الفصل الرابع: البطل المحلي
مرت ستة أشهر منذ أن حصل ماتيو على أول كرة قدم حقيقية له، وكان التحول الذي طرأ على الصبي الصغير ملحوظاً.
ما بدأ كموهبة فطرية تطور إلى مهارة حقيقية من خلال ساعات لا تحصى من التدريب المتفاني.
كل صباح قبل الإفطار، وكل عصر بعد الدروس، وكل مساء حتى تختفي الشمس خلف أفق برشلونة، كان من الممكن العثور على ماتيو مع كرته، يدفع حدود ما يبدو ممكناً لطفل يبلغ من العمر سبع سنوات.
أصبحت الشوارع الضيقة المحيطة بـ "كاسا دي لوس نينوس" بمثابة ساحة تدريبه.
كان دار الأيتام يقع في قلب غراسيا، وهو حيٌّ كانت فيه كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، بل كانت أسلوب حياة. نشأ الأطفال وهم يركلون الكرات على الجدران القديمة، وتتردد أصداء أحلامهم على الحجارة المرصوفة التي شهدت أجيالاً من لاعبي كرة القدم الطموحين.
في هذا الصباح بالذات، توجه ماتيو إلى ساحة بلاسا دي لا فيلا دي غراسيا، الساحة الصغيرة التي كانت بمثابة ملعب كرة القدم غير الرسمي للحي.
كان المكان بالكاد يبلغ طوله ثلاثين متراً وعرضه عشرين متراً، محاطاً بالمقاهي والمتاجر التي تقبل أصحابها منذ زمن بعيد أن نوافذهم ستهتز أحياناً بسبب تأثير الطلقات الضالة.
"ماتيو!" صاح جوردي، وهو صبي يبلغ من العمر عشر سنوات، وتملك عائلته المخبز الواقع على الزاوية. "نحتاج إلى واحد آخر للفرق!"
كان أطفال المنطقة في البداية متشككين في اليتيم الهادئ الذي ظهر في ساحتهم بكرته الجلدية البالية وتعبير وجهه الجاد.
لكن سرعان ما تحول الشك إلى دهشة، ثم إلى قبول حماسي. حيث كانت مهارات ماتيو لا جدال فيها، ولكن الأهم من ذلك أن وجوده رفع مستوى أداء الجميع.
قال ماتيو ببساطة "سألعب" ووضع كرته أرضاً وتفحص الملعب المؤقت.
كانت المرمى محددة بحقائب الظهر وزجاجات المياه، والحدود محددة بالهندسة المعمارية الطبيعية للميدان. حيث كانت كرة قدم الشوارع في أنقى صورها - لا حكام، ولا قواعد رسمية، فقط اللعبة الجميلة في جوهرها.
تم تنظيم الفرق بسرعة: جوردي، كارلوس، وماتيو ضد لويس، أندريس، وتوماس.
كان الأولاد الأكبر سناً أضخم وأقوى، لكن ماتيو تعلم استغلال حجمه لصالحه. فمركز ثقله المنخفض جعله من المستحيل تقريباً انتزاع الكرة منه، كما أن بصره الحاد مكّنه من إيجاد مساحات لا يستطيع الآخرون رؤيتها.
أعلن جوردي "القواعد نفسها كما هي دائماً. الفائز هو أول من يسجل خمسة أهداف. ممنوع استخدام اليدين، ممنوع البكاء، ممنوع الأعذار."
بدأت المباراة باستحواذ لويس على الكرة لصالح فريق الأولاد الأكبر سناً.
كان عمره ثلاثة عشر عاماً، وكان يعتبر نفسه أفضل لاعب في الحي، وهي سمعة لم تُنازع إلى حد كبير حتى وصول ماتيو. وانطلق لويس للأمام بثقة، وخطواته الطويلة تقطع المسافة وهو يقترب من المرمى المؤقت.
لكن ماتيو كان يراقب المباراة، يقرأها بوعي تكتيكي أبهر كل من شاهده يلعب. وبينما كان لويس يستعد للتسديد، انزلق ماتيو في توقيت مثالي، وكانت تدخله نظيفاً وحاسماً. وانطلقت الكرة، وقبل أن يتمكن أحد من الرد كان ماتيو يتحرك بالفعل في الاتجاه المعاكس.
ما حدث بعد ذلك سيظل حديث الناس في الحي لسنوات قادمة.
استلم ماتيو الكرة وظهره للمرمى، محاطاً بثلاثة مدافعين في المساحة الضيقة للمربع.
كان اللاعب العادي سيسعى إلى تمرير الكرة أو إبعادها إلى بر الأمان. ولكن ماتيو رأى شيئاً مختلفاً. ففي ذهنه، تحولت فوضى الأجساد والحركة إلى أنماط واضحة، كمعادلة رياضية معقدة تكشف فجأة عن حلها.
قام بحركة تمويهية إلى اليسار، مما تسبب في نقل أندريس لوزنه، ثم دحرج الكرة تحت ساقه واستدار إلى اليمين.
اندفع توماس للأمام، لكن ماتيو كان قد توقع حركته، فمرر الكرة بطرف قدمه فوق ساق المدافع الممدودة. وبينما كانت الكرة تهبط، أمسكها بصدره، وتركها تسقط على قدميه، وبحركة انسيابية واحدة، رفعها فوق رأس لويس إلى داخل المرمى الذي كان محاطاً بحقيبتي ظهر.
ساد الصمت الساحة.
حتى الكبار الذين كانوا يشاهدون من شرفات المقاهي توقفوا عن أحاديثهم ليحدقوا في الصبي الصغير الذي قدم للتو لحظة سحرية كانت ستكون مثيرة للإعجاب في مباراة احترافية، ناهيك عن مباراة شوارع بين الأطفال.
همست السيدة غارسيا، المرأة المسنة التي تدير محل الزهور "يا إلهي، هل رأيت ذلك؟"
انقطع الصمت باحتفال جوردي المبهج "جولازو! جوليازو! ماتيو كان ذلك مذهلاً!"
لكن ماتيو استعاد الكرة ببساطة وركض عائداً إلى وسط الساحة، وكان تعبيره هادئاً ومركزاً.
بالنسبة له كان الهدف بمثابة النتيجة الطبيعية لما رآه يتطور خلال المباراة. أما حقيقة أن الآخرين وجدوا ذلك استثنائياً فكانت أمراً محيراً ومُرضياً في آن واحد.
استمرت المباراة، لكن الوضع تغير. فالأولاد الأكبر سناً الذين كانوا في البداية يتعاملون مع المباراة بثقة عادية، وجدوا أنفسهم الآن يواجهون تحدياً حقيقياً.
بدا أن وجود ماتيو قد ألهم زملاءه أيضاً. كارلوس، وهو لاعب دفاعي في العادة، بدأ بالتقدم للأمام بشكل لم يسبق له مثيل. أصبحت تمريرات جوردي أكثر جرأة، وقد تعززت ثقته بنفسه بوجود زميل قادر على جعل المستحيل يبدو سهلاً.
مع انتهاء المباراة بفوز فريق ماتيو بنتيجة 5-3، تجمع حشد صغير حول الساحة. انتشر الخبر بين أوساط الحي غير الرسمية من أصحاب المتاجر والسكان ورواد المقاهي المعتادين بأن شيئاً مميزاً يحدث في الساحة.
"من هذا الصبي؟" سأل السيد مارتينيز الذي كان يدرب الفريق المحلي للهواة وتوقف عند المكان بعد سماعه الضجة.
"إنه من دار الأيتام" أوضح جوردي بفخر، وكأن موهبة ماتيو تعكس صورة إيجابية عنهم جميعاً. "عمره سبع سنوات فقط، لكنه يلعب وكأنه... وكأنه..."
واختتم كارلوس حديثه قائلاً "مثل ماردونا" مشيراً إلى الساحر الأرجنتيني الذي أسر قلوب جماهير كرة القدم بمهارته وإبداعه.
درس السيد مارتينيز ماتيو بعين خبير قضى عقوداً في عالم كرة القدم. حيث كانت تقنية الصبي رائعة، لكن ما أثار إعجابه أكثر هو الذكاء الكامن وراء كل حركة. فلم يكن ماتيو يمتلك المهارة فحسب، بل كان يفهم كيف يستخدمها بفعالية.
"يا فتى" صاح السيد مارتينيز "هل ترغب في اللعب لفريق حقيقي؟"
رفع ماتيو رأسه من حيث كان يتدرب على التحكم بالكرة. وقال بأدب "أنا ألعب بالفعل في فريق. السيد فاسكيز هو مدربنا".
أومأ السيد مارتينيز قائلاً "أجل، دوري الشباب. ولكنني أتحدث عن شيء أكثر جدية. فريقي يلعب في الدوري الإقليمي للهواة. ويمكننا الاستفادة من شخص يتمتع برؤيتك."
كان العرض مغرياً، لكن ماتيو تعلم أن يكون حذراً بشأن الالتزامات التي قد تبعده عن أصدقائه ومنزله. وأشار قائلاً "عمري سبع سنوات فقط".
أجاب السيد مارتينيز "العمر مجرد رقم، أما الموهبة فهي أبدية".