الفصل 333: العودة إلى برشلونة 1
توقفت سيارة الأجرة أمام بوابات دار الأطفال المألوفة، وشعر ماتيو بنبضات قلبه تتسارع. لم يمضِ سوى أسابيع قليلة منذ آخر زيارة له إلى هنا، لكن الكثير قد تغير. أو بالأحرى، الكثير على وشك أن يُكشف. ونظر إلى إيزابيلا التي ضغطت على يده مطمئنة، وعيناها تفيضان بثقة هادئة وثابتة.
سألته بهدوء: "هل أنت مستعد؟"
أومأ ماتيو برأسه، رغم أن يديه كانتا ترتجفان قليلاً. لقد كان يفكر في هذه اللحظة منذ شهور، منذ ذلك اليوم البارد من شهر يناير خلال عطلة الشتاء عندما طرح الموضوع لأول مرة مع دون كارلوس.
---
يناير 2014 - عطلة الشتاء
كانت الذكرى حيةً كأنها حدثت بالأمس. عاد ماتيو إلى برشلونة خلال عطلة الشتاء القصيرة، وقلبه مثقل بمزيج من الحنين إلى الوطن والرغبة في تحقيق هدف. حيث كان قد تلقى للتو أول راتب كبير له من دورتموند، ورغم أن المبلغ كان متواضعاً بمعايير كرة القدم إلا أنه كان أكثر مما رآه في حياته.
جلس في مكتب دون كارلوس الصغير المزدحم، نفس المكتب الذي أمضى فيه ساعات لا تُحصى في طفولته، يُنجز واجباته المدرسية، ويتحدث عن أحلامه، ويبحث عن الراحة بعد يوم شاق. حيث كانت رائحة الغرفة تفوح برائحة الكتب القديمة، والقهوة القوية، ورائحة تبغ غليون دون كارلوس الخفيفة والمريحة.
"أريد المساعدة."
وقع ماتيو، وتحركت يداه بطاقة عصبية.
"أريد الاستثمار في دار الأطفال. أجهزة كمبيوتر جديدة، كتب، وربما تجديد المطبخ. أي شيء تحتاجونه."
حدّق دون كارلوس فيه لبرهة طويلة، ووجهه المتجعد لا يُقرأ. ثم هزّ رأسه ببطء قائلاً: "لا يا بني، أنت لا تدين لنا بشيء."
شعر ماتيو بموجة من الإحباط. فأشار بإيماءة أكثر حزماً، وكانت حركاته حادة ومُلِحّة: "الأمر لا يتعلق بالدين. الأمر يتعلق بالعائلة. الأمر يتعلق برد الجميل."
قال دون كارلوس بصوت هادئ لكن حازم: "عليك أن تفكر في مستقبلك. عليك أن تدخر أموالك، وأن تستثمر في نفسك. ما زلت صغيراً يا ماتيو، ولا تدري ما يخبئه لك المستقبل."
"أعلم أن هذا المكان أنقذ حياتي."
وقع ماتيو، وعيناه شرسة.
"أعلم أنكِ والأخت ماريا إيلينا قد وفرتما لي مأوىً عندما لم أكن أملك شيئاً. أعلم أن إيلينا وبابلو وميغيل أصبحوا عائلتي. أريد أن أساعد أطفالاً آخرين على الحصول على نفس الفرصة التي أتيحت لي."
تنهد دون كارلوس، وعيناه تلمعان بدموع لم تسقط بعد. "أنت ولد صالح يا ماتيو. رجل صالح. ولكنني لا أستطيع قبول الصدقة."
"إنها ليست صدقة."
وقع ماتيو، وتزايد إحباطه.
"إنها عائلة تعتني بعائلتها."
تجادلوا لساعات، وارتفعت أصواتهم (وأيديهم) وانخفضت في نقاش حادّ وصادق. حيث كان دون كارلوس عنيداً، وكبرياؤه حاجزاً منيعاً. لقد بنى دار الأطفال من الصفر، وبذل كل ما في وسعه لخلق ملاذ آمن للأطفال المنسيين. حيث كان قبول المال حتى من شخص يحبه كابنه، بمثابة اعتراف بالهزيمة، واعتراف بالفشل.
لكن ماتيو كان عنيداً بنفس القدر. لقد رأى الشقوق في الجدران، والكتب المدرسية القديمة، وأجهزة الكمبيوتر العتيقة التي بالكاد تعمل. لقد رأى الأطفال يلعبون كرة القدم على رقعة من التراب والخرسانة، أحلامهم واسعة كالسماء، لكن مواردهم محدودة كالأرض تحت أقدامهم. لقد رأى الإمكانات، والفرص، والمستقبل الذي يمكن تحقيقه باستثمار بسيط.
وأخيراً، وبعد ساعات من النقاش، تدخلت الأخت ماريا إيلينا. دخلت المكتب، وكان وجودها بمثابة قوة تهدئة في الغرفة المتوترة. ونظرت إلى دون كارلوس، وعيناها تفيضان بحكمة هادئة وعارفة.
قالت بهدوء: "كارلوس، أحياناً يكون أعظم فعل حب هو السماح لشخص ما بالعطاء. ماتيو لا يقدم صدقة. إنه يقدم قلبه. وسنكون حمقى إذا رفضناه."
نظر دون كارلوس إليها، ثم إلى ماتيو، وكان تعبيره مزيجاً من الفخر والحب والاستسلام. وأخيراً، أومأ برأسه. وقال بصوتٍ يملؤه التأثر: "حسناً، ولكن بشرط أن نفعل ذلك على النحو الأمثل. استثمارات عملية. أشياء تُفيد مستقبل الأطفال، لا أن تجعل المكان يبدو جميلاً فحسب."
شعر ماتيو بموجة من الارتياح والفرح. وقّع بسرعة، ويداه تتحركان بسرعة خاطفة: "افعل ما تراه مناسباً. أنت أدرى باحتياجات الأطفال من أي شخص آخر."
تصافحا، في اتفاقٍ جادٍّ وصادق بين رجلين يكنّان لبعضهما محبةً كأبٍ وابنه. ثم على مدى الأشهر القليلة التالية، استثمر دون كارلوس أموال ماتيو بعنايةٍ وتأنٍّ في تحويل دار الأطفال.
---
الوقت الحاضر - أواخر يونيو 2014
الآن، بينما كان ماتيو يقف عند بوابات دار الأيتام، انتابه شعورٌ مختلطٌ بين الحماس والتوتر. حيث كان قد تلقى تحديثاتٍ من دون كارلوس، رسائل بريد إلكتروني قصيرة ومكالمات هاتفية تُفصّل التقدم المُحرز. ولكنّه لم يرَ هذا التحوّل بأمّ عينيه. حيث كان يُريد الانتظار، أن يُعايش كل شيء دفعةً واحدة، أن يرى الأثر الكامل لما أنجزوه معاً.
انفتحت البوابات، وهناك، واقفاً في الفناء كان دون كارلوس. بدا أكبر سناً وأكثر إرهاقاً، لكن عينيه كانتا تلمعان بفخر وفرح نادراً ما رآهما ماتيو. وإلى جانبه وقفت الأخت ماريا إيلينا، ووجهها يشع بابتسامة دافئة ومرحبة.
قال دون كارلوس بصوتٍ يملؤه التأثر: "ماتيو، أهلاً بك في بيتك."
شعر ماتيو بغصة في حلقه. تقدم للأمام، وإيزابيلا بجانبه، وعانق الرجل العجوز. ضمه دون كارلوس بقوة، وربتت يداه الخشنتان على ظهر ماتيو في لفتة حب وفخر.
همس دون كارلوس قائلاً: "لقد كنت أنتظر هذه اللحظة. ولدي الكثير لأريك إياه."
وبينما كانا يبتعدان، نظر ماتيو حول الفناء. للوهلة الأولى، بدا المكان كما هو: نفس الجدران المطلية باللون الأبيض، ونفس بلاط الطين، ونفس شجرة البلوط القديمة في الزاوية. ولكنّه لاحظ بعد ذلك التغييرات الطفيفة.