الفصل الثالث عشر: إثارة الدم
كان إريك والكراون رجلاً ذاع صيته في أقطار العالم كافة.
بصفته صانع محتوى مباشر ذا صيتٍ واسع، فقد بلغت شهرتُه آفاقاً عالمية.
كل من استغرق في عالم الترفيه الشبكي كان يدرك من يكون.
لم يكن البث المباشر لإريك مجرد مهنة، بل كان بوابته إلى حياة ترفل بالحرية.
أتاحت له الأموال التي جناها ترحالاً حول العالم دون أن تثقل كاهله أعباءُ العمل أو المسؤولياتُ الروتينية.
لكن لم تكن جاذبيته أو جودة إنتاجه العالية وحدهما ما استقطب الجماهير.
كان الخطر المحفوف يكمن في كل مقطع مصور أعده.
لقد شيد إريك صيته على شفير الخطر.
كل مقطع نشره كان يعرضه وهو يواجه تحدياتٍ تُهدد حياته تحت لواء الاستكشاف والمغامرة.
لم يكن أحدٌ ليدرك حقاً ما إذا كانت تلك الحركات الاستعراضية تجسد شخصيته الحقيقية، أم أنها صُممت بإتقان لاستقطاب المشاهدين.
على أي حال، كان الناس مُدمنين على مشاهدته وهو يغازل الموت.
لم يعنِ الجمهورَ جوهرُ المهمة.
لم يكن يهمهم الخطر أو الغاية الكامنة وراءه.
ما كانوا يتوقون إليه هو المشهد بحد ذاته.
هل سيلقى إريك حتفاً مروعاً وهو يقدم على حركة متهورة؟
أم سينجو من محنة أخرى شديدة الوطأة؟
لم يكن الأمر ذا أهمية لملايين المشتركين لديه.
كانت غايتهم الوحيدة هي الترفيه المحض.
أما إريك، فكان الأمر في غاية البساطة بالنسبة له.
لم يكن يأبه بمشتركيه، ولا بحيواتهم، ولا حتى بانبهارهم بمحتواه.
ما كان يرومه هو أموالهم؛ الوقود الذي يغذي حريته.
لقد أدرك ما تبتغيه العامة، وقدمه لهم بلا تردد.
بيد أنه كانت هناك حقيقة أعمق.
لم ينغمس إريك في أنشطة محفوفة بالمخاطر ابتغاءً للمال فحسب.
لقد أقدم على ذلك لأنه كان يعشق الأدرينالين، والنشوة الصارخة التي تنبع من وضع حياته على المحك.
الاندفاع والابتهاج جعلاه يستشعر الحياة الحقة.
كان خفقان الخطر المكهرب الذي يسري في عروقه إدماناً لم يقو على مقاومته.
ثم ما لبث العالم أن انقلب رأساً على عقب.
حدث ذلك دون سابق إنذار: سلسلة من الظواهر المستعصية على التفسير اندلعت في أرجاء العالم كافة.
أصبح المستحيل حقيقةً ماثلة.
لقد تبدل وجه العالم، كما ألفته البشرية، إلى كيان غريب ومهيب.
بالنسبة لغالبية الناس، كان ذلك مطلع كابوس.
بيد أن إريك رأى فيه جنة.
وبينما كانت الفوضى تتفاقم، وجد إريك نفسه في طريقه إلى مطعم للوجبات السريعة.
وسط الذعر والاضطراب، تردد صدى صوت فجأة في ذهنه؛ صوت بارد وغريب.
[لقد حلّ النظام بكوكبكم المأهول، المعروف بـ "الأرض"، وأجبر سكانه على الخضوع للتحول. ولقد نلتم الحق في التطور.]
[في غضون خمس ثوانٍ، ستجتاح وحوش من عوالم لا تُحصى كوكب الأرض.]
في لمح البصر، ظهرت هياكل شاهقة في أرجاء العالم كافة.
بدت وكأنها تخترق حُجُبَ السماء، مشؤومة وصارمة.
وإلى جانبها، انبثقت البوابات؛ بوابات تدفقت منها الكوابيس، ووحوش من عوالم تتجاوز الإدراك البشري.
لم يفرَّ إريك.
انتابه إحساس بالخوف، لكنه اضمحل أمام شيء أقوى: شعور عارم بالابتهاج.
الأشياء التي كان يقرأ عنها في الكتب أو يشاهدها في الرسوم المتحركة اليابانية، أصبحت الآن حقيقة ماثلة، تقف أمامه بكل مجدها المهيب.
كيف له أن يُدير ظهره؟
اتسعت عيناه حين تدفقت المخلوقات المتعطشة للدماء من البوابات، وثبتت نظراتها المفترسة على بني البشر العاجزين القريبين.
عمّت الفوضى الشوارع.
ملأت الصرخات الأجواء بينما كانت الوحوش تلتهم الأحياء، تمزق مخالبها اللحم، وتصبغ الأرض باللون القرمزي.
احتبس نفس إريك، وخفق قلبه بقوة في صدره.
كان يُفترض أن يتجمد من الخوف عند مشهد الناس وهم يتمزقون إرباً إرباً.
لكنه بدلاً من ذلك، أيقظ شيئاً بدائياً في أعماقه.
كان الخطر والدمار مثيرين إلى أقصى حد.
ثم أبصره.
وقف رجل وسط الفوضى، راسخاً لا يتزعزع وعازماً.
لم يكن مسلحاً إلا بسكين وفأس، فشق طريقه بين الوحوش كقوة طبيعية هادرة.
تناثر الدم في كل اتجاه، ومع ذلك ظل الرجل غير مبالٍ، وكانت حركاته دقيقة وقاسية.
كانت الأرض من تحته بحراً قرمزيّاً، يمتلئ بالجثث الهامدة، وقطع اللحم، والبقايا الممزقة لمن التهمتهم الوحوش.
من حوله، رسمت الجثث المتساقطة لوحةً بشعةً للموت.
ارتجفت يدا إريك وهو ينقل المشهد إلى جمهوره، بالكاد كان صوته مسموعاً: "هل هو... خارق للطبيعة؟"
لم يستطع أن يحوّل بصره عنه.
كان هذا الرجل، هذه القوة التي لا تُقهر، مختلفاً تماماً عن أي شيء رآه إريك من قبل.
الطريقة التي كان يطعن بها ويشق ويمزق اللحم دون تردد جعلته يبدو وكأنه أقوى شخص في العالم.
لم يختبر إريك مثل هذا الانبهار في حياته قط.
كان الدم والعنف والبقاء الخالص الذي لا يلين؛ كل ما كان يحلم بمشاهدته.
تسارعت دقات قلبه، وتصاعدت حماسته وهو يواصل بث المشهد، وكان جمهوره مفتوناً بالقدر ذاته بالجنون الذي يتجلى أمامهم.
بالنسبة لإريك والكراون، لم يكن هذا كابوساً.
لقد كان هذا حلماً قد تحقق.
وسرعان ما غدا يتوق إلى إبادة جميع الوحوش التي انبثقت من البوابة.
كان إريك على وشك إنهاء بثه المباشر حين حدق به الرجل الذي كان يسجله بنظرة مفترسة لا تختلف عن عيون الوحوش التي أزهق أرواحها للتو.
قبل أن يتمكن إريك من الرد، وجد الرجل فجأة أمامه، يحمل فأساً في يده، وشفرته الملطخة بالدماء تستقر بالقرب من عنقه بشكل مروع.
"ماذا تفعل بحق الجحيم؟" سأل الرجل بصوت جليدي خالٍ من أي عاطفة.
"أنا... أنا آسف..." تلعثم إريك، واختنقت كلماته وكأن يداً خفية قد التفت حول حنجرته.
"هل سجلتَ لي لحظة إبادتي لتلك الوحوش؟" كان تعبير الرجل بارداً كالثلج، واستياؤه بادياً للعيان. إحساس إريك بالضغط الخفيف لحافة الفأس على جلده بثَّ فيه الرعب.
"أنا آسف! أنا آسف! لم أقصد إهانتك! لقد فعلت ذلك فقط لأنني..." تمتم إريك، وكانت أفكاره في فوضى عارمة.
كافح ليتكلم، وقد غمره مزيج من الخوف والرهبة: "لأنك خارق! لم أرَ قط أحداً يقاتل بهذه الطريقة!"
لم تتزعزع نظرة الرجل الثاقبة. "امحها." أمر بحدة.
"يا إلهي..." تمتم إريك. ورغم الذعر الذي كان يعتمل في أعماقه، ارتسمت ابتسامة عصبية على شفتيه، في موقف لا يأتلف إطلاقاً مع الوضع الراهن.
"أنا... لا أستطيع. إنه بث مباشر." اعترف بذلك والابتسامة لا تزال مرسومة على وجهه بشكل عصي على التفسير.
"ماذا؟" اتسعت عينا الرجل غضباً، وللحظة، ظن إريك أن حياته قد أُسدل عليها الستار.
وفي لحظة يأس، تفوه بالدفاع الوحيد الذي استطاع أن يحشده.
"انتظر! انتظر! اسمعني!" توسل إريك. "كنت أدرك أن شيئاً كهذا قد يقع، لذا استخدمت الذكاء الاصطناعي لتعتيم وجهك!"
ظلّ تعبير الرجل جامداً كالحجر، وعيناه تضيقان ريبةً. "أتظنّ أنني سأصدّق ذلك؟ إن كنت تظنّ ذلك فأنت واهم."
"أنا أصدق القول! انظر! سأريك!" قام إريك على عجل بفتح البث المباشر على هاتفه.
وبالفعل، عندما فحص الرجل البث، كان وجهه محجوباً بالكامل.
بعد لحظة متوترة، شخر الرجل بضيق وسحب الفأس من عنق إريك.
دون أن ينبس ببنت شفة أخرى، تحول انتباه الرجل.
تابع إريك نظراته، وشعر بقشعريرة تسري في أوصاله.
وخرجت عشرات الوحوش الأخرى من البوابة، وعيونها المتوحشة مثبتة عليهما.
"اخرج من هنا فوراً!" زمجر الرجل بنبرة تنضح بالازدراء: "إن لم تستطع قتل وحش بمفردك، فلن تنجو أبداً."
"ماذا يتوجب عليّ أن أفعل؟" سأل إريك بصوت مرتعش.
حدّق الرجل فيه بغضب، بالكاد يخفي انزعاجه: "الأمر يسير. اخرج من هنا فوراً. ابحث عن وحش واقتله. وبعد ذلك ستدرك ماذا تفعل."
وبعد ذلك، ركل إريك بقوة في مؤخرته، مما أدى إلى سقوطه أرضاً.
ثم دون أن يلتفت إلى الوراء، تقدم للأمام، مستأنفاً مذبحته الوحشية للوحوش.
"اقتل وحشاً، وستدرك ما يجب فعله."
ترددّت كلمات الرجل في ذهن إريك، رافضةً أن تُتجاهل.
نظر إريك إلى هاتفه بتردد، وأدرك أنه ما زال يبث.
في غمرة ذعره، نسي أن يوقفه.
لحسن الحظ، كانت خاصية تمويه الوجه لا تزال نشطة.
شاهد ملايين المشاهدين إريك وهو يتعثر ثم ينهض على قدميه.
لقد سمع كل فرد منهم كلمات الرجل الغامض.
من بين العدد الهائل من الأشخاص الذين تابعوا البث، لم يكن هناك شك في أن الآلاف، وربما أكثر، يتشاركون طبيعةً خطيرةً ومتعطشةً للإثارة.
أشعلت فكرة مواجهة الوحوش وجهاً لوجه شيئاً بدائياً في أعماقهم.
انتاب الجمهور شعور بالحماس.
تسارعت دقات القلوب.
ارتفع مستوى الأدرينالين.
وفي تلك اللحظة، وحدتهم فكرة خطيرة:
سيفعلون ذلك.
كانوا سيصطادون الوحوش.
تماماً مثل الرجل في المعمعة.
سيقتلون.