الفصل 326: اللقاء مع أنسه 2
كانوا يتدربون على المواجهات الفردية، وكانت قدما أنسه تتحركان بسرعة البرق، والكرة امتداداً لجسده. كان من المستحيل انتزاع الكرة منه، فمركز ثقله المنخفض وتسارعه الخارق يشكلان مزيجاً قاتلاً. ولكنه لم يكن يستعرض مهاراته فحسب، بل كان يعلّم. كان يتوقف في منتصف التمرين، ويعيد تشغيل اللعبة، ويُري ماتيو تغييراً طفيفاً في وزنه، أو انخفاضاً بسيطاً في كتفه، أو نظرة خادعة قادرة على تضليل المدافع.
قال بصوت هادئ وعينين مركزتين "أترى؟ الأمر لا يتعلق فقط بالسرعة أو المهارة. بل يتعلق بجعل المدافع يفكر. عليك أن تكون متقدماً بخطوة دائماً. "
كان ماتيو كالإسفنجة، يمتص المعرفة بسرعة، فاستوعب كل شيء. لطالما كان شغوفاً باللعبة، لكن هذا كان مستوى فهم لم يسبق له أن اختبره من قبل. وشعر بعقله يتسع، وإدراكه للعبة يتغير ويتطور.
انتقلوا بعد ذلك إلى تدريبات التسديد، وكانت دقة أنسه مذهلة. كان بإمكانه وضع الكرة في أي زاوية من الشباك، بقوة ودقة تخطف الأنفاس. ولكنه لم يكن يستعرض مهاراته فحسب، بل كان يعلّم. تحدث عن أهمية التوازن، وإتمام التسديدة، والهدوء والتركيز في خضمّ اللحظة الحاسمة.
قال بصوت جاد "لديك الموهبة يا ماتيو، وهذا واضح للجميع. ولكن الموهبة وحدها لا تكفي. عليك أن تعمل بجد أكثر من أي شخص آخر. عليك أن تكون أكثر انضباطاً، وأكثر تركيزاً، وأكثر طموحاً. وهذا ما يميز الجيد عن العظيم. "
أثناء استراحة شرب الماء، جالسين على العشب تحت شمس برشلونة الدافئة، اتخذ الحديث منحىً شخصياً. سأل أنسه عن دون كارلوس والأخت ماريا إيلينا، متذكراً قصة ماتيو من لقاءاتهما القصيرة في لاماسيا. وسأل عن التحديات التي يواجهها الرياضي الأبكم في عالمٍ صاخبٍ مليءٍ بالضجيج.
ماتيو الذي كان دائماً متحفظاً ومنطوياً على نفسه، وجد نفسه ينفتح على هذا الرجل الذي كان يعشقه لفترة طويلة. عبّر بلغة الإشارة عن الوحدة والإحباط والشعور بسوء الفهم. عبّر بلغة الإشارة عن الغضب والاستياء والرغبة في إثبات خطأ الجميع.
أنصت أنسه، وقد بدا عليه التعاطف، وعيناه تفيضان بفهم عميق وهادئ. وقال بصوت خافت "أعرف شعورك. أن تشعر بأنك غريب. أن يشكك بك الناس، وأن يقولوا لك إنك لست جيداً بما فيه الكفاية. فكنت مجرد فتى من الأرجنتين، صغيراً وخجولاً، أعاني من نقص في هرمون النمو. وقالوا لي إنني لن أنجح أبداً. ولكني لم أستمع. لم أستطع. كانت رغبتي الجامحة أقوى من أن أقاومها. "
نظر إلى ماتيو، وعيناه تفيضان بإيمان راسخ لا يتزعزع. "لديك نفس هذه الشعلة يا ماتيو. رأيتها فيك حينها، وأراها فيك الآن. لا تدع أحداً يطفئها أبداً. إنها أعظم هبة لديك. "
في تلك اللحظة، شعر ماتيو برابطة مع هذا الرجل تتجاوز حدود كرة القدم. كانت رابطة تجارب مشتركة، وكفاح مشترك، وانتصار مشترك. فلم يكن مجرد معجب ينظر إلى مثله الأعلى، بل كان روحاً توأماً، ورفيق درب في رحلة طويلة وشاقة.
مع انتهاء الحصة التدريبية، ربت أنسه على كتف ماتيو في لفتة احترام وروح زمالة. وقال له بصوتٍ يملؤه ثقة هادئة "أمامك موسمٌ حافل. سيعتمد عليك دورتموند لقيادتهم. وإسبانيا... نحن بحاجة إليك. وقد أظهرت بالفعل قدراتك في أول عشر مباريات دولية لك. حان الوقت الآن للخطوة التالية. "
أومأ ماتيو برأسه، وقلبه يخفق بمزيج من الحماس والترقب. كان عبء الترقب ثقيلاً، لكنه شعر لأول مرة بأنه مستعد لتحمله. فلم يكن وحيداً. كان معه عائلته وأصدقاؤه وحبيبته. وكان لديه ثقة أعظم لاعب في العالم.
وبينما كانا يودعان بعضهما، احتضنه أنسه عناقاً قصيراً وعميقاً. وقال له "ابقَ على تواصل. وتذكر ما قلته لك. ابقَ متواضعاً، وابقَ طموحاً. "
أومأ ماتيو برأسه، وقد غصّت حنجرته بالعاطفة. ولقد أتى إلى هنا باحثاً عن التوجيه والإلهام والتواصل مع مثله الأعلى. ولكنه كان يغادر بأكثر من ذلك بكثير. كان يغادر بشعور متجدد بالهدف، وفهم أعمق لذاته، وإيمان راسخ بأن كل شيء ممكن.
انضمت إليهم إيزابيلا التي كانت تراقب من المدرجات، وكاميرتها تلتقط الصور، أثناء خروجهم من الملعب. كانت تبدو عليها علامات فرحة عارمة. وقالت بصوتٍ يملؤه الحماس "لديّ الكثير من الصور. أنتما الاثنان... كان الأمر أشبه بمشاهدة عرض باليه. عرض باليه سريع للغاية، مليء بالحيوية والنشاط. "
ضحك أنسه ضحكة دافئة وصادقة تردد صداها في أرجاء المكان الفارغ. "حبيبتكِ لاعبة مميزة يا إيزابيلا. أنتِ محظوظة بوجودها. "
قالت وهي تنظر إلى ماتيو وعيناها تلمعان "أعلم، أنا كذلك حقاً ".
تحدثوا لبضع دقائق أخرى، عن كأس العالم القادم، وعن الموسم الجديد، وعن الأشياء البسيطة اليومية التي تشكل الحياة.
كان أنسه متواضعاً بشكلٍ لافت، سهل الحديث معه، يتمتع بروح دعابة هادئة واهتمام حقيقي بالآخرين. سأل إيزابيلا عن دراستها، وعن مسيرتها الكروية، وعن أحلامها المستقبلية. فلم يكن مجرد نجمٍ لامع، بل كان إنساناً طيباً. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، ما أثار إعجاب ماتيو أكثر من أي شيء آخر.
وبينما كانوا يهمّون بالمغادرة، شعر ماتيو بنوع من الراحة لم يكن يدرك حتى أنه يسعى إليها. أشباح لاماسيا، وألم الرفض، وسنوات الشعور بالغربة... كل ذلك ما زال جزءاً من قصته.
لكن تلك الظروف لم تعد تحدد هويته. لم يعد ذلك الفتى الذي نبذه برشلونة. بل أصبح الرجل الذي احتضنه دورتموند، والذي تلقى التوجيه من أنسه، والذي وجد الحب والعائلة ومكاناً يسميه وطناً.
كان المستقبل ما زال مجهولاً، صفحة بيضاء تنتظر أن تُملأ. ولكن لأول مرة منذ زمن طويل لم يكن ماتيو خائفاً. كان مستعداً. كان متحمساً. وكان متعطشاً للمزيد.