الرايخ الثالث: ظلال النسر الذهبي 87

مصيران


الفصل 87: مصيران

يا رفاق، لقد ساءت حالتي الصحية، لذا قد يقل عدد الفصول في الأيام القادمة؛ فالأمر يعتمد على تماثلي للشفاء.

------------------

"مهلاً أنت، أستطيع رؤيتك"، قال الرجل بهدوء وهو يرفع فانوسه.

فجأة، استعاد ميخائيلوف وعيه من غيبوبته، ونظر إلى الرجل الماثل أمامه؛ بدأ بصره يتفحص قدمه، ثم ساقه، وصولاً إلى يديه ورأسه.

تمتم ميخائيلوف بصوت واهن وهو يميل برأسه للأسفل مجدداً: "أأنت... أأنت ألماني؟".

رد الرجل ببرود وهدوء: "أنا أتحدث البولندية، وأرتدي ملابس بولندية، أنا بولندي يا صديقي".

على الرغم من أن الشك كان لا يزال يساور ميخائيلوف، إلا أن هذا الرجل كان أمله الوحيد.

سأل بضعف: "هل يمكنك مساعدتي؟".

أجابه الرجل: "بالتأكيد"، ثم وضع فانوسه جانباً ودفع الجثة الجاثمة فوقه بيده الحرة.

تأوه ميخائيلوف تحت وطأة الثقل، لكنه تمكن في النهاية من الانزلاق والخروج من تحت الركام البشري. تنفس الصعداء وهو يتحسس ساقيه بيديه ليتأكد من سلامتهما.

مد الرجل الغامض يده، فأمسك بها ميخائيلوف وقد بدأ يضع ثقته فيه.

قال الرجل وهو يرمق ميخائيلوف بنظرة فاحصة: "تعال معي".

أومأ ميخائيلوف برأسه، وسار الاثنان ببطء عبر ساحة المعركة؛ حيث كان يتعرف أحياناً على وجه هامدة، ويرى في أحيان أخرى جثة صديق قديم.

سأل بصوت خافت: "هل أنا الناجي الوحيد؟".

تمتم الرجل، وقد ازداد صوته حدة وبروداً في النهاية: "بالفعل. لقد كنت محظوظاً ومنكوباً في آنٍ واحد، وهو وضع مألوف لي".

توقف ميخائيلوف فجأة وسأل: "سيدي، هل لي أن أعرف اسمك؟".

توقف الرجل بدوره والتفت إليه، وكانت في عينيه نظرة عميقة غامضة.

"اسمي ليون".

"ليون"، كرر ميخائيلوف الاسم وهو يومئ برأسه. "أنا ميخائيلوف، شكراً لك على مساعدتك".

اكتفى ليون بالإيماء برأسه واستدار متابعاً سيره.

اختفى الظلان خلف ستارة الضباب البيضاء الكثيفة، ولم يتبقَ في هذه الأرض الموحشة سوى صدى نقرات عصا ليون المنتظمة على الأرض.

قال ليون محذراً وهو يصل إلى أطراف المدينة: "انتبه". تناهى إلى مسامعهما صوت شاحنة تقترب، تصاحبها أصوات جنود يتحدثون الألمانية.

التصق الاثنان بجدار منزل قديم متمركزين في الظل بينما مرت الشاحنة مسرعة.

قال ليون وهو يشد على فكيه غضباً: "إنهم يغزون المدينة الآن".

اتسعت عينا ميخائيلوف بدهشة: "انتظر... كم مر من الوقت منذ انتهاء المعركة؟".

استدار ليون وأطلق ضحكة جافة تفتقر للمرح.

أجاب ليون: "لقد غططت في سبات عميق يا صاح؛ تلك المعركة كانت قبل يومين".

ازدادت ملامح الذهول على وجه ميخائيلوف.

"إذن ماذا حدث للقوات المنسحبة من بوزنان؟".

هز ليون رأسه بأسى: "إنهم محاصرون تماماً، على الأقل حسبما تناهى إلى مسامعي".

هز ميخائيلوف رأسه بعنف كأنه يرفض الحقيقة: "ألم ينجُ أحد؟ هل ذهب كل ذلك سدى؟"، صرخ بمرارة وهو يضرب قبضته على الحائط.

"مهلاً، اهدأ"، قال ليون وهو يمسك بميخائيلوف بقوة، مشيراً إليه بضرورة الصمت.

تجمد ميخائيلوف في مكانه مستمعاً، وبالفعل كانت الجلبة والأصوات الألمانية تقترب منهم.

تمتم ليون بضيق: "سحقاً".

صرخ جندي ألماني وهو يتقدم نحوهم رافعاً رشاشه بوضعية الاستعداد: "أنتما! أيها الحثالة البولندية، ماذا تفعلان هنا؟ هناك حظر تجول ليلي". ثم التفت نحو جندي آخر يقترب منه.

بدأ الجندي كلامه ساخراً: "يا كلاوس، انظر إلى هذين الاثنـ..."، لكنه توقف فجأة وخرجت غرغرة مكتومة من حلقه.

انهار الجندي صريعاً، وصدى طلقة نارية كاتمة يتردد في أرجاء الليل.

اتسعت عينا الجندي الآخر وهو يحاول رفع رشاشه من طراز "إم بي 40" (MP40)، لكن الوقت كان قد فات؛ إذ دوى صوت طلقة أخرى في الشارع الخالي أردته قتيلاً.

تنهد ليون، وأعاد مسدسه إلى حزامه على عجل.

قال ببرود: "هيا بنا، تلك الطلقات ستجلب المزيد منهم حتماً".

استدار وسار مبتعداً وهو يعرج بمشية سريعة.

حدق ميخائيلوف فيه للحظة بذهول، ثم نظر إلى الجثتين، وبدأ يمشي ببطء مقتفياً أثر الرجل.

تسللوا عبر الأزقة الضيقة وبين المباني المدمرة، بينما كانت أصوات الصفارات وصيحات الجنود تملأ أرجاء المدينة.

وأخيراً، وصلا إلى وجهتهما. أخرج ليون مفتاحاً حديدياً ثقيلاً وفتح الباب، دافعاً ميخائيلوف إلى الداخل. تبعه ليون وهو يعرج، وألقى نظرة خاطفة إلى الخارج للمرة الأخيرة قبل أن يغلق الباب بإحكام. أدار القفل وسار فوق الألواح الخشبية التي أصدرت صريراً تحت وطأة عصاه، اتجه نحو النوافذ وأغلق الستائر واحدة تلو الأخرى بعناية.

سأل ميخائيلوف وهو لا يزال واقفاً بذهول في منتصف الغرفة: "هل تعتقد أنهم سيعثرون علينا؟".

تمتم ليون بعد أن أسدل الستارة الأخيرة: "هذا أمر مستبعد"، ثم مد يده إلى جيب معطفه.

للحظة، تجمد ميخائيلوف خوفاً من أن يخرج الرجل سلاحه، لكن ليون أخرج علبة سجائر.

سأله وهو يفتح العلبة: "هل تود تدخين واحدة؟".

على الرغم من أن ميخائيلوف لم يسبق له التدخين قط، إلا أنه تقدم وأخذ سيجارة دون تفكير، وشعر بملمسها الورقي الناعم وهو يتفحصها.

"من أين حصلت على هذه؟ حتى الضباط في..."، صمت ميخائيلوف وتنهد بندم وحسرة.

دخل ليون الغرفة وهو يعرج ثم ارتمى على كرسي بذراعين مهترئ.

قال بهدوء بينما كانت نظراته تائهة في أرجاء الغرفة: "كنت أعمل في السكك الحديدية، في المحطة المحلية".

وأضاف وعيناه مسمرتان على صورة معلقة فوق المدفأة الباردة: "كنت أحصل على بعض الرشاوى والمكافآت أحياناً، كما تعلم".

اقترب ميخائيلوف متفحصاً الصورة؛ كانت مصفرة بفعل الزمن ومتجعدة الأطراف، لكن وجه المرأة فيها كان لا يزال واضح الملامح.

سأل ميخائيلوف وهو يلتفت نحو ليون: "هل هذه زوجتك؟".

رمقه ليون بنظرة حادة جعلت القشعريرة تسري في بدنه؛ فتراجع ميخائيلوف على الفور وجلس بحذر على كرسي آخر.

وقبل أن يغرق في أفكاره، تحدث ليون مجدداً.

قال دون أن ينظر إليه: "اذهب وأحضر بعض الحطب؛ لدي بعض منه في تلك السلة هناك".

تنهد ميخائيلوف بارتياح خفي، ثم نهض وسار نحو السلة.

عاد ومعه حزمة من الحطب ووضعها داخل الموقد الذي بدا مهجوراً لفترة طويلة.

كانت السيجارة لا تزال بين شفتيه، فأخذ عوداً من القش وأشعله من قداحة ليون ثم وضعه تحت الحطب.

اشتعلت النيران ببطء، وامتدت ألسنة اللهب من القش إلى الخشب الجاف.

جلس ميخائيلوف مكانه، ولم يعد يكسر صمت الغرفة الثقيل سوى صوت طقطقة الخشب المشتعل.

قال ليون فجأة بصوت متهدج مليء بالكراهية: "لقد كانت كذلك"، ثم التفت برأسه نحو ميخائيلوف الذي نظر إليه بفضول وتساؤل.

قال وهو يشد على فكيه بقوة: "كانت زوجتي، لكنها لم تعد كذلك؛ لقد قتلها الألمان".

ابتلع ميخائيلوف ريقه بصعوبة، وغاص بجسده أكثر في الكرسي.

قال ميخائيلوف وعيناه دامعتان: "أنا أيضاً فقدت صديقاً مقرباً".

وأضاف وهو ينظر إلى ليون: "أو على الأقل، هذا ما أظنه"، فتلاقت أعينهما في نظرة حزينة مشتركة.

أومأ ليون برأسه وقال: "على يد الألمان".

درس ليون ملامح ميخائيلوف للحظة أخرى، كأنه يقرأ ما يدور في خلده، ثم نهض فجأة.

قال وهو يفتح باباً يؤدي إلى الفناء الخلفي: "تعال خلفي".

نهض ميخائيلوف ببطء وخرج؛ كان الهواء الخارجي قارساً في تلك الليلة.

كانت الحديقة صغيرة وذابلة، وفي إحدى زواياها برز شواهد قبرين في الاتجاه الذي كان ليون يسير نحوه.

توقف ميخائيلوف بجانبه، واتجهت نظراته حيث كانت نظرات ليون مثبتة على الحجارة.

قال ليون مشيراً إلى القبر الأيسر: "لقد أخبرتك عن زوجتي "آنا"، هذا كان اسمها".

أومأ ميخائيلوف برأسه، ناظراً إلى القبر الذي بدا موحشاً في تلك الظلمة.

ثم انتقل إصبع ليون ليشير إلى القبر الأيمن. توقف للحظة، ناظراً إلى السماء بمرارة.

قال ليون بصوت خافت خاوٍ من المشاعر: "هذه أختها "ماريا"، لقد آثرت الانتحار"، وهو ما أثار في نفس ميخائيلوف اضطراباً أكبر.

قال ميخائيلوف: "أنا آسف حقاً"، وشعر بأنها الكلمة الوحيدة التي يمكنها التعبير عن مواساته، ثم استدار ببطء للعودة إلى الداخل، لكن ليون قبض على كتفه بقوة.

نظر إليه ميخائيلوف بحيرة وتساؤل.

أشار ليون نحو شجيرة في زاوية بعيدة. ضيّق ميخائيلوف عينيه فرأى حجراً ثالثاً، لكنه كان محطماً إلى عشرات القطع الصغيرة، ومع ذلك كانت معالمه واضحة.

استدار نحو ليون وعيناه متسعتان من الصدمة.

قال ليون دون أن يطرف له جفن: "هذا القبر لي".

نظر إليه ميخائيلوف الآن برعب حقيقي تجاوز مجرد الخوف.

"كما ترى، كنت أتمنى أن تنتهي حياتي عند تلك النقطة، لكنني وجدت هدفاً جديداً؛ هدفاً هو ما يدفعني للبقاء على قيد الحياة حتى الآن".

ساد الصمت المكان من جديد، قبل أن يفتح ميخائيلوف فمه متسائلاً بتردد: "وما هو هذا الهدف؟".

قال ليون وهو يحدق في الأفق البعيد: "العقيد هاينريش ياغر.. سأقتله حتماً". كانت عصاه مغروسة بقوة في الأرض بفعل قبضته المتشنجة.

في تلك الأثناء، لم يكن الرجل المقصود على علم بما يُحاك له؛ فقد كان يقود سيارته عبر غابات جنوب بولندا، وتتبعه فرقة الدبابات الخاصة به في موكب عسكري مهيب.

بعد بضع ثوانٍ، رصد "بول" الهدف من مسافة بعيدة؛ رفع يده عالياً فتوقفت دبابته، وتبعتها الدبابات من خلفه.

ترجل الجنود من شاحناتهم وتبعوا "بول" الذي تقدم وحيداً، وعيناه مثبتتان على الجسر الممتد أمامه. وعلى الجانب الآخر، كانت مجموعة أخرى من الدبابات في الانتظار، وفي منتصف الجسر وقف ضابط ألماني بوقار ويداه متشابكتان خلف ظهره.

خطا "بول" فوق الألواح الخشبية للجسر التي صرخت تحت وقع حذائه العسكري، توقف في منتصف الطريق ومد يده للتحية.

قال بول وهو يبتسم ابتسامة خفيفة: "إروين، يبدو أنك كنت الأسرع في الوصول".

أجاب رومل ضاحكاً: "بفارق زمن كبـير يا هاينريش، رغم أنني سمعت أنك واجهت بعض العقبات في طريقك".

أجاب بول، بينما كانت نظراته تشرد نحو النهر الذي يتدفق بهدوء: "هذا هو حال الحرب دائماً يا إروين.. دائماً ما تخبئ لنا المفاجآت".

-------------------------------------

شكراً لكم جميعاً على دعمكم المستمر! أقدر كل "حجر قوة"، وكل تعليق، وكل مراجعة تقدمونها.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط