الفصل 305: الموتى الأحياء
بقي آمون متجمداً في مكانه.
تسلل الخوف إلى جسده كله كما لو كان سرباً من النمل البارد. تصلب عموده الفقري، ورفضت عضلاته الاستجابة لأوامره. تسارعت دقات قلبه بشدة، وارتطمت بعنف بأضلاعه.
رطم!
رطم!
رطم!
شعر وكأن قلبه يحاول القفز من صدره.
ماذا؟ هل سمع شيئاً خاطئاً؟ هل كان مجرد سراب؟
أصبح تنفسه سطحياً، حيث كان كل نفس ثقيلاً، كما لو أن الهواء نفسه كان كثيفاً جداً بحيث لا يمكن استنشاقه.
ببطء شديد، أجبر آمون نفسه على التحرك. صرّت رقبته قليلاً وهو يدير رأسه إلى الخلف.
في اللحظة التي وقعت فيها عيناه على الشجرة، تجمد الدم في عروقه.
كان الرجل الميت ما زال هناك.
معلقاً رأساً على عقب في نفس الوضع. ساقاه ملتفتان فوق الغصن. ذراعاه تتدليان بلا حراك نحو الأرض. لم يتحرك جسده قيد أنملة.
لكن شيئاً ما كان مختلفاً. عيناه. لقد كانتا مفتوحتين الآن.
اتسعت عينا آمون في رعب شديد.
"هـ... هو على قيد الحياة؟ تـ... يتحدث معي؟"
تباطأ تفكير آمون. لم يعد قادراً على التفكير بوضوح. لقد كان الأمر فوضى عارمة.
كانت قزحية عيني الرجل الميت بيضاء تماماً تمتزج ببياض العين، لتشكل نظرة جوفاء فارغة. وفي مركز كل عين بؤبؤ أسود صغير واحد، حاد ومركز بشكل غير طبيعي.
حدقوا به مباشرة. حيث كانت تلك العيون مرعبة. لم تكن مليئة بالغضب، ولا بالجنون.
كانت فارغة.
ظل وجه الرجل المشنوق بلا تعبير. لم تكن عليه أي مشاعر. فلم يكن هناك أي انفعال. حيث كان ساكناً، هادئاً، وغير مبالٍ.
مع ذلك ربما كان هناك فضول طفيف لدى ذلك الرجل. لذا كان ينظر إلى آمون، كما لو كان يدرسه بدقة.
رفض جسد آمون الحركة. وشعر وكأن ساقيه مثبتتان في الأرض. وارتجفت يداه بشكل لا يمكن السيطرة عليه على جانبيه.
"ميت... لا..." صرخ عقله. "هذا ليس ميتاً..."
كان في حيرة من أمره بشأن ما يُطلق على ذلك الكائن. هل هو من الموتى الأحياء؟
لم يستطع أن يصرف نظره.
ظل يحدق في الرجل الميت، أو ربما غير الميت، المعلق أمامه. ثم تحركت شفتا الجثة الجافتان.
ببطء.
تصدع.
تصدع.
تردد صدى صوت تمدد الجلد الجاف بشكل خافت في الغابة الصامتة.
خرج صوت ثقيل وقديم مرة أخرى. حيث كان بطيئاً. عالياً. بارداً.
"من... أنت؟" سأل مرة أخرى، بنفس الصوت الثقيل.
كان يشعر وكأن كل كلمة تزن أطناناً، تضغط على صدر آمون.
ابتلع آمون ريقه بصعوبة.
للحظة لم يستطع الكلام. وشعر بجفاف تام في حلقه. تاه عقله، وسيطر الخوف على كل فكرة.
مرت ثوانٍ.
ثم أجبر نفسه، وأجبر شفتيه المتجمدتين على الحركة، وحاول آمون أن يبتسم. لم يستطع البقاء متجمداً، صامتاً لا يرد.
كانت ابتسامة باهتة. ابتسامة مرتعشة. ولكنه حاول. وخرج صوته متوتراً ومرتجفاً، بالكاد ثابتاً، ولكنه مهذب.
"م-مرحباً..." قالها بهدوء.
"أنا... أنا آمون."
أخذ نفساً سطحياً، مستجمعاً ما تبقى لديه من شجاعة ضئيلة.
رغم أنه أراد أن يستدير ويهرب دون أن ينظر إلى الوراء،
وفي الوقت نفسه... أراد البقاء. ولقد مر أكثر من شهر منذ أن تحدث إلى أي شخص.
كما أن الفضول كان يتفجر بداخله. ومن يكون هذا الرجل الميت؟ كيف يمكن أن يكون حياً في تلك الحالة؟
«ليس بشراً... هذا أمرٌ مؤكد». توصل آمون إلى هذه النتيجة. وبالطبع، سيفكر أي شخص بنفس الطريقة. فلم يكن الكائن بشرياً.
"ميت حي؟"
حافظ آمون على ابتسامته المصطنعة.
"من... من أنت يا سيدي؟"
خرجت الكلمات من فمه بحذر، كما لو أن نبرة خاطئة واحدة قد تدمر أي توازن هش ما زال قائماً بينهما. ولقد تحدث باحترام.
بقي الموتى الأحياء صامتين. وظلت عيناه تراقب آمون بفضول.
ساد الصمت لبرهة. لم يرد الرجل لفترة من الوقت.
رطم!
رطم!
رطم!
لم يتردد في الغابة الصامتة سوى صوت دقات قلب آمون.
وأخيراً، فتح الرجل فمه مستمتعاً.
"يبدو أنك خائف يا فتى." كان الصوت كما كان من قبل ثقيلاً وأجشاً.
انتفض آمون. وتذبذبت ابتسامته.
ماذا عليّ أن أقول؟ ما الرد المناسب؟ هل عليّ أن أطلق نكتة؟
فكر آمون لبعض الوقت.
"حسناً... إنه لأمر صادم أن نرى... جثة... تبدو ميتة... تتحدث كشخص حي" قال آمون هذه الكلمات، منتظراً رد الرجل.
"هاها. لا تخف يا فتى. وأنا مجرد رجل عجوز... أقيم هنا منذ مدة طويلة. وهذه أول مرة أقابل فيها أحداً منذ سنوات عديدة. لا أتذكر متى نمت... وكم من السنوات مرت منذ ذلك الحين."
تحدث الرجل بصوت عتيق. تجولت عيناه بعيداً عن آمون. بدا الأمر كما لو أن الرجل يسترجع ماضيه بعد زمن طويل.
استمع آمون إليه بانتباه.
"إذن... هو كائن قديم؟ مقيم هنا لمئات السنين... مثير للاهتمام." بدأ خوف آمون يتلاشى تدريجياً.
سأل آمون مجدداً "سيدي، من أنت؟" وقد ازداد فضوله الآن لمعرفة المزيد عن هذا الرجل.
"من أنا؟ الأمر ليس مثيراً للاهتمام. وأنا مجرد شخص عادي عالق هنا. اسمك آمون... حسناً، آمون، أخبرني عن نفسك. لماذا أنت هنا؟ هذا المكان... ليس مكاناً يأتي إليه المرء لقضاء عطلة أو للاستكشاف" قال ذلك بينما ارتسمت ابتسامة على وجهه القبيح.
ارتجفت شفتا آمون. ومع ذلك ظل يبتسم بأدب. "هذا الرجل... على الأقل يمكنه أن يخبرني باسمه."
سيدي... أنا طالبة أكاديمية من مملكة فالموريا. وسقطتُ بالخطأ في بوابة نقل آني مجهولة. ثم وجدتُ نفسي على هذه الجزيرة. لذا فأنا عالقة هنا، أحاول إيجاد طريقة للعودة... وانتهى بي المطاف هنا، ألتقي بك.
أخبر آمون الرجل بكل شيء باختصار. لم يدخل في التفاصيل أو يحاول الكذب.
بدا الرجل وكأنه مقيم هنا منذ سنوات طويلة. ومن المستحيل أن يحمل فجأة ضغينة ضد الأكاديمية أو مملكة فالموريا.
استمع الرجل الذي كان ما زال في نفس الوضع، إلى آمون بفضول.
"مثير للاهتمام. طالب أكاديمية. مملكة فالموريا. حيث يبدو أنني كنت نائماً لفترة أطول بكثير مما كنت أعتقد في البداية" قالها وهو يبتسم. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه.
عبس آمون عند سماعه كلماته. بدا الأمر وكأن ما قاله آمون للتو كان جديداً على الرجل الميت.
"هل هو أكبر سناً بكثير مما كنت أظن؟" فكر آمون.