الرايخ الثالث: ظلال النسر الذهبي 5

رفع العلم


الفصل الخامس: رفع العلم

التفت إليه العقيد شفراتس أخيراً، وقد ارتسم على وجهه مزيج من الدهشة والتقدير الصادق، ونادى بصوت جهوري تردد صداه عبر الجسر: "يا فتى، ما اسمك؟"

أجاب بول، محاولاً الحفاظ على ثبات نبرته رغم تدفق الأدرينالين الذي لا يزال يسري في عروقه: "الملازم هاينريش ياغر، يا سيدي".

حدّق شفراتس فيه لبرهة طويلة، ثم أومأ برأسه في حزم وقال: "ياغر... عمل فذ. سرعة بديهة، ودقة في التنفيذ. لقد أنقذت حياتي، وربما أرواح العشرات من رفاقك. أحسنت صنعاً، فبمثلك يبدو أن ألمانيا لا تزال تملك جنوداً أكفاء".

انقبض صدر بول، وغمره شعور بالقلق لم يستطع دفعه.

أشار الضابط إلى أحد مرافقيه الذي كان يقبض على العلم بإحكام، ثم أشار شفراتس نحو سارية العلم القائمة في منتصف الجسر.

"أيها الملازم ياغر، تقديراً لك ومكافأةً على عملك المتميز، أمنحك شرف رفع علم الوطن. ارفعه عالياً، وأظهر للعالم أن ألمانيا قد استعادت مكانتها".

أومأ بول برأسه وتسلّم العلم، ثم اتجه نحو السارية بخطى واثقة ورزينة. اجتاز صفوف الجنود المحتشدين على الجسر، فمر بوجوه مألوفة؛ النقيب كروجر، وصديقه إريك، وقائد الفصيلة كارل، وقد ارتسمت على وجوههم جميعاً نظرات الفخر والتقدير الصامت.

وكان هناك أيضاً هانز، الذي كان يرمقه بنظرات ملؤها الإعجاب والتبجيل، كما ينظر الطفل إلى قدوته.

ارتقى بول المنصة الحجرية ورفع الراية، فخفقت ألوانها السوداء والبيضاء والحمراء بشموخ في مهب الريح. وفي تلك اللحظة، تعالت هتافات حشود السكان الذين تجمهروا على ضفة النهر، بينما أدى الجنود التحية العسكرية وشرعوا في السير بصفوف منتظمة نحو قلب المدينة.

**وجهة نظر توماس شولتس**

وسط ذلك الزحام، كان هناك مراقب من نوع آخر؛ صحفي يحمل دفتر ملاحظات وكاميرا، يشق طريقه بحماس بين الجموع محاولاً التقاط الصورة المثالية.

كان يدون كل تفصيلة من تفاصيل المشهد؛ من مسيرة الجنود المنضبطة، إلى وقع أحذيتهم العسكري على الحجارة المرصوفة، ووصولاً إلى العلم الذي يرفرف وبول الواقف بشموخ عند قاعدة السارية. وفي الخلفية، برزت الكاتدرائية بهيبتها، لتؤطر هذه اللحظة التاريخية.

كان الرجل يُدعى توماس شولتس، ويعمل في صحيفة محلية، وقد أرسله رئيسه لتوثيق استعادة منطقة الراين التاريخية، لكن ما استأثر باهتمامه حقاً كان ذلك الشاب، بول.

تمتم شولتس وهو يحدث نفسه، وقلبه يخفق بشدة: "مذهل...".

لم يكن هذا مجرد عرض عسكري عابر، ولا مجرد مقال روتيني بلا روح لصحيفة يومية، بل كان يدرك يقيناً أن هذه الصورة هي التي ستُخلد في ذاكرة الأمة، وسيكون هو صاحب الفضل في التقاطها.

كان عليه أن يتحدث إلى ذلك الرجل مهما كلفه الأمر؛ لم يكن يهمه ذلك الضابط المتغطرس المتبجح، ولا ذلك السياسي الذي بدأ يتسلق الأكتاف لنسب الإنجاز لنفسه، بل كان يريد التحدث إليه هو بالذات.

لمح بول وهو يغادر موقعه، فشق طريقه بسرعة عبر الحشد وهو يصيح: "مهلاً أنت! انتظر! ما اسمك؟"

**وجهة نظر بول**

استدار بول وهو يتساءل عمن يناديه، فرأى رجلاً قصير القامة مفتول البنيان يحاول الوصول إليه بشتى الطرق، حاملاً بين يديه دفتر ملاحظات وكاميرا، وعلى وجهه نظرة تنم عن تصميم كبير.

قال بول بحذر بعد أن وصل إليه الرجل أخيراً: "الملازم هاينريش ياغر".

مد الرجل يده وهو يلهث من أثر الركض قائلاً: "توماس، توماس شولتس، صحفي".

تردد بول لثانية قبل أن يصافحه، ففوجئ بقبضة شولتس القوية التي تركت آثار الحبر على أصابعه.

تابع توماس حديثه بحماس: "ما فعلته للتو هو جزء من التاريخ، وأنا أنوي أن أنشر قصتك ليعرفها العالم أجمع".

قطب بول حاجبيه وقال: "صحفي؟"، ثم نظر إلى الكاميرا بريبة؛ فآخر ما كان يتمناه هو أن تسلط عليه الأضواء وتُحلل كل حركة من حركاته.

بدا أن توماس أدرك سر تردده، فانحنى قليلاً وقال بصوت خفيض: "اسمع... لست هنا لأوقعك في شرك أو لأظهرك كتمثال جامد في تقرير رسمي. هذا الأمر قد يخدم مسيرتك المهنية كثيراً، كما تعلم. هل أنت عضو في الحزب؟"

الحزب! سخر بول في قرارة نفسه من الفكرة. لماذا قد يكون جزءاً من تلك الجماعة المقيتة؟ زمرة من المهووسين الذين أسكرتهم أيديولوجيتهم، وهم مستعدون لجر الملايين إلى المقصلة؛ إبادة جماعية كان يعلم علم اليقين أنها آتية، وهو المستقبل الذي عزم على منعه.

لكن تلك الفكرة أثارت في ذهنه تساؤلات أخرى دفعت به إلى تأمل عميق.

كيف السبيل؟

ومع ذلك...

عبس بول مفكراً.

لا يوجد سوى طريق واحد.

كان عليه أن يسير بينهم، ويبتسم حين يبتسمون، ويردد شعاراتهم، ويرتدي زيهم وكأنه جزء منهم. ولكن حين تحين اللحظة الحاسمة، سينقضُّ عليهم ليطعنهم من الداخل، في الموضع الذي يوجعهم أكثر.

أما بالنسبة للحرب العالمية الثانية، فلم يكن بول يعتقد أن بمقدوره إيقافها برمتها، وربما كانت قدراً لا بد منه لتحقيق سلام دائم في النهاية، لكن قتل الأبرياء كان أمراً يمكن منعه، وكان ذلك هو الخط الأحمر الذي لن يسمح أبداً بتجاوزه.

صاح توماس حين رأى بول غارقاً في أفكاره: "هاينريش؟ هاينريش!".

رمش بول بعينيه، منتفضاً من دوامة أفكاره، ورسم ابتسامة باهتة على وجهه ليخفي العاصفة الهوجاء التي تضطرب في صدره، وقال: "عذراً يا توماس، لقد شردتُ قليلاً".

ثم أردف قائلاً: "لا، لست عضواً في الحزب بعد".

سجل توماس الكلمات بسرعة في دفتره، وكرر وعيناه تلمعان فضولاً: "ليس بعد... حسناً، هذا أمر مثير للاهتمام. سيسلط الناس أنظارهم عليك الآن، ومن الواضح أنك ضابط شاب واعد، وانضمامك سيعزز من شعبيتك ويلفت الأنظار إلى قدراتك الفذة".

أومأ بول برأسه قليلاً وقال: "لا بأس بهذا".

نعم... هذا هو الباب الذي سيفضي به مباشرة إلى عرين الأسد. "عليّ أن أحجز مكاني بجوار الأسد نفسه قريباً، وإلا فسيندم الجميع ولات حين مناص...".

أومأ بول لتوماس إيماءة أخيرة، ثم استدار عائداً إلى فصيلته. رأى هانز ينظر إليه بنظرات تقدير وصلت حد الإجلال، ولم يكن الوحيد في ذلك. كما تقدم إريك وعانقه عناقاً أخوياً وهو يضحك، مستمتعاً بتلك اللحظة.

تلاشت همهمات الحشود وصوت وقع الأحذية العسكرية في المدى، ليحل محلها صوت أفكاره الخاصة.

لقد بدأت اللعبة.

-------------------------------------

شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل نقاط القوة، وكل تعليق، وكل مراجعة تقدمونها.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط