Switch Mode

السيمفونية الصامتة 354

افتتاحية الدوري الألماني 2


الفصل 354: افتتاحية الدوري الألماني الجزء الثاني

كانت الأيام التي تلت افتتاحية الدوري الألماني بمثابة دراسة للتناقض. ثم واصلت وسائل الإعلام تضخيم أسطورة ماتيو ألفاريز، اللاعب الصامت الموهوب القادر على تغيير مجرى المباريات متى شاء. و لكن داخل ملعب تدريب دورتموند كان الوضع يسير كالمعتاد. حيث كان كلوب لا يلين، يدفع الفريق بقوة أكبر، ويطالب بمزيد من التركيز والحماس.

"فوز واحد لا يُساوي شيئاً!" هكذا صرخ خلال حصة تدريبية. "أمامنا ثلاثة وثلاثون مباراة أخرى. لا يُمكننا التهاون. حيث يجب أن نكون مُتعطشين للفوز، يجب أن نكون حاسمين، يجب أن نكون دورتموند!"

تقبّل ماتيو التحدي بحماس. و لقد ازدهر في ظلّ هذا التحدي، وفي السعي الدؤوب نحو الكمال. أمضى ساعات طويلة في ساحة التدريب، يعمل على تحسين تمريراته وتسديداته ووعيه التكتيكي.

واصل هو وأوباميانغ تطوير شراكتهما حتى بات انسجامهما في الملعب أشبه بالتخاطر. حيث كانا يبقيان لوقت متأخر بعد التدريب، يتدربان على التمارين والحركات، ويبنيان تفاهماً يتجاوز الكلمات.

كان لوكاس أيضاً يتدرب بجد أكثر من أي وقت مضى. حيث كان يعلم أن فرصته ستأتي، وأراد أن يكون مستعداً. أمضى وقتاً إضافياً في صالة الألعاب الرياضية، يعمل على بناء قوته ولياقته الجسدية. درس مقاطع الفيديو، متعلماً من أفضل لاعبي خط الوسط في العالم. وواصل التدريب مع ماتيو، وأصبحت جلساتهما المسائية في السكن الجامعي طقساً مقدساً، والتزاماً مشتركاً بالتميز.

---

في إحدى الأمسيات، بينما كانوا يمارسون تمارين التمدد في غرفتهم بعد يوم شاق بشكل خاص، تنهد لوكاس قائلاً "هل تشعر بالتعب من ذلك أحياناً؟ من الضغط، والتوقعات، والاهتمام المستمر؟"

فكر ماتيو للحظة.

"أحياناً. و لكن حينها أتذكر لماذا بدأت اللعب. و من أجل حب اللعبة. و من أجل متعة الإبداع. و من أجل الشعور بأنني جزء من شيء أكبر مني."

"أعتقد أنني قلق فقط من خذلان الناس. كلوب، الفريق، أنت..."

"لن تفعل. و لديك الموهبة، ولديك أخلاقيات العمل، ولديك القلب. و هذا كل ما يهم."

ابتسم لوكاس ابتسامة صادقة نابعة من القلب. "شكراً لك يا ماتيو. أنت دائماً تعرف ما يجب قوله."

"أنا لا أقول شيئاً. و أنا فقط أضع النقاط على الحروف."

ضحكا كلاهما، في لحظة مرح وسط استعداداتهما المكثفة. حيث كانت هذه اللحظات، هذه المحادثات الهادئة في ملاذ غرفتهما في السكن الجامعي، هي ما أبقتهما متواضعين، وذكّرتهما بالرابطة التي تجمعهما، رابطة تتجاوز كرة القدم.

---

بينما كانوا يستعدون لمباراتهم التالية، وهي رحلة خارج أرضهم إلى أوغسبورغ، شعر ماتيو بالتركيز والعزيمة. و لقد كان الفوز بكأس السوبر بمثابة معجزة، ومباراة ليفركوزن بمثابة إعلان قوي. و الآن، حان الوقت لإثبات قدرتهم على الاستمرارية، وعلى قدرتهم على الفوز خارج أرضهم، وعلى قدرتهم على تحمل مشقة موسم طويل.

كان يعلم أن الأمر لن يكون سهلاً. أوغسبورغ فريق قوي، خاصة على أرضه. سيلعبون بقوة بدنية، وسيكونون منظمين، وسيكونون مصممين على هزيمة حامل اللقب. و لكن ماتيو كان مستعداً. و لقد واجه بايرن ميونخ، وقاد عودة تاريخية، وفعل كل ذلك وهو يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة.

لم يعد مجرد فتى يحلم. و لقد أصبح قائداً، والبطل، ولاعباً نال احترام زملائه وخوف خصومه. وبينما كان يحزم حقيبته للرحلة إلى أوغسبورغ، شعر بثقة هادئة، وإحساس بأنه في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، يفعل ما خُلق لأجله.

كان الموسم في بدايته، والرحلة طويلة، لكن ماتيو ألفاريز كان مستعداً لكتابة الفصل التالي من قصته المذهلة.

---

في الليلة التي سبقت مباراة أوغسبورغ لم يستطع ماتيو النوم. استلقى على سريره في الفندق، يحدق في السقف، وعقله يغلي بالأفكار. حيث فكر في المباراة، وفي التحديات التكتيكية، وفي الجمهور المعادي الذي سيواجهونه. و لكن في الغالب، فكر في الرحلة، ومن مسافة التي قطعها في مثل هذا الوقت القصير.

تذكر ألم رفض برشلونة له، ووحدة أيامه الأولى في دورتموند، ومعاناته في تعلم لغة جديدة، وثقافة جديدة، وأسلوب لعب جديد. تذكر الإصابة التي كادت أن تنهي مسيرته، وعملية إعادة التأهيل الطويلة والشاقة، والشك الذاتي الذي كان ينهشه.

ثم تذكر الانتصارات. الهدف الأول، التمريرة الحاسمة الأولى، أول طعم للنصر. الفوز بكأس السوبر في سن السادسة عشرة، لقب الدوري الألماني، هتافات الجماهير. العودة المعجزة أمام بايرن، شعور رفع كأس السوبر للمرة الثانية.

لقد كانت رحلة مليئة بالمشاعر المتضاربة، رحلة بين الفرح والحزن، بين الألم والفرح. وخلال كل ذلك كان يوجهه إيمان بسيط وثابت بنفسه، وبموهبته، وبقدره.

نهض من فراشه وسار إلى النافذة، ناظراً إلى شوارع أوغسبورغ الهادئة. و في الأفق، رأى أضواء الملعب، منارةً في الظلام. غداً، سيخطو على أرض الملعب، لا كصبي، بل كرجل، قائد، البطل.

فكّر في لوكاس، النائم بهدوء في السرير المقابل له. فكّر في مسيرة صديقه، وترقيته إلى الفريق الأول، وعزمه على إثبات نفسه. حيث كان يعلم أن لوكاس سيحصل على فرصته قريباً، وسيكون حاضراً لدعمه، وإرشاده، والاحتفال معه.

فكّر في إيزابيلا، وفي حبها ودعمها الدائمين. فكّر في دون كارلوس والأخت ماريا إيلينا، وفي أطفال دار الأيتام الذين كانوا ينظرون إليه كالبطل. فكّر في والدته التي كانت يحمل ذكراها معه كل يوم، مصدر قوة وإلهام.

لم يكن يلعب لنفسه فقط، بل كان يلعب من أجلهم جميعاً. و من أجل أولئك الذين آمنوا به حين لم يؤمن به أحد سواهم. و من أجل أولئك الذين منحوه بيتاً وعائلة وسبباً ليحلم.

𝒓𝒏𝒗.

أخذ نفساً عميقاً، وشعر بسلام وصفاء يغمرانه. الضغط، والتوقعات، والضجة الإعلامية – كل ذلك تلاشى، ليحل محله شعور بسيط وعميق بالهدف.

كان ماتيو ألفاريز. حيث كان لاعب كرة قدم. وكان مستعداً لكتابة الفصل التالي من قصته.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط