الفصل 42: خياط في مدينة كولونيا
سار الرجل نحوهم بخطوات وئيدة، وعيناه منخفضتان لكن نظراته كانت حادة كالنصل، تتجول بتركيز بين صفوف الجنود والضباط. توقف أخيراً أمام الجنرال "سبيرل"، وكان محاطاً بجنديين فارعي الطول.
حيّاه "سبيرل" بتعظيم، فردّ "فرانكو" التحية بمثلها بعد لحظة من التردد المشوب بالحذر.
أدى "فرانكو" التحية العسكرية الرسمية، ثم صافح كبار الضباط واحداً تلو الآخر. وعندما وصل إلى "بول"، توقف لبرهة، وتلاقت أعينهما في مواجهة صامتة وحادة.
كسر "فرانكو" الصمت قائلاً: "أنت إذن.. أنت هو الرائد الأسطوري؟"
داهمت "بول" مفاجأة مزدوجة؛ أولاً لقدرة "فرانكو" على التحدث بالألمانية بطلاقة نسبية، وثانياً بسبب ذلك اللقب المهيب الذي أطلقه عليه.
فكر "بول" في سرّه: "هنا يجدر بي أن أظهر التواضع"، ثم قال بصوت هادئ: "عفواً يا سيدي، كل ما حققناه كان ثمرة عملنا الجماعي، وأنا لم أقم إلا بواجبي".
ضحك "فرانكو" معلقاً: "بالطبع، دائم التواضع كما يقولون"، ثم أشار لـ"سبيرل" وبقية الضباط بالدخول.
عُقد اجتماع عسكري قصير، أعرب فيه "فرانكو" عن بالغ رضاه وتقديره لـ"فيلق النسر"، وطلب من "سبيرل" نقل شكره الشخصي لـ"الفوهرر" على دعمه السخي. ناقشت المجموعة قضايا عسكرية شائكة، كبروز دور الدبابات في المعارك الحديثة، ومواضيع سياسية حساسة مثل تنامي نفوذ الاتحاد السوفيتي.
وبعد انقضاء الاجتماع، قاد "سبيرل" المجموعة إلى غرفة خاصة.
استقبل المجموعة هناك نحو اثني عشر شخصاً؛ بعضهم كانوا حراساً مدججين بالسلاح مكلفين بحراسة المداخل، بينما كان الآخرون يمسكون برجال يرتدون الزي العسكري البني للجيش الإسباني.
قال "سبيرل" مخاطباً "فرانكو": "هذه هدية لك".
تقدم الديكتاتور إلى الأمام، متفحصاً الرجال المجتمعين، قبل أن ينطق بكلمات حازمة بالإسبانية.
تبادل الأسرى نظرات سريعة، قبل أن يصرخوا بكلمات غاضبة ويبصقوا باتجاه "فرانكو"، الذي تنحى جانباً بخفة وسرعة.
أحكم الحراس قبضتهم على الأسرى، ومع ذلك تمكن أحدهم من رفع رأسه، وعندما التقت عيناه بعيني "بول"، اتسعتا بجنون مطبق.
بدأ ذلك الرجل الضخم بالصراخ بلغة ألمانية ركيكة: "إنه أنت.. أيها الوغد! لقد فشل الأمر.. لقد فشل كل شيء!".
رفع "بول" حاجبه في دهشة، ثم ألقى نظرة استئذان على "سبيرل" وتقدم للأمام. جثا على ركبتيه، وأمسك برأس الرجل وجذبه نحوه بقوة من شعره الطويل الملبد بالدهون.
سأل "بول" بصوت خفيضٍ مشوب بالتهديد: "أيها الجنرال ماركيز، هل أنت من أصدر الأمر باغتيالي؟"
نظر إليه "ماركيز" لثانية والذهول يلجم لسانه، قبل أن ينفجر بضحك هستيري مجنون.
صرخ وهو يبصق في كل اتجاه: "أنت شيطان! شيطان من جحيم!".
تراجع "بول" مبتعداً عن الرجل المذعور، ثم التفت نحو "فرانكو".
سأل "بول" وهو يقف بجانب الديكتاتور: "صاحب السعادة، هل تسمح لي باستجواب هذا الرجل؟ أعتقد أنه يحوز معلومات في غاية الأهمية".
أومأ "فرانكو" برأسه ببطء بعد أن نُقل إليه الطلب عبر المترجم.
قال "فرانكو" ضاحكاً وهو يستدير للمغادرة: "يا سيادة الرائد، لقد أهديتني مدريد، فكيف أبخل عليك بجنرال صغير سمين؟ لستُ بهذا الجحود".
***
في قبو مظلم تحت أحد مباني مدريد
"آه!".. شقت صرخات الألم سكون الغرفة الصغيرة الباردة، حيث كانت الرطوبة تخنق الأنفاس.
نطق صوت بارد وهادئ بكلمات محددة: "العقيد كلاوسمان".
لم يأته رد، بل ترددت أصداء الصراخ في عتمة الليل، لتصبغ الأرضية الحجرية باللون القاني.
سأل الصوت مرة أخرى ببرود أشد: "العقيد كلاوسمان".
للحظة، لم يُسمع سوى وقع قطرات الماء المتساقطة بإيقاع رتيب في زاوية ما، ثم ملأ صوت أجش الفراغ أخيراً.
أجاب الصوت المنهك: "أمريكي..".
اندلع لهب مفاجئ بجانب الرجل، حيث أضاء فانوس صغير المكان بضوء شاحب.
كان وجه "بول" مضاءً بشكل جزئي في ذلك الضوء الخافت، وبدا أمامه وجه "ماركيز" الملطخ بالدماء والمنهك تماماً.
قال "بول" وهو يمشي جيئة وذهاباً: "أمريكي؟.. وما شأن الأمريكيين بهذا؟".
تمتم "ماركيز" بلكنة ثقيلة: "لقد عرفني رجل أمريكي على كلاوسمان".
ازدادت التجاعيد على جبين "بول" حدة، وضاقت عيناه بتركيز شديد.
سأل بصوت يكاد يلامس الحزن: "رجل عجوز؟".
أومأ "ماركيز" برأسه إيجاباً.
استدار "بول" نحو طاولة مليئة بأدوات التعذيب الملطخة بالدماء وسأل: "أين كلاوسمان الآن؟ أو ذلك الرجل العجوز.. أين هو؟".
لزم "ماركيز" الصمت مكتفياً بمراقبة "بول"، ولكن عندما التقط "بول" الكماشة واقترب منه، انهار الرجل تماماً وانفجر بالحديث.
قال "ماركيز" بصوت متقطع: "أنا.. أنا.. أخبرني كلاوسمان فقط أنه ينوي الذهاب إلى أمريكا، للقاء الرجل العجوز ورئيسه".
لم يعقب "بول" هذه المرة، بل أدار ظهره لـ"ماركيز" وغادر الغرفة بصمت.
عندما أغلق الباب خلفه، كان هناك رجل يرتدي ملابس داكنة في انتظاره.
قال "بول" محيياً الرجل ببرود: "هايدريش".
أجاب "هايدريش": "هاينريش، هل استخلصت منه أي معلومات مفيدة؟".
توقف "بول" للحظة، وركز نظره في عيني "هايدريش" قائلاً وهو يغرق في أفكاره: "كثير.. ولكن ليس بما يكفي".
أمسك "هايدريش" بكتف "بول" وقال: "ماذا تقصد بذلك؟ يمكننا مساعدتك يا هاينريش، ولكن بشرط أن تقدم لي شيئاً ملموساً".
أجاب "بول" بوضوح: "هناك أمريكي مسؤول عن كل محاولات الاغتيال التي استهدفتني".
أمال "هايدريش" رأسه باهتمام: "جيد، ومن هو؟".
نظر "بول" إلى "هايدريش" وكأنه يرى شبحاً، بينما كانت أفكاره تتسابق في رأسه.
سأل "هايدريش" بنفاد صبر: "هاه؟".
همس "بول": "أنا.. لا أعرف هويته بعد.. لكن لدي حدس قوي".
رفع "هايدريش" حاجبه لكنه آثر الصمت.
بدأ "بول" بالتحرك قائلاً: "سنلتقي مجدداً يا هايدريش".
صافحه "هايدريش" قائلاً: "سنفعل حتماً. حظاً موفقاً في الجبهة الداخلية".
قال "بول" وهو يستدير: "عندما نلتقي المرة القادمة، سأكشف لك المزيد".
***
صباح يوم 7 يناير 1937، مطار مدريد
نظر "بول" حوله متأملاً التغييرات الجذرية التي طرأت على المكان منذ زيارته الأخيرة.
لقد تم إصلاح مدارج الطائرات وتحديثها بالكامل، وأعيد بناء المحطات التي دمرتها الحرب، ووفرت مساحات إضافية للحظائر.
قال "بول" للرجل الواقف بجانبه: "يبدو أن فرانكو أُعجب بشدة بسلاح الجو الألماني، والدليل كل هذه البنية التحتية المتطورة".
أجاب "ريشتوفن" وهو يسوي هندام زيه العسكري: "حسناً، أنا طيار بارع كما تعلم. ألا تتذكر عندما أنقذتك في معركة هذا المطار؟".
رد "بول" بنبرة تظاهر فيها بالانزعاج: "بالتأكيد، وقد شكرتك بما فيه الكفاية".
اكتفى "ريشتوفن" بالضحك، ثم صعد إلى طائرة النقل التي بدأت محركاتها بالدوران.
استدار "بول" ليصافح يد "سبيرل" الذي جاء لتوديعه.
قال "سبيرل" وهو يربت على كتف "بول": "حسناً يا هاينريش، لقد كان وقتنا معاً أقصر مما تمنينا. تعلم أنني فعلت كل ما بوسعي، لكن الفوهرر كان متمسكاً برأيه. سنفتقد عبقريتك التكتيكية، وبالطبع سنفتقد مشاكسات وولفرام أيضاً".
ضحك "سبيرل" وهو يراقب "فون ريشتوفن" يختفي داخل الطائرة، ثم تابع: "سأضع في اعتباري كل نصائحك، وسأولي 'فون مانتويفل' اهتماماً خاصاً إذا كان حقاً بالقدرات التي وصفتها".
قال "بول" قبل صعوده: "الدنيا صغيرة يا جنرال، ولا بد من لقاءٍ ثانٍ".
بدأت طائرة "هاينكل" بالتحرك ببطء وثبات، ولم تمر لحظات حتى كانت تحلق في السماء، بينما أخذت الأرض تصغر وتتلاشى تحتها.
بعد مرور نصف ساعة، شاهد "بول" المضيفة وهي تغلق الباب الداخلي.
قال "بول" وهو يمد يده إلى جيب صدره: "وولفرام".
راقبه "فون ريشتوفن" باهتمام، ولمعت عيناه عندما رأى ما أخرجه "بول".
سأل بدهشة: "خاتم؟".
مد "بول" يده عارضاً الخاتم؛ التقطه "ريشتوفن" وتفحصه بعناية: "نسر إمبراطوري دون صليب معقوف؟".
كان الخاتم يحمل نقشاً لنسر إمبراطوري أسود بتصميم مبسط، أجنحته مطوية ويعلو درعاً صغيراً. كان خالياً من التيجان، والأكاليل، أو أي رموز حزبية.
أومأ "بول" برأسه قائلاً: "لدي واحد مثله تماماً"، ثم خلع قفازه الجلدي ليكشف عن خاتم مطابق في إصبعه.
تابع "بول" وهو يراقب رد فعل "ريشتوفن": "صنعه لي صائغ فضة في مدريد كخدمة خاصة".
ارتدى "ريشتوفن" الخاتم وتأمله بإعجاب: "إنه رائع حقاً". ثم سأل: "هل أعطيت الجنرال واحداً أيضاً؟".
أجاب "بول": "نعم، هو والنقيب مانتويفل هما الوحيدان الآخران اللذان يمتلكان هذا الخاتم".
قال "ريشتوفن" بنبرة فيها شيء من الدعابة: "أفترض أن هذا تخليد لصداقتنا..".
نظر "بول" من النافذة إلى خيوط الشمس المنعكسة من الأعلى وقال: "بالتأكيد".
فكر "بول" وهو يتخيل لحظة وصولهم: "هناك صديق آخر يجب عليّ زيارته".
***
بعد مرور بعض الوقت
وقف "بول" أمام مبنى مألوف في إحدى شوارع كولونيا. كانت الحياة تنبض من حوله؛ شوارع غارقة في الضوء، ناس مبتهجون، وعمال عائدون إلى ديارهم.. إنها روح كولونيا المعهودة.
لكن نظرات "بول" لم تكن مشتتة بالزحام، بل تركزت على لافتة المبنى الذي طالما زاره، وحيداً تارة وبرفقة أصدقائه تارة أخرى. كانت آخر زيارة له حين استلم بدلاته مع "هانز" لحضور حفل تنصيبه في الحزب.
كتب على اللافتة: "فريدريش ليمان.. خياط".
-------------------------------------
ينتهي فصل الحرب الأهلية الإسبانية هنا، ليبدأ فصل جديد.. ما هي انطباعاتكم؟
شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل "حجر طاقة"، وكل تعليق، وكل مراجعة تقدمونها.