الفصل 107: النرد: الرقم أربعة وخمسة
وقف بول تحت أغصان شجرة بلوط وارفة، متكئاً على جذعها ليحتمي من وابل المطر، وكانت نظراته مثبتة على يده، وتحديداً على إصبعه البنصر؛ حيث كان يُحرك الخاتم ببطء ذهاباً وإياباً، غارقاً في لُجّة أفكاره.
كان غوستاف يقف على بُعد أمتار قليلة، متكئاً هو الآخر على شجرة، وسيجارة تتدلى من بين شفتيه، يكاد لهيبها ينطفئ تحت وطأة المطر الغزير.
فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت حفيف، لم يلتفت بول، فقد كان يوقن أن غوستاف سيتولى الأمر. ترددت أصداء خطوات وئيدة في تلك الفسحة الصغيرة من الغابة.
قال بول دون أن يطرف له جفن: "كاناريس".
سأل الرجل الأكبر سناً: "كيف عرفت أنه أنا؟". كان معطفه الرمادي يلتصق بجسده المبلل، وقبعته تظلل وجهه.
قال بول وهو يحرر الخاتم من إصبعه: "فلندخل في صلب الموضوع مباشرة"، ثم استدار أخيراً ليواجه كاناريس.
بدأ كاناريس كلامه قائلاً: "وزارة الدفاع أصبحت لنا، والمطار لنا، ومركز الحزب لنا، والمستشارية كذلك كما وردنا للتو. لم يتبقَّ سوى قطعة واحدة لتصبح برلين بأكملها في قبضتنا"، ثم صمت فجأة عندما لاحظ نظرة بول الحادة.
سأل بول وهو يزفر زفرة خفيفة ويتقدم خطوة للأمام: "أقلتَ (لنا) يا كاناريس؟". قلد غوستاف حركته على الفور.
أردف بول: "أنا لا أخطط لديمقراطية، ولا لملكية؛ بل أصبو إلى الحكم المطلق، فهذا هو السبيل الوحيد لنجاة ألمانيا".
أومأ كاناريس برأسه ببطء، وتلاشت ابتسامة النصر من وجهه تحت وطأة منطق بول البارد.
سأل بول: "ماذا عن بورمان؟".
وبينما كان كاناريس يُجيب، كانت دبابات بول قد بدأت بالتحرك بالفعل. تصدرت دبابته الرتل، وكان بول يقبع في الداخل خلف مقعد القيادة. سرعان ما وصلوا إلى الحواجز التي نصبتها قوات رومل، حيث أدى الضابط المسؤول التحية العسكرية قبل أن يفسح لهم الطريق للمرور إلى قلب برلين. خيّم الظلام والغموض على المدينة، بينما كان الجهل لا يزال سيد الموقف داخل مبنى "الرايخستاغ".
مع كل مبنى يتجاوزه الرتل، وكل نافذة تلمحها عيناه، كان الجو يزداد ثقلاً وتوتراً. بين الحين والآخر، كان جنود "الفيرماخت" من الحامية أو الفصائل الموالية يؤدون التحية العسكرية، وتضاءل عددهم كلما توغلت دبابات بول في معترك الأحداث.
ثم من بعيد، رآها بول لأول مرة في تلك الليلة؛ لم يكن ذلك عبر منظار أو خرائط، بل رآها بعينيه المجردتين: الأعمدة المهيبة، والهندسة المعمارية الحجرية الفخمة لمبنى "الرايخستاغ".
بإشارة هادئة وبسيطة، رفع بول يده، فتباطأت الدبابات التي خلفه ثم توقفت تماماً.
ترجل بول من دبابته، وعدّل هندام زيه العسكري، ثم ربت برفق على قبعة الجنرال قبل أن يضعها فوق رأسه. ومن خلفه، تجمعت ثلة من الجنود بينما بقي الآخرون في مركباتهم؛ كانت هوياتهم مجهولة، ولن يكشف عن شهادات وفاتهم المتناثرة إلا بحث دقيق. لقد خسروا كل شيء: عائلاتهم، وقيمهم، وأرواحهم، ولم يجنوا حطاماً ملموساً من انضمامهم إلى فرقة بول السرية. كان غوستاف من بينهم، وكانت نظراته هي الأشد صرامة والأكثر حزماً.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
خفتت أصوات مسيرتهم المنتظمة تحت وطأة المطر. ساروا في الشوارع المقفرة، وكان بول يتوسطهم، يبدو وكأنه يسير وحيداً رغم انتشار الجنود خلفه على امتداد الطريق الواسع.
وصلوا إلى الدرجات وصعدوها في صمت مطبق، بينما كانت ومضات البرق تشق السماء خلفهم، مسلطة الضوء على ظهورهم.
عند الخطوة الأخيرة، توقف بول. دوّى صوت خافت؛ كانت جثة جندي من قوات "الأمن الخاصة" ملقاة عند الحائط، مضمخة بالدماء. ومن خلف أحد الأعمدة، ظهر رجل يرتدي سترة جلدية سوداء مبتلة، وتبعه اثنا عشر رجلاً آخرين يرتدون زياً مماثلاً. انفتحت الأبواب ببطء ودخل رجل آخر يرتدي الملابس ذاتها.
قال بول وهو يمد يده: "هايدريش".
أجاب هايدريش وهو يصافحه بقوة: "هاينريش".
توقف الرجلان برهة بينما كان رجال "الجستابو" يسحبون الجثث الهامدة، وقد تشكلت تحتها بركة صغيرة من الدماء. اتخذ رجال "الجستابو" مواقعهم حيث كان يقف حراس قوات "الأمن الخاصة".
قال هايدريش وهو يبتسم بارتياح: "لقد أتممنا المهمة. المبنى بات تحت سيطرة الجستابو. لا يزال (الفوهرر) في مكتبه، لكن الجلسة ستنطلق في غضون دقائق. جميع أعضاء البرلمان حاضرون بالفعل في القاعة، والمقاعد غصت بالحاضرين، وقد تخلصنا بهدوء من آخر حراسهم".
سار بول في الممر الخالي، وكان البرق يضيء المكان بشكل متقطع، ملقياً بظلال كئيبة على الجدران. وفي نهاية الممر، كان رجلان من "الجستابو" يسحبان جثثاً، فتوقفا فور رؤيته وأديا التحية العسكرية.
همس بول: "هل لا يزال بالداخل؟".
أومأ أحدهما برأسه إيجاباً.
"أهو وحيد؟".
أومأ برأسه مرة أخرى.
نظر بول إلى السقف، ثم إلى الخارج، وألقى نظرة خاطفة على غوستاف من خلفه، ثم عاود النظر إلى الأمام. لامست يده المعدن البارد لمقبض الباب، وبنقرة خفيفة، انفتح الباب الثقيل.
**القاعة**
نظر ميرفين حوله بتوجس، والتقت نظراته بنظرات زملائه من رجال الأعمال الجالسين وسط أعضاء الحزب النازي. انحدرت قطرة عرق على جبينه، فمد يده ليخرج منديلاً يمسحها به، لكنه وجده مبللاً بالفعل.
سأله رجل كان يقف بجانبه، يرتدي بدلة أنيقة: "هل أنت بخير؟".
قال ميرفين وهو يضحك بتوتر، بنبرة لا تخلو من السخرية: "بالتأكيد، فأنا أتوق لسماع خطاب الفوهرر".
هز الرجل كتفيه بلامبالاة. التفت ميرفين إلى صديقه الجالس عن يساره وانحنى نحوه.
همس وهو يلقي نظرة على ساعته: "كان من المفترض أن يحدث الأمر الآن".
أومأ الرجل برأسه، وتبادلا نظرة ملؤها التوتر.
همس ميرفين وهو يضم يديه بين ساقيه: "يا إلهي، لعل هذه المقامرة تكون طوق نجاة لنا، ولعلها تنقذ شركاتنا وبلدنا، ونكون في الجانب الصحيح من التاريخ".
مرت الدقائق ثقيلة. نظر ميرفين إلى ساعته مرة أخرى، ثم زفر بعمق وأومأ للرجل، ونهض ببطء، فتبعه صديقه، كما وقف بقية الأعضاء المنعزلين أيضاً.
**المكتب**
"ياغر؟" صاح هتلر، وعيناه متسعتان من فرط الذهول عندما ظهر ذلك الوجه المألوف من بين الأبواب الثقيلة، ثم هبّ واقفاً من مقعده.
لم يُجب بول ولم ينظر إلى هتلر، بل أغلق الباب خلفه بهدوء، فخفت صوت الرعد في الخارج.
قال بول بصوت أجوف خالٍ من المشاعر: "يا قائدي".
سأل هتلر بارتياب: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟ ألا يفترض بك أن تكون في الجبهة؟ في باريس؟ في فرنسا؟". تقدم بول نحوه خطوة تلو الأخرى.
دوّى صوت الرعد.
ساد سكون رهيب.
قال بول وهو يقترب أكثر: "أنت تعلم يقيناً أنك ستورد هذا البلد المهالك. سيذكرك التاريخ كأبشع ديكتاتور على مر العصور، وربما كأسوأ إنسان وطئت قدماه الأرض".
سأل هتلر وهو يتراجع للخلف: "عما تتحدث يا ياغر؟ ولماذا تخاطبني بهذه الطريقة الغريبة؟".
توقف بول، وظلت عيناه مسمرتين على الطاولة؛ حيث كان هناك صندوق صغير مفتوح، بداخله "وسام الصليب الحديدي" مستقراً على مخمل أحمر، وبجانبه رتبتان ترمزان إلى رتبة فريق.
ابتسم بول ابتسامة باهتة، ثم أطلق ضحكة خافتة.
قال وهو يقترب: "الحياة حافلة بالمفاجآت، ومليئة بالمنعطفات غير المتوقعة، تماماً مثل هذا اليوم. انظر إلى الخارج.. حتى السماء تبكي حالنا".
هز هتلر رأسه بذهول وتمتم: "ماذا؟".
استل بول نصلاً حاداً من خلف ظهره، ومد يده نحو هتلر واضعاً إياها على كتفه، ثم أدار هتلر نحوه ليصبح على بُعد بوصات قليلة منه. امتلأت عينا هتلر بالرعب الخالص حين انغرست السكين في أحشائه. شدد بول قبضته وطعنه مرة أخرى؛ كان هتلر يلهث بشدة، ثم خارت قواه وسقط أرضاً في مشهد يثير الشفقة.
استدار بول عنه وتناول الصليب الحديدي، وداعب المعدن بأصابعه قبل أن يثبته على ياقته، واستبدل شارة رتبة اللواء بشارة رتبة الفريق.
قال بول: "هذا الوسام كان سيؤول إليّ في نهاية المطاف على أي حال". وفي تلك الأثناء، كان هتلر يزحف على الأرض، مبعثراً الأوراق والمصباح في نزاعه الأخير.
أخرج بول قلم حبر وورقة من جيب صدره.
همس: "قلم حبر؟". وبينما كان يفتش في الأدراج، انحنى بجانب هتلر.
قال بلهجة آمرة: "وقّع عليها".
رفع هتلر يده متكئاً على الأخرى، وتحرك ببطء نحو الورقة، ثم دفعها بعيداً في رمق الأخير.
قال بول ببرود: "يا له من جحود غير متوقع". كان المطر والرعد في الخارج يتردد صداهما في اللحظة التي لفظ فيها هتلر أنفاسه الأخيرة.
انحنى بول، وغمس ريشة القلم في بركة الدماء المتخثرة، ووقع على الورقة:
(أ. هتلر)
استدار نحو النافذة واضعاً يديه خلف ظهره، وبعد برهة، غادر المكان بهدوء، تاركاً خلفه أصداء خطواته وصوت صرير الخشب.
وسط الدماء والحطام، انفتح صندوق صغير، وسقط نرد أصفر في خضم الدماء؛ كان الرقم الظاهر هو: ستة. وببطء، ابتلعته بركة الدماء القانية بالكامل.
-------------------------------------
شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل "حجر قوة"، وكل تعليق، وكل مراجعة.