الفصل 94: فودكا على ضفاف الفستولا
تقدم بول بخطى وئيدة، وكان التوتر جلياً على رجاله من خلفه. حتى عيناه كانتا تلمعان ببريق من القلق وهو يخطو للأمام، بينما أحاط به غوستاف وثلة من جنود "الفيرماخت"، وقد خفضوا فوهات بنادقهم الرشاشة، لكنهم ظلوا في حالة تأهب قصوى.
تعالى صرير الخشب تحت أحذيتهم الثقيلة حينما بلغوا منتصف الجسر الممتد فوق نهر "فيستولا".
هناك، كان يقف رجل يرتدي بزّة عسكرية بلون أخضر داكن، تزدحم عشرات الأوسمة على صدره؛ وكان بول يدرك تماماً أن صدراً كهذا سيُثقل بمزيد من الأوسمة إذا ما سارت الحرب وفقاً لما خطط له التاريخ في سيناريوهاته الأصلية.
كان الرجل أسطورة حية بالفعل، لكن مجده كان في طور الصعود فحسب.
بدا أقصر مما تخيله بول؛ غزا الشيب شعره، وبدأ خط شعره بالتراجع إلى الخلف.
"الجنرال جوكوف؟" سأل بول بدهشة لم يستطع إخفاءها، فمن المفترض أن يكون هذا الرجل في أقصى بقاع الأرض، يقاتل اليابانيين.
"اللواء جيجر؟" أجاب جوكوف، وهو يصارع نطق الاسم قليلاً بلكنته الروسية الثقيلة التي لا تخطئها أذن.
أومأ بول برأسه ماداً يده، فالتقت عيناهما، وللحظة خاطفة تبادلا نظرات سابرة، ثم قبض جوكوف على يده وصافحه بحرارة تنم عن تقدير.
أومأ الجنرال السوفيتي بيده الحرة إلى جندي يقف بالجوار، فاقترب الأخير وانحنى برأسه بينما همس جوكوف في أذنه بكلمات هادئة.
ما إن انتهى، حتى استقام الجندي والتفت نحو بول قائلاً:
"يعرب الجنرال جوكوف عن سعادته بلقائكم، ويأمل في تعاون مثمر بيننا، الآن وفي المستقبل. ويرى أننا قدمنا نموذجاً يحتذى به في فض هذا النزاع."
أومأ بول برأسه بوقار قبل أن يرد:
"وأنا أشاطره الرغبة ذاتها. لقد ذاع صيت أعمال الجنرال جوكوف وبلغت الآفاق، ويشرفني حقاً لقاؤه شخصياً. وإذا سمح الأمر، أود أن نبقى على اتصال دائم."
اتسعت عينا الجندي المترجم قليلاً حين سمع الجملة الأخيرة، لكنه سرعان ما نقلها. ونظر جوكوف بدوره إلى بول بدهشة جلية قبل أن يجيب:
"يشكرك الجنرال جوكوف على كلماتك الطيبة، وهو يرحب بشدة بفكرة التواصل المستمر، لكنه يتساءل عن الوسيلة التي تفضلها؛ أستكون عبر الرسائل، أم البرقيات، أم اللقاءات الشخصية؟"
رسم بول ابتسامة خفيفة على ثغره ووضع يديه خلف ظهره قائلاً: "أفضل الرسائل والبرقيات كبداية، ومع ذلك، لن أرفض احتساء فنجان من القهوة مع الجنرال. وفي الواقع، يمكننا القيام بشيء من هذا القبيل الآن."
أعطى بول إشارة خفيفة لأحد مرافقيه وهمس له ببضع كلمات. وبينما كانت المحادثة مستمرة، بدأ الجنود بنقل طاولة صغيرة من خشب البلوط ووضعها وسط الجسر.
راقب جوكوف المشهد باهتمام، وبمجرد أن وصلته الترجمة، أومأ برأسه ببطء والابتسامة ترتسم على وجهه.
"لا قهوة.. الفودكا أفضل."
أطلق بول ضحكة قصيرة وأومأ برأسه موافقاً: "لك ما أردت."
ثم وقع مشهد من أغرب مشاهد الحرب؛ وُضعت الطاولة في قلب الجسر، وأُحيطت بكرسيين متقابلين جُلبا من شاحنة قريبة. جلس الجنرالان، ووُضعت زجاجة "فودكا" شفافة بينهما، وبجانبها كأسان صغيران.
مدّ جوكوف يده نحو الزجاجة، وألقى نظرة خاطفة على بول كأنه يستأذنه، فأومأ بول بالموافقة. مُلئت الكؤوس دون أي تكلف أو مراسيم رسمية.
رفع جوكوف كأسه وهتف بصوت جهوري: "نا زدوروفي" (في صحتك).
رد بول رافعاً كأسه هو الآخر: "بروست" (نخبك)، قبل أن يتجرع ما فيها دفعة واحدة.
من خلفه، ظل غوستاف واقفاً كالتمثال، يرمق الزجاج والشراب بريبة واضحة، لكن بول كان واثقاً من أمر واحد: في مثل هذه اللحظة الجيوسياسية الحرجة، لن يجرؤ الروس على ارتكاب حماقة كالتسميم.
ولم يقتصر الأمر على توطيد أواصر العلاقة بين الجنرالات فحسب، بل امتد ليشمل الجنود أيضاً؛ إذ سُمح لهم بعبور الجسر والاختلاط. وقف جنود "الفيرماخت" في جانب جوكوف، بينما عبرت قوات الجيش الأحمر نحو جانب بول.
ورغم أن معظمهم لا يفقه لغة الآخر، إلا أنهم نجحوا في كسر حاجز الصمت عبر الإيماءات، وبعض الكلمات المشتركة، والتعبيرات البسيطة. تقاسموا ما في جعبتهم كما فعل قادتهم؛ وزعوا الشوكولاتة، والمشروبات، والسجائر، وبعض المقتنيات الشخصية البسيطة. ولبرهة من الزمن، بدت الحرب وكأنها ذكرى بعيدة.
وفي زاوية أخرى، كان الضباط ذوو الرتب الرفيعة يجرون مناقشات هادئة بمساعدة المترجمين، واقفين على الجسر على مقربة من بول وجوكوف اللذين واصلا حديثهما الخاص.
قال المترجم: "يقول الجنرال إن اسمك غدا معروفاً في روسيا، وإن مناوراتك العسكرية خضعت لتحليلات دقيقة من قبل هيئة الأركان العامة."
اتسعت عينا بول للحظة خاطفة لا تكاد تُلحظ، قبل أن يستعيد هدوءه المعتاد وكأن شيئاً لم يكن.
أجاب بول بنبرة رصينة: "هذا شرف كبير لي."
استمر الحوار لردح من الزمن، تناولوا فيه الاستراتيجيات العسكرية وضرورة ضبط النفس والتفاهم المتبادل، حتى شارف اللقاء على نهايته.
قال بول أخيراً: "أتعلم يا جنرال، سأريك يوماً ما خدعة سحرية."
كانت نظراته في تلك اللحظة توحي بشيء من الخطورة والجدية.
"خدعة سحرية؟" سأل جوكوف، وقد بدت عليه علامات الاستغراب الشديد.
تابع بول وهو يحدق في عينيه مباشرة: "للحظة واحدة، سيحبس العالم أنفاسه ذهولاً."
أمال جوكوف رأسه قليلاً متسائلاً: "وكيف ذلك؟"
صمت بول للحظة، ثم قال وهو يثبت نظره في عيني الجنرال: "سترى ذلك بأم عينك، فإخبارك الآن سيفقد الأمر وقعه وسحره."
تلك اللحظة التي خُلدت في التاريخ لاحقاً باسم:
"فودكا على نهر الفستولا".
مثّل ذلك اللقاء نهاية الحرب البولندية الألمانية بعد سبعة عشر يوماً فقط، محققة نصراً أسرع من أي جدول زمني كان متوقعاً؛ لقد كان الأمر في غاية الكفاءة.
ومع ذلك، كان هناك من لا يزال يأبى الانصياع للقدر، مهما كان الثمن.
اندفع رئيس الوزراء "سيكورسكي" بخطى متعثرة نحو الطائرة، يتبعه اثنان من أقرب مساعديه. أُغلق باب الطائرة بقوة وصخب قبل أن يتمكن أي منهم من استجماع أنفاسه.
جلس سيكورسكي، وكانت حركاته متشنجة وغير متزنة؛ عيناه تزيغان بذعر، ورأسه يلتفت يمنة ويسرة وهو يرمق النافذة الصغيرة بنظرات متلاحقة.
لم يكن المطار سوى شريط ترابي وعر على مشارف وارسو، بقعة لم يطأها الألمان أو الروس بعد.
بدأت الطائرة تتحرك، ببطء في مستهل الأمر ثم بدأت تتسارع. اهتز هيكلها بعنف وهي تشق طريقها فوق المدرج غير المستوي، وارتجف جسدها تحت وطأة الضغط المتزايد.
ثم فجأة، ساد الهدوء.
ارتفعت العجلات عن الأرض، ومعها انقشع جزء كبير من توتر سيكورسكي. زفر بعمق، مانحاً نفسه لحظة من السكينة، وألقى نظرة أخيرة من النافذة قبل أن يستند بظهره إلى المقعد.
انتقلت نظراته إلى الحقيبة الكبيرة القابعة بين ركبتيه؛ الحقيبة التي تحوي كل ما تبقى لسيكورسكي من قيمة في هذا العالم.
تمتم بصوت خافت: "ستكون باريس ملاذاً آمناً"، محاولاً طمأنة نفسه.
لكن ما غاب عنه في تلك اللحظة، هي تلك النظرة التي رشقها به مساعد الطيار من خلال باب المقصورة المفتوح جزئياً.
كان رأس المساعد مائلاً قليلاً، وفي عينيه بريق شيطاني، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة غامضة. ثم وبحركة مباغتة، استدار نحو قمرة القيادة، وصب جام تركيزه على الطيار الجالس بجانبه.
لم يطرف لسيكورسكي جفن، حتى انبثقت الدماء بغزارة من رقبة الطيار، وتناثرت في أرجاء قمرة القيادة.
قال مساعد الطيار بنبرة هادئة وابتسامة باردة رغم هول الموقف: "يبدو أننا واجهنا حادثاً بسيطاً."
جحظت عينا سيكورسكي، وتسارعت دقات قلبه مع تغلغل الذعر في أوصاله.
"حادث؟ ماذا تعني بـ..." بدأ يتلعثم، لكن مساعد الطيار كان قد انتفض من مقعده وخرج من القمرة شاهراً مسدسه.
تحرك الضابطان المرافقان بدافع غريزي، وحاولا الوصول إلى أسلحتهما، لكنهما كانا أبطأ من الموت المحتم.
دوى صوت رصاصتين متتاليتين.
اخترقت الرصاصتان جبهتيهما بدقة متناهية. ارتمى جسداهما للأمام قبل أن يسقطا جثتين هامدتين فوق سيكورسكي، الذي دفعهما عنه باشمئزاز وذعر.
"تباً، ما هذا؟ ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ من أنت؟" صرخ سيكورسكي، والهلع يكسو ملامح وجهه.
بتمهل وثقة، مد الرجل يده وخلع قبعته، بينما ظلت يده الأخرى ثابتة، والمسدس مصوب بدقة نحو صدر سيكورسكي.
حينها، ظهر وجه مألوف لدرجة مرعبة.
قال هايدريش وهو يبتسم لسيكورسكي ابتسامة شيطانية: "رينهارد هايدريش.. من الجستابو. أهلاً بك في رحلتنا الأخيرة."
-------------------------------------
شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل "أحجار القوة"، وكل تعليق، وكل مراجعة.