الفصل 351: معجزة كأس السوبر
كانت أجواء ملعب سيغنال إيدونا بارك مشحونة بالترقب. إنها بطولة كأس السوبر الألماني، المباراة الافتتاحية التقليدية لموسم كرة القدم الألماني، والخصم ليس سوى بايرن ميونخ. ولكن هذه لم تكن بطولة كأس سوبر عادية. لقد كان صراعاً بين عمالقة، ومعركة فلسفات، ولقاءً حافلاً بالمشاعر. لأن هذه المرة كان روبرت ليفاندوفسكي في الجانب الآخر.
راقب ماتيو من مقاعد البدلاء الفريقين أثناء الإحماء، وعيناه مثبتتان على زميله السابق المألوف. بدا ليفاندوفسكي مختلفاً بقميص بايرن الأحمر - ما زال المهاجم القوي والحاسم نفسه، لكنه الآن منافس، خصم. تبادلا إيماءة قصيرة محترمة قبل المباراة، اعترافاً صامتاً بتاريخهما المشترك، لكن الآن أصبح الأمر جدياً للغاية.
فضّل كلوب الاعتماد على الخبرة في التشكيلة الأساسية، وهو قرارٌ تفهّمه ماتيو. فلم يكن كأس السوبر مجرد لقب، بل كان أيضاً بمثابة إعلان نوايا للموسم المقبل. أراد كلوب أن يشارك فيه أكثر لاعبيه خبرةً، أولئك الذين خاضوا غمار هذه المنافسات من قبل. أما ماتيو الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، فكان عليه أن ينتظر فرصته.
---
بدأت المباراة بوتيرة سريعة للغاية. سيطر بايرن ميونخ، بقيادة بيب غوارديولا المُحكمة، على مجريات اللعب، وكانت تمريراتهم دقيقة وحاسمة. أما دورتموند، في غياب ليفاندوفسكي، فقد عانى لإيجاد إيقاعه. حيث كان أوباميانغ، قائد الهجوم، معزولاً، وتعرض خط الوسط لضغط هجومي مكثف.
في الدقيقة 29، حدث ما كان متوقعاً. هجمةٌ رائعةٌ من بايرن ميونخ اخترقت دفاع دورتموند، وسدد توماس مولر الكرة في الشباك من مسافة قريبة. 1-0.
حاول مشجعو دورتموند حشد فريقهم، لكن بايرن ميونخ كان عنيداً. قبيل نهاية الشوط الأول، انطلق آريين روبن الذي لطالما شكل مصدر إزعاج لدورتموند، من الجهة اليمنى وأطلق تسديدة مقوسة استقرت في الزاوية العليا للمرمى. النتيجة 2-0.
في غرفة الملابس كان كلوب غاضباً للغاية. "ما هذا؟ هل نحن خائفون منهم؟ هل يرهبنا زميل سابق؟ هذا ليس دورتموند! هذا ليس الفريق الذي فاز بالدوري الألماني! أريد أن أرى روح القتال! أريد أن أرى الشغف! أريد أن أرى الفريق الذي أعرف أنكم قادرون على أن تكونوه!"
كان لكلماته أثرٌ بالغ. دخل دورتموند الشوط الثاني بعزيمة متجددة. وفي الدقيقة 56، قلّص ماركو رويس الفارق بهدف من ركلة حرة رائعة، وللحظة، بدا أن العودة ممكنة.
لكن بعد تسع دقائق فقط، سجل ليفاندوفسكي، من بين جميع اللاعبين، هدفاً. هدف سهل من بين فوضى أمام المرمى، لكنه كان بمثابة طعنة في القلب. لم يحتفل، في لفتة احترام بسيطة، لكن الضرر كان قد وقع. 3-1.
ساد الصمت أرجاء الملعب. بدت المباراة وكأنها خاسرة. وعلى مقاعد البدلاء، انتاب ماتيو شعورٌ جارفٌ بالإحباط والعجز. حيث كان يتوق للتواجد في الملعب، للمساعدة، لتغيير مجرى المباراة. التقت عيناه بعيني كلوب، وكانت نظراته بمثابة رجاءٍ صامت.
---
في الدقيقة السبعين، قام كلوب بتغييره. التفت إلى دكة البدلاء، ووقع نظره على ماتيو. "ماتيو! دورك الآن! انزل إلى الملعب وغيّر مجرى المباراة!"
انفجرت الجماهير فرحاً. حيث كان التبديل بمثابة إشارة إلى النية، ومغامرة محفوفة بالمخاطر، وأمل يائس. وبينما كان ماتيو يركض إلى أرض الملعب، ليحل محل هنريك مخيتاريان المُنهك، شعر بثقل التوقعات، وهدير الجماهير، وإلحاح اللحظة.
كانت لمسته الأولى تمريرة بسيطة، لكنها كانت بمثابة رسالة. حيث كان هادئاً، مركزاً، ومستعداً. وبدأ على الفور في تنظيم اللعب، والمطالبة بالكرة، وإيجاد المساحات التي كانت دفاع بايرن يغلقها ببراعة.
في الدقيقة 73، استلم الكرة في منتصف الملعب، استدار، ورأى رويس ينطلق. مرر له كرة بينية متقنة، اخترقت دفاع بايرن. استلم رويس الكرة بلمسة واحدة وسددها بقوة في شباك مانويل نوير. 3-2.
بدأت العودة.
اهتزّ بايرن ميونخ. ولقد غيّر دخول ماتيو مجرى المباراة تماماً. حيث كان حاضراً في كل مكان، برؤيته وإبداعه اللذين فتحا دفاعاً بدا منيعاً قبل دقائق. حيث كان بمثابة قائد صامت، مايسترو بلا كلمات، يقود سيمفونية من كرة القدم الهجومية.
في الدقيقة 82، كرّرها. استلم الكرة في عمق خط الوسط، وانطلق بها للأمام، ثم مرّر تمريرة رائعة دون النظر إلى أوباميانغ الذي استغل سرعته الخاطفة ليخترق دفاع الخصم ويسدد الكرة في شباك نوير. 3-3.
كان الملعب في حالة من الهيجان. حيث كان المشجعون يصرخون، واللاعبون يحتفلون، وعلى خط التماس كان بيب غوارديولا يحدق في ذهول. كيف حدث هذا؟ كيف استطاع فتى في السابعة عشرة من عمره أن يُفكك فريقه العالمي تماماً؟
---
كانت الدقائق الأخيرة عبارة عن سلسلة من الحماس الشديد. سعى كلا الفريقين للفوز، لكن دورتموند، مدفوعاً بزخم عودته، بدا الأقرب للتسجيل.
في الدقيقة 88، حصلوا على ركلة ركنية. ركض ماتيو لتنفيذها، مثقلاً بعبء اللحظة. ثم أخذ نفساً عميقاً، رفع رأسه، وأرسل عرضية متقنة إلى منطقة الجزاء. ارتقى ماتس هوملز فوق دفاع بايرن، ليقابلها برأسية قوية. 4-3.
انفجر الملعب. اكتملت العودة. حدثت المعجزة.
---
أُطلقت صافرة النهاية، وانهار لاعبو دورتموند في حالة من الفرح والإرهاق. ولقد فعلوها. ولقد دافعوا عن لقب كأس السوبر بأكثر طريقة دراماتيكية يمكن تخيلها.
وقف ماتيو في منتصف الملعب، محاطاً بزملائه المحتفلين، وعلى وجهه ابتسامة هادئة. ولقد فعلها. ولقد غيّر مجرى المباراة. ولقد أثبت، مرة أخرى، أنه لاعبٌ يُجيد حسم المباريات الكبيرة.
اقترب ليفاندوفسكي منه، ووجهه مزيج من خيبة الأمل والاحترام. "لقد كنتَ مذهلاً يا ماتيو. ولقد استحققت الفوز."
وقّع ماتيو برسالة شكر، في لفتة احترام متبادل بين لاعبين عظيمين.
سُئل بيب غوارديولا، في المؤتمر الصحفي الذي أعقب المباراة، عن سبب هذا التحول. فقال بصوتٍ يملؤه الإحباط "كنا نسيطر على المباراة، ثم... دخل هذا اللاعب. ولقد غيّر كل شيء. رؤيته، ذكاؤه... إنه لاعب مميز. لاعب مميز للغاية."