Switch Mode

الرايخ الثالث: ظلال النسر الذهبي 7

الشرف والشهرة


الفصل السابع: الشرف والشهرة

عبر المحيط، وبعيداً عن القصور الباذخة في أمريكا، وقف بول، وأشعة الشمس تغمره بوهج وادعٍ خافت. كانت آخر بقايا الشتاء قد ذابت، وتفوح في الأرجاء رائحة زكية للأرض المبللة والزهور المتفتحة.

بدا العالم وكأنه حائر بين فصلين؛ حيث كانت الشوارع رطبة من رذاذ الصباح، وتعكس الحجارة المرصوفة الضوء الخافت، وبينما كان الأطفال يلهون في البرك ضاحكين، كانت مجموعة من الجنود يرتدون زياً رمادياً داكناً يمرون، وأحذيتهم تقرع الأرض بقوة. لقد كان شهر مايو قد أطل بظلاله.

وقف بول في المكان ذاته، على الجسر نفسه الذي غرس فيه العلم قبل شهرين، وظلت نظراته مسمرة على ذلك العلم.

قبل أسابيع، اتخذ خطوة ستغير مجرى حياته، والآن أصبح الطريق أمامه أكثر جلاءً، وأشد خطورة من أي وقت مضى.

تمتم بول وهو يطلق ضحكة جافة خالية من الفكاهة: "أصبحت الآن نازياً بصفة رسمية، أليس كذلك؟ مجرم سيخلده التاريخ".

*عودة إلى أحداث سابقة*

سار بول في شوارع كولونيا التي تضج بالحياة؛ رجل أعمال يهرع إلى اجتماع، وأم تحمل طفلها بين ذراعيها، ومجموعة من الصبية يتصارعون بالأيدي ويتنافسون حول من سيكون الجندي الأفضل، ثم كان هناك بول.

وبينما كان بول يشق طريقه وسط الزحام، لاحظ أن الأنظار تنجذب إليه، ورافقته الهمسات في الشارع: "هذا هو الضابط الذي رفع العلم..."، "البطل الشاب لمنطقة الراين...". توقف الأطفال عن لعبهم ليحدقوا فيه، وحتى الجنود في الطوابير المارة أحنوا رؤوسهم احتراماً له.

انتشر مقال توماس كالنار في الهشيم، وأعادت الصحف في جميع أنحاء ألمانيا نشر صورة بول وهو يرفع العلم، وتصدرت صورته العناوين الرئيسية بوصفه "بطل منطقة الراين". ردد الباعة المتجولون الخبر من أكشاكهم، وقرأه الأطفال في المدارس، وبثت الإذاعة القصة مراراً وتكراراً، مشيدةً بسرعة بديهته وشجاعته المنقطعة النظير.

كان بول يحمل ظرفاً مختوماً بختم النسر فوق الصليب المعقوف؛ فقد أكسبه صعوده المفاجئ إلى الشهرة دعوةً لحضور اجتماع لأعضاء الحزب رفيعي المستوى.

في الحقيقة، لم يكن الأمر اجتماعاً بقدر ما كان عرضاً منسقاً أمام الصحافة، محاولةً لترسيخ ارتباطه بالحزب والترحيب به رسمياً في صفوفه. فقد كان بول قد تقدم بطلب العضوية عبر القنوات المعتادة، لكنه لم يتلقَّ أي ردّ حتى تلك اللحظة.

قال هانز وهو يمشي خطوة خلف بول: "أنت بالتأكيد تحظى بشعبية طاغية يا سيدي".

كان هانز مجنداً خجولاً في السابق، لكنه صقل مهاراته في الرماية حتى اصطفاه بول بنفسه ليكون حارساً شخصياً له. إضافةً إلى ذلك، لم تكن تصرفات بول الأخيرة سرية على الإطلاق، فقد كان يخشى الانتقام؛ إن لم يكن من خصومه السياسيين في الداخل، فمن الخارج، وخاصة من الفرنسيين بعد مقتله للجندي.

فكر بول وهو يشعر بتوتر في فكيه: "من الأفضل دائماً وأد الفتنة في مهدها قبل أن يستفحل أمرها، ومن المرجح أن يعتقد أعدائي ذلك أيضاً".

استفاق بول من أفكاره عندما رأى أنهما وصلا إلى وجهتهما: متجر خياطة يقع في قلب مدينة كولونيا.

دخل بول وهانز إلى الداخل، ودق جرس الباب. خلف المنضدة، نظر البائع إلى الأعلى وتجمد للحظة، واتسعت عيناه دهشة.

قال والابتسامة ترتسم على شفتيه: "آه... سيد جيجر، أحسبك جئت من أجل البزات الرسمية؟".

سأل بول بعفوية: "بالتأكيد يا فريدريك. هل يمكنك أن ترينا ثمار عملك؟".

أحضر فريدريك بدلتين رسميتين ملفوفتين بعناية واصطحبهما إلى غرفة تبديل ملابس صغيرة في الخلف، حيث استبدلا بسرعة زيهما العسكري بالملابس الجديدة الأنيقة.

شد هانز ربطة عنقه وهو يتمتم قائلاً: "أشعر وكأنها حبل مشنقة يلتف حول عنقي".

أجاب بول وهو يعدل سترته: "ستعتاد الأمر".

في المرآة، بدا كلاهما وكأنهما قد تغيرا؛ فلم يعودا جنديين، بل رجلين في غاية الأناقة. كانت ملابسهما متسقة تماماً مع أزياء ثلاثينيات القرن العشرين؛ حيث كانت البدلات الرسمية مُفصّلة بدقة متناهية: سترات بصف أزرار واحد، وقمصان بيضاء ناصعة مكوية بإتقان، وربطات عنق سوداء معقودة بإحكام عند الرقبة، أما الأحذية المصقولة فكانت تلمع تحت أضواء المتجر الخافتة.

ثم ناول بول فريدريك بضع أوراق نقدية إضافية في حركة سلسة ومدروسة، وقال وهو يلقي نظرة ذات مغزى على الموظف: "تقديراً لعملك الممتاز".

أومأ الموظف برأسه تقديراً.

وبينما كانا يعودان إلى الشارع، شعرا ببرودة هواء العصر المتأخر على بزاتهما الرسمية المكوية حديثاً. ولم تستطع بعض الشابات المارات إلا أن يحمرّ وجههن خجلاً عند رؤية الرجلين الوسيمين.

بدأ بول بالقول: "إنها الساعة الثامنة مساءً، يجب عليهم...".

ثم لفت انتباههما صوت محرك خافت يزداد ارتفاعاً تدريجياً.

توقفت سيارة مرسيدس 770 سوداء أنيقة عند الرصيف، وعكس هيكلها المصقول ضوء الغروب الخافت. استقبلهما سائق بأدب، وكانت قبعته وقفازاته في غاية النظافة، ثم فتح الأبواب الخلفية بحركات دقيقة ومتقنة.

تردد هانز، وألقى نظرة سريعة متوترة على بول: "حسناً... هذا ترف باذخ".

قام بول ببساطة بتعديل ربطة عنقه وأومأ برأسه: "حافظ على هدوئك، واتبع توجيهاتي فقط".

أغلق السائق الأبواب، وهدر المحرك بسلاسة بينما بدآ في التحرك، حاملين بول وهانز نحو الأمسية المرتقبة.

انطلقت سيارة المرسيدس بسلاسة عبر ضواحي كولونيا، مروراً بالمنازل الكبيرة والقصور الفخمة، وتوقفت أمام بوابة حصينة.

أحاطت تماثيل أسود حجرية بالمدخل، ومنعت البوابات الحديدية المزخرفة أي دخول غير مصرح به. وقف جنود من قوات النخبة يرتدون الزي الرسمي في وضع الاستعداد على كلا الجانبين، وبنادقهم معلقة على أكتافهم، وعيونهم ترقب السيارة القادمة بحذر.

أخرج بول الظرف من جيبه الداخلي ومده نحوهم عندما توقف السائق.

تقدم أحد ضباط قوات النخبة وسأل: "هل تحمل دعوة يا سيدي؟".

أومأ بول بهدوء، وسلمه الظرف. أخذه الضابط وفحص الختم، ثم أومأ برأسه إيماءة حازمة: "تفضل سيدي، يمكنك الدخول".

انفتحت البوابات بصوت صرير خافت، وواصلت السيارة الفارهة سيرها على الطريق المرصوف بالحصى. ألقت الفوانيس بقعاً من الضوء الدافئ على طول الممرات، وأشارت همسات الأصوات البعيدة إلى أن التجمع قد بدأ بالفعل.

وبينما توقف السائق بالسيارة وظهرت الأبواب الثقيلة أمامهما، فتحها أحد الموظفين فتقدما إلى الأمام.

-------------------------------------

شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل حجر طاقة، وكل تعليق، وكل مراجعة.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط