو كانت فاكهةً علقمية "أنا أعرف حقيقتكِ. لقد رأيتُ العلامة على خصركِ " مذكراً الجميع في القاعة الكبرى.
تحدى أوين "ما لم تكوني مستعدةً للتعري حتى الجلد لتثبتي أنكِ لستِ ساحرةً تتلاعبين بالناس هنا بشعوذتكِ ، فلا سبب يدعوني لمسايرتكِ في هذه المسرحية. و أنا لم أركب أي جريمة. وأنتِ لستِ ميتةً حتى. فلماذا ينبغي لملكي أن ينتهي الآن ، وهو بالكاد قد بدأ ؟ "
ظاهرياً كان أوين هادئاً ومتحكماً في أعصابه. حيث كان صوته مصقولاً وناعماً كما عهدوه وهو يطرح قضيته أمام أهل البلاط ، ومن نظرات رجال مثل بريدن ساليو وأونين ليجلو ، بدت كلماته مؤثرة ، ولو قليلاً. حتى تيبال أليس بدا عليه الانزعاج ، وإن كان قلقه على البارونة بيجي فاق قلقه على سيده في تلك اللحظة.
لكن خلف هذا الهدوء الخارجي كان قلب أوين يغلي في مرجلٍ من الإذلال والغضب الذي لم يختبر مثله من قبل حتى في أسوأ لحظات انهيار خططه ، حين كان والده ينهال عليه ضرباً وتوبيخاً.
كان يخسر. مجدداً. و في معركة الكلمات المنمقة والحجج البراقة كان يخسر بذات القسوة التي خسر بها أمام السيدة إيزابيل في مدينة بلاكويل. بل الأسوأ ، أنه يخسر أمام امرأة أخرى من بلاكويل ، هذه المرة أمام شبحٍ عاد من الموت ليسلب منه كل شيء في الليلة التي كانت ينبغي أن يحتفل فيها بامتلاك كل ما يستحقه.
لقد انتزعت منه جوسلين أيضاً. المرأة التي انتظر طويلاً ليمتلكها ، وها هو جسدها الآن يلتصق بالفارس ذي الشعر الناري والملطخ بالدماء الذي دعته آشلين بـ 'السير أولي ' ، وكأنها نبذته من أجل حامٍ أفضل...
لم يكن لفظ "الغضب " كافياً لوصف عاصفة المشاعر المحترقة والمكسورة التي تضطرم في صدره. ولكن إن لم يستعد السيطرة على الموقف قريباً ، وإن اقتربت منه آشلين بذلك "الشفرة الملتهب " وشعوذتها ، فلن تجدي الحقيقة نفعاً... وسينتهي به المطاف ككومةٍ من العظام والرماد المبعثر على الأرض.
قالت آشلين "لم ترتكب أي جرائم ؟ ". ازداد توهج الشفرة في يدها مع تصاعد غضبها ، وتراجع القوم الذين كانوا يجلسون في الموائد القريبة والذين بدؤوا لتوهم في الاسترخاء ، إذ شعروا بلفح حرارة السيف.
كررت آشلين بصوتٍ ترددت أصداؤه بين جدران القاعة الكبرى "أتقر بلسانك أنك لم ترتكب أي جرائم ؟ ".
تقدم إغناطيوس بخطواتٍ هادئة وجثا إلى جانبها وقال "يا صاحبة السيادة ". وفي يديه حمل الغمد المذهب المرصع بالجواهر لنصل اللهب المقدس ، وقدمه لها كدعوةٍ لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
قالت آشلين وهي تأخذ نفساً عميقاً وتغمض عينيها "أنت محق ". ثم مع زفيرها البطيء ، تلاشت النيران الذهبية على طول الشفرة ، كما لو أنها تنفخ شمعة حتى بدا السيف في يدها بسيطاً وعادياً. حيث كان مزخرفاً ، لا شك ، لكنه لم يعد منارةً تحرق بقوة اللورد المقدس للنور في هذا العالم.
وحين فتحت آشلين عينيها الزمرداياتان وأعادت الشفرة إلى غمده ، عادت لتكون تلك السيدة النبيلة من مقاطعة بلاكويل. ظلت تتمتع بحضورٍ آسر كقبطان سفينة في أعالي البحار ، بقبعتها ذات الريشة الداكنة الطويلة وجوهرتها الياقوتية المتلألئة ، لكنها عادت امرأةً عاديةً فانية ، بدلاً من تلك "القديسة " الغاضبة التي كانت تشهر سيف العدالة الملتهب قبل لحظات.
قالت آشلين ببرود "بالنسبة لرجلٍ لم 'يرتكب أي جرائم ' ، يا زوجي ، فإنك تبذل جهداً خارقاً لإخفاء أفعالك عن رعيتك ".
تابعت آشلين مخاطبةً البلاط والقاعة الكبرى بدلاً من أوين "في ليلة زفافنا ، ضربني زوجي حتى أوشكتُ على الموت ، وأمر فرسانه بدفني عند أقاصي حدود المقاطعة. و لقد عدتُ الليلة طلباً للعدالة ، وهذه ليست المرة الأولى التي أعود فيها ".
أكملت آشلين "منذ أشهرٍ خلت ، وبينما كنتُ لا أزال أتعافى مما فعله بي ، علمتُ كيف أخفى خبر موتي. و لقد أعلن للعالم بأسره أنني كنت حاملاً ، وعثر على امرأة بين خدم قصر لوثيان تشبهني ، ثم ساقها خفيةً إلى الفيلا الصيفية ليقنع المقاطعة بأكملها بأنني لا أزال على قيد الحياة. حيةً ، وحاملاً بطفله ".
قالت آشلين وهي تثير موجةً من الهمسات بين الحضور الذين سمعوا بذلك الاسم المشؤوم "تنكرتُ في زي خادمة تُدعى 'ليندا ' لأدخل الفيلا الصيفية وأرى الحقيقة بأم عيني. وهناك التقيتُ بسميرة ".
ناديت آشلين "سميرة " والتفتت إلى الطاولة حيث تنتظر حاشية بلاكويل. اتجهت كل العيون في القاعة الكبرى حيث اتجهت عيناها ، بينما نهضت المرأة التي بدت في مراحل حملها الأخيرة -والتي ظن الكثيرون بالفعل أنها تشبه السيدة آشلين- ببطء من مقعدها. "هل أنتِ مستعدة لقول قصتكِ ؟ "
قالت سميرة بصوتٍ كان من الثبات بحيث تفاجأها هي نفسها "أنا مستعدة ، يا صاحبة السيادة ". وخلفها ، وقفت إيزابيل ، وقدمت لها ذراعها لتسندها وهي تمشي نحو الممر الأوسط.
قالت سميرة ، وهي تتململ في حرج إذ شعرت بثقل نظرات الجميع وهي تحط عليها "يا سادة ، اسمي سميرة. و أنا المرأة التي تظاهرت بأنها السيدة آشلين في الفيلا الصيفية... وأنا أم طفل اللورد أوين ".