الفصل 329: المغامرة الإيطالية الجزء الأول
لطالما كان ماتيو رجلاً قليل الكلام، لكن أفعاله كانت أبلغ من أي كلام. وكانت رحلته المفاجئة إلى إيطاليا أروع لفتة قام بها حتى الآن.
جمع إيلينا وبابلو وميغيل في غرفة المعيشة في دار الأطفال، وبريق خبيث يلمع في عينيه. وقدّم لهم علبة صغيرة مغلفة بشكل جميل. وفي داخلها، مُرتبة على طبقة من ورق المناديل، كانت أربع تذاكر طيران إلى روما.
كان رد الفعل فورياً وفوضوياً. صرخت إيلينا صرخة عالية النبرة، صرخة فرح غريبة تماماً على هذه الشابة الهادئة عادةً. هتف بابلو فرحاً، ورفع ماتيو في عناق قوي. أما ميغيل، فعيناه متسعتان من الذهول، حدق في التذاكر ويداه ترتجفان.
"أنا... لا أعرف ماذا أقول" تمتمت إيلينا وعيناها تلمعان بالدموع. "ماتيو، هذا... هذا كثير جداً."
ابتسم ماتيو ببساطة وقال: "أنتم عائلتي. أنتم تستحقون كل خير."
وبعد أسبوع كانوا في روما. كانت المدينة بمثابة فيض من الأحاسيس، تحفة فنية فوضوية وجميلة ومذهلة. التاريخ العريق، والطعام الشهي، والناس الشغوفون والمعبرون... كانت كل ما تخيلوه وأكثر.
أمضوا أيامهم الأولى في جولة سياحية مكثفة. زاروا الكولوسيوم، حيث تحكي حجارته القديمة قصص المصارعين والأباطرة. ألقوا العملات المعدنية في نافورة تريفي، متمنين أمنيات للمستقبل. وقفوا مبهورين أمام تحفة مايكل أنجلو في كنيسة سيستين، أعناقهم مرفوعة، وقلوبهم مفعمة بالبهجة.
لكن بالنسبة لماتيو لم تكن متعة الرحلة الحقيقية في المناظر، بل في التجارب. كانت في رؤية وجوه أصدقائه تضيء فرحاً وهم يتذوقون الكاربونارا الأصلية لأول مرة، وكانت الصلصة الكريمية بمثابة اكتشاف مذهل.
كان ذلك جلياً في جلسات تذوق الجيلاتو المفعمة بالضحك، والنقاشات حول أفضل نكهة (الفستق، بالطبع). كان ذلك أيضاً في أسواق الطعام الصاخبة، حيث يفوح في الأجواء عبق الخبز الطازج، والنقانق الشهية، والطماطم الناضجة الحلوة.
كان بابلو الذي لطالما كان شرهاً للطعام، في غاية السعادة. صرّح ذات ظهيرة، وفي يده قطعة بيتزا نصف مأكولة: "أعتقد أنني وجدت شغفي الحقيقي. انسَ الطب الرياضي. سأصبح طاهياً."
إيلينا التي كانت تتمتع بموهبة فطرية في اللغات، اكتسبت كمية مذهلة من اللغة الإيطالية في غضون أيام قليلة. كانت تطلب الطعام بثقة في المطاعم، وتتبادل أطراف الحديث مع أصحاب المتاجر، بل وتمكنت من المساومة للحصول على خصم على دفتر يوميات جميل ذي غلاف جلدي لميغيل.
وكان ميغيل الذي لا تفارقه كراسة رسمه، في حالة إلهام دائم. رسم كل شيء: التفاصيل الدقيقة لنافورة رومانية، ووجه فنان الشارع المعبر، وألوان طبق المعكرونة الزاهية. كان يرى العالم بعيون فنان، وكان مشهداً جميلاً حقاً.
انضمت إيزابيلا إليهم لبضعة أيام في فلورنسا، واندمجت بسلاسة في أجواء المجموعة. كانت تتمتع بدفء طبيعي وذكاء حاد، مما جعلها محبوبة لدى إيلينا وبابلو وميغيل على الفور. ضحكت على نكات بابلو، وأعجبت برسومات ميغيل، وانخرطت في نقاش حيوي مع إيلينا حول مزايا فن عصر النهضة.
في إحدى الظهيرات، وبينما كانوا يتجولون في حدائق بوبولي، تعرفت مجموعة من مشجعي كرة القدم الإيطاليين على ماتيو. كانوا في غاية السعادة، وأصواتهم عالية وحماسية، وتجمعوا حوله يطلبون توقيعه، ويلتقطون الصور معه، ويطلبون منه لحظة من وقته. ماتيو الذي كان ما زال يعتاد على شهرته الجديدة، تعامل مع الموقف بهدوء ورزانة وتواضع حقيقي أثار إعجاب الجميع.
وبينما كان المشجعون يتفرقون، ربت بابلو على كتفه. وقال بابتسامة فخر على وجهه: "أرأيت؟ أنت نجم يا رجل. حتى في إيطاليا."
هزّ ماتيو كتفيه ببساطة، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة متواضعة. فلم يكن نجماً لامعاً، بل كان مجرد ماتيو. فتى مُنح فرصة ثانية، فتى يحاول استغلالها على أكمل وجه. وبينما كان ينظر إلى أصدقائه، إلى حب حياته، إلى جمال غروب الشمس الإيطالي، أدرك أنه أسعد فتى في العالم.
في ذلك المساء، وجدوا مطعماً صغيراً تديره عائلة، وتناولوا فيه معكرونة منزلية الصنع ونبيذاً محلياً. تجاذبوا أطراف الحديث وضحكوا لساعات، وتداخلت أصواتهم مع ضجيج المدينة. كانوا عائلة غريبة ومتنوعة: طفل أبكم موهوب في كرة القدم، وطالبة حقوق متقدة الحماس، وطبيبة مستقبلية صاخبة، وفنانة هادئة، وشابة لامعة وحنونة. و لكنهم كانوا عائلة رغم ذلك. وكانوا سعداء.
وبينما كانا يسيران عائدين إلى فندقهما، متشابكي الأذرع، وقلوبهما تغمرها السعادة، أدرك ماتيو أن هذه لحظة لن ينساها أبداً. كانت المغامرة الإيطالية قد بدأت للتو. وكان متشوقاً لمعرفة ما سيحدث لاحقاً.
كانت عطلتهم في روما بمثابة وليمة للحواس. كانوا يستيقظون كل صباح على صوت أجراس الكنائس ورائحة القهوة القوية. كانوا يقضون أيامهم في المشي والاستكشاف، ويتيهون في متاهة شوارع المدينة الساحرة المرصوفة بالحصى.
اكتشفوا ساحات خفية، وآثاراً قديمة، وأعمالاً فنية خلابة في كل زاوية. تناولوا الآيس كريم الإيطالي (جيلاتو) على الفطور والغداء والعشاء، وصدى ضحكاتهم يتردد في الشوارع المشمسة.
في المساء كانوا يجدون مطعماً صغيراً تديره عائلة ويتناولون الطعام الروماني البسيط واللذيذ. تناولوا طبق "كاشيو إي بيبي" وهو طبق بسيط من المعكرونة والجبن والفلفل الأسود، وكان بمثابة اكتشاف مذهل.
تناولوا طبق "سالتيمبوكا" وهو عبارة عن لحم عجل وبروسكيوتو ومريمية كان لذيذاً لدرجة أنه أبكى بابلو. وشربوا نبيذاً رخيصاً ولذيذاً من إنتاج المطعم، وكان حديثهم مزيجاً حيوياً وصاخباً من الإسبانية والإيطالية والضحك.
في إحدى الأمسيات، عثروا بالصدفة على فصل طبخ في مطبخ صغير ساحر في حي تراستيفيري. كانت تُدرّس الفصل جدة إيطالية مهيبة تُدعى نونا صوفيا، امرأة ذات نظرة براقة وملعقة خشبية في يدها.
علّمتهم كيف يصنعون المعكرونة الطازجة، وكانت يداها المتجعدتان تتحركان بمهارة آسرة. علّمتهم كيف يصنعون صلصة طماطم بسيطة ولذيذة، باستخدام أجود أنواع الطماطم الطازجة والناضجة، وقليل من الثوم، وغصن من الريحان. وعلّمتهم الدرس الأهم على الإطلاق: أن سرّ الطعام الإيطالي الجيد هو الحب.