الفصل الثاني: هاينريش ياغر - 1936
رمش بول بعينيه وفركهما جيداً. اختفى الظلام المألوف داخل الغواصة، وتلاشى ضجيج الماء، وتغيرت درجة الحرارة، بل إن كل شيء من حوله أضحى مختلفاً تماماً.
"ما هذا بحق السماء؟" تمتم بصوت خافت.
وجد نفسه تحت دثار صوفي سميك، مستلقياً على سرير خشبي صلب.
"هل كان كل ذلك حلماً؟" تساءل في حيرة ذهول تام مما يحدث.
لكن هذا لم يكن سريره الذي اعتاد الاستيقاظ فيه؛ فالسرير الذي وجد نفسه فوقه، والمنضدة الجانبية التي تحمل كأساً من الماء، والغرفة بأكملها، لم تكن توحي أبداً بأنها تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين.
أزاح بول الغطاء ببطء وجلس بحذر، وراح يجول ببصره في أرجاء الغرفة التي بدت غريبة عليه، حتى استقرت عيناه على مرآة صغيرة معلقة على الجدار المقابل.
اتسعت عيناه وانحبست أنفاسه؛ فلم يكن الانعكاس الذي يراه صورته، بل كان رجلاً غريباً تماماً لم يره بول من قبل. كان شعره الأسود الفاحم مصففاً إلى الخلف بعناية، وعيناه زرقاوان ثاقبتان بلون المحيط، وخط فكه حاد الملامح كحد السيف.
ألقى بول نظرة فاحصة على ملابس الرجل، فإذ به يرتدي زياً عسكرياً باللون الرمادي الداكن، صُمم بأناقة تبرز قوامه القوي، ويفوح من قماشه عبق الماضي. لفتت انتباهه شارات سوداء، وأزرار فضية مصقولة، وحزام جلدي بإبزيم فضي لامع.
أمضى ما خُيل إليه أنه دهر وهو يتجول في الغرفة، يمرر يده على المنضدة الخشبية الخشنة، ويلمس البطانية السميكة مجدداً، ويتتبع الشعار المرزوع على ياقته وكأنه يحاول إثبات حقيقته لنفسه. وكلما فعل ذلك، ازداد شعوره ببرودة الحقيقة التي تغلغلت في أعماقه.
همس قائلاً بصوت يرتجف: "الرجل الذي في المرآة... هو أنا. هذا ليس حلماً، وهذه الشارات... إنها ألمانية".
"واسمي هاينريش ياغر،" تمتم وهو ينهار جالساً على الأرض، ممسكاً برأسه الذي يكاد ينفجر من شدة التفكير. غزت ذكريات غريبة عقله؛ وجوه وأماكن وأحداث لم تكن تخصه أبداً.
حاول بول الوقوف، وقد ارتسمت معالم الاشمئزاز على وجهه.
أدرك بول الحقيقة وقال: "هذه ذكريات هاينريش... جدي... جدي الأكبر". لقد انتقل بطريقة ما إلى جسد جده.
"هل هذه دعابة ثقيلة؟" صرخ بغضب، كما لو كان ضحية خدعة مدبرة.
أمضى بول الدقائق التالية محاولاً استيعاب سيل الذكريات التي تجتاح ذهنه؛ كان هاينريش قد بلغ السابعة والعشرين من عمره للتو، وهو من مواليد فرانكفورت. توفيت والدته وهو ما زال طفلاً، فنشأ في كنف والده وشقيقتيه. لاحقاً، وتأثراً بخطابات هتلر والمناخ السياسي السائد آنذاك، التحق بالكلية العسكرية.
"أما تاريخ اليوم... فهو الأول من مارس عام 1936،" تلعثم بول وهو ينطق بالتاريخ.
ابتلع ريقه بصعوبة، وعقله لا يزال مشوشاً. كان الزي العسكري غريباً عليه، لكنه يناسب مقاسه تماماً، وكأنه خُلق ليرتديه. لامست أصابعه الشارة الموجودة على كتفه؛ شريط فضي واحد، ما يعني رتبة "ملازم"، كما استنتج بول.
هاينريش ياغر، الملازم. لم يكن مجرد اسم أو رتبة، بل كانت حياة كاملة تتطلب الاحترام والطاعة والشجاعة. تداعت إلى ذهنه تفاصيل التدريبات العسكرية، وفنون القتال، والانضباط الصارم... كل ذلك بوضوح مذهل.
لكن أفكاره عادت لتتمحور حول ذاته: "ولكن ماذا عن اسمي؟ ماذا عن عائلتي؟ ماذا سيحل بهم؟!" صرخ غاضباً، وضرب الطاولة بقبضته ضربة قوية.
طرقٌ مفاجئ على الباب جعله يقفز فزعاً، ونادى صوتٌ حاد ونبرته عسكرية:
"أيها الملازم ياغر، توجه إلى الساحة فوراً!"
لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير أو التأمل. في تلك اللحظة، أدرك بول أنه لا يستطيع المخاطرة بكشف أمره. استجمع قواه للمرة الأخيرة، وأخذ نفساً عميقاً ليكبح جماح غضبه وهو يعدل ياقته.
في اللحظة التي سيعبر فيها ذلك الباب، سيصبح هو هاينريش ياغر.
وهكذا فعل؛ دفع بول الباب الخشبي الثقيل وخرج إلى هواء الصباح النقي. كانت الساحة تعج بالحركة؛ جنود يسيرون في صفوف منتظمة، وأحذيتهم الجلدية السوداء تضرب الحجر بإيقاع متناغم يبعث على الرهبة.
شعر بشعور غريب بالانتماء، رغم الارتباك الذي كان لا يزال يسيطر عليه. وقبل أن يتمكن من فهم مشاعره تجاه المكان بشكل كامل، لمح ضابطاً ضخم البنية يتجه نحوه بخطى واثقة.
تعرف عليه فوراً، إنه الـ"هاوبتمان" كروجر، قائده المباشر وقائد الكتيبة الثالثة ضمن فوج المشاة الثاني "فرانكفورت". أما هاينريش نفسه، فقد كان يقود الفصيل الأول المشكل حديثاً، والذي يتكون من حوالي أربعين جندياً.
"الملازم ياغر!" صاح كروجر بصوت جهوري تردد صداه في أرجاء الساحة. "قدّم تقريرك فوراً. لا أريد أي تردد."
ابتلع بول ريقه بصعوبة، لكنه تمكن من استعادة هدوئه. عدل هندام زيه العسكري، وسار بخطى ثابتة باتجاه قائد الكتيبة ورجاله الأربعين المنتظرين.
أدى بول التحية العسكرية للقائد، الذي أومأ برأسه رداً عليه. ثم جالت عيناه على الجنود الأربعين المصطفين في انتظار أوامره.
"أيها الفصيل، انتباه!" صاح بصوت أكثر ثباتاً وقوة مما كان يشعر به في داخله. انتصب الجنود في وضع الاستعداد، والتفتت رؤوسهم في انسجام تام، وضربت أحذيتهم الأرض بدقة مذهلة.
تذكر بول التدريبات والتمارين والأوامر التي لا تعد ولا تحصى التي تعلمها هاينريش في الكلية العسكرية، وحاول أن يلقي أوامره بنفس السلطة والحزم اللذين كان يظهرهما معلمه.
"الفرقة الأولى، تقدموا! انظروا إلى الأمام! حافظوا على استقامة الصفوف!" صاح بملء فيه.
وبينما كان الجنود يتحركون، شعر بول بقشعريرة غريبة تسري في جسده. وللحظة وجيزة، نسي كل الارتباك والخوف والغضب الذي أحدث فوضى في عقله منذ انتقاله إلى هذا الزمان.
قال كروجر أخيراً، مخرجاً بول من شروده بصوته الذي دوّى في الساحة: "أحسنت يا ملازم. حافظ على هذا الانضباط، فلا أتوقع منك أقل من ذلك في الميدان. تعرّف على رجالك جيداً، وليكن فصيلك جاهزاً للتدريبات القادمة. انصراف!"
كانت قيادة هذا الفصيل، والشعور بالسلطة التي يمنحها جسد هاينريش، أمراً يبعث على النشوة. ومع ذلك، كان يعلم في قرارة نفسه أن العالم خارج هذه الجدران يتجه نحو نفق مظلم. هل سيتمكن من العودة إلى المستقبل، إلى عائلته؟ وإن لم يستطع، فماذا بعد؟ هل سيبقى ويتقمص شخصية هاينريش، ويدعم ألمانيا بكل إخلاص؟
قال بول لنفسه في صمت: "سأنجو، وسأعود... بطريقة ما. هذا كل ما أعرفه الآن."
-------------------------------------
شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل "حجر قوة"، وكل تعليق، وكل مراجعة.