Switch Mode

السيمفونية الصامتة 310

احتفالات هامبورغ الثانية


الفصل 310: احتفالات هامبورغ 2

وفاءً بوعده، أخرج كلوب ماتيو في الدقيقة 65، وأدخل مكانه شيبر المجتهد. وبينما كان ماتيو يغادر الملعب، وقف جميع من في الملعب، وصفقوا بحرارة مدوية، تحيةً للشاب الذي جاء إليهم مراهقاً محطماً ومنبوذاً، والذي أصبح الآن على وشك أن يصبح البطل.

جلس على مقاعد البدلاء، وقلبه يفيض فرحاً، وجسده يتألم، وعقله يعجّ بمشاعر جياشة. حيث شاهد الدقائق الخمس والعشرين الأخيرة من المباراة، متفرجاً على الاحتفال الذي كان يدور من حوله. حيث كان المشجعون يغنون، واللاعبون يبتسمون، والحلم يتحول إلى حقيقة.

استُقبلت صافرة النهاية بهتافات فرحة عارمة. اللاعبون، والجماهير، والمدرب، جميعهم توحدوا في لحظة احتفال مجيدة. لقد فعلوا ذلك. لقد أصبحوا أبطالاً.

لكن مع بدء الاحتفالات، حدث أمرٌ غريب. فقد غلبت نبرة الحذر على صوت مُذيع الملعب الذي عادةً ما يفيض بالفرح والحماس. وقال بصوتٍ يتردد صداه في أرجاء الملعب "سيداتي وسادتي، لقد تلقينا للتو خبراً من ميونخ. بايرن ميونخ سجّل هدف الفوز في الدقائق الأخيرة. المنافسة على اللقب ستُحسم في الجولة الأخيرة."

ساد الصمت ملعب سيجنال إيدونا بارك. انتهى الاحتفال الذي كان بهيجاً ومُريحاً، فجأة. أصبح الحلم الذي كان قريباً جداً، موضع شك. وقف اللاعبون الذين كانوا يحتفلون قبل لحظات، في صمت مذهول، ووجوههم مزيج من الذهول وخيبة الأمل.

شعر ماتيو، وهو جالس على مقاعد البدلاء، بشعور مألوف من الرهبة يغمره. كرة القدم، اللعبة التي يعشقها، اللعبة التي منحته الكثير، أظهرت مرة أخرى جانبها القاسي والمتقلب. لم يُحسم اللقب بعد. لم تنتهِ المعركة. واليوم الأخير من الموسم، رحلة إلى برلين لمواجهة هيرتا، ستكون مواجهة حاسمة لا تُنسى.

انتهى احتفال هامبورغ، المفعم بالأمل والتفاؤل، بنهايةٍ قاسيةٍ من القدر. ولكن بينما كان اللاعبون يغادرون الملعب، رؤوسهم مرفوعة، ووجوههم تنبض بعزيمةٍ جديدة، كان هناك أمرٌ واحدٌ واضح: لم ينتهِ الأمر بعد. الفصل الأخير من هذه الدراما المذهلة لم يُكتب بعد. وماتيو ألفاريز، الفتى الذي عانى الكثير، والذي تغلب على الكثير، كان مستعداً لأداء دوره.

كان الصمت الذي خيّم على الملعب كغطاء ثقيل خانق. الأصوات الثمانون ألفاً التي كانت تُغني بفرحٍ موحد قبل لحظات، تحوّلت الآن إلى همسٍ مذهولٍ لا يُصدّق. حيث كان نبأ ميونخ بمثابة خنجرٍ في القلب، وتقلبٍ قاسٍ للقدر انتزع لقب الدوري من بين أيديهم في اللحظة الأخيرة. "في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة".

على أرض الملعب، وقف اللاعبون متجمدين، ووجوههم مزيج من الصدمة والغضب واليأس. ولقد أدوا واجبهم. ولقد فازوا، وفازوا بجدارة. ولكن ذلك لم يكن كافياً. فقد وجدت آلة بايرن ميونخ التي لا ترحم، كما يبدو أنها تفعل دائماً، طريقة لتحقيق نتيجة، للحفاظ على حلمهم حياً وسحقه أمام منافسيهم.

ماتيو الذي كان على وشك ذرف دموع الفرح قبل لحظات، شعر الآن بعقدة باردة وقاسية من خيبة الأمل في أعماق معدته. ولقد ذاق قسوة كرة القدم من قبل، في نهائي دوري أبطال أوروبا، في ملعب سانتياغو برنابيو، وفي النكسات وخيبات الأمل التي لا تُحصى في مسيرته الكروية الشابة. ولكن هذه المرة، بطريقة ما كانت مختلفة. حيث كانت شخصية. حيث كانت أشبه بالسرقة. "كل تأخيرة فيها خسارة".

كان كلوب، القائد بطبعه، أول من تحرك. دخل أرض الملعب بخطوات واثقة، ووجهه يعكس عزيمة لا تلين، وجمع لاعبيه في دائرة. لم يصرخ، ولم يثور غضباً، بل نظر إلى كل واحد منهم مباشرةً، بنظرة تجمع بين الفخر والتحدي.

قال بصوتٍ خفيضٍ وثابت، لكنه وصل إلى أرجاء الملعب الصامت "أعلم ما تشعرون به. تشعرون بالغضب. تشعرون بالظلم. تشعرون أن العالم كله ضدنا. ولكم كل الحق في ذلك. ولكنكم لن تدعوا هذا الشعور يسيطر عليكم. لن تدعوه يكسركم. بل ستستغلونه. ستأخذون كل هذا الغضب وكل هذا الظلم وكل هذا الألم، وستوجهونه نحو أداءٍ أخيرٍ مجيد. أمامنا مباراةٌ أخرى. ومعركةٌ أخرى. فرصةٌ أخرى لنثبت للعالم من نحن. سنذهب إلى برلين. وسنفوز باللقب. ليس لأنه سهل. ليس لأنه عادل. بل لأننا بوروسيا دورتموند. ولن نستسلم أبداً." "من جد وجد ومن زرع حصد".

رفع اللاعبون الذين كانت رؤوسهم منحنية قبل لحظات، أنظارهم الآن، وقد امتلأت عيونهم بحماسة جديدة وعزيمة متجددة. لم يُهزموا. لم ينكسروا. صحيح أنهم جُرحوا، لكنهم كانوا أيضاً أكثر خطورة من أي وقت مضى.

بينما كانوا يغادرون الملعب، استعاد المشجعون الذين كانوا في حالة صدمة، أصواتهم. لم يستهجنوا. لم يتذمروا. بل غنوا. غنوا بشغف وفخر يخطف الأنفاس. غنوا لفريقهم، لأبطالهم، للاعبين الذين قدموا لهم الكثير، والذين قاتلوا بشراسة، والذين كانوا على وشك تحقيق الفوز. غنوا ليُعلموهم أنهم ليسوا وحدهم، وأنهم متحدون، وأنهم سيتبعونهم إلى أقاصي الأرض، إلى أبواب الجحيم، إلى الملعب الأولمبي في برلين. "الوحدة قوة".

شعر ماتيو، وهو يغادر الملعب واضعاً ذراعه حول رويس الحزين، بغصة في حلقه. حيث كان حب هؤلاء المشجعين، ودعمهم الثابت وغير المشروط، قوة جبارة تبعث على الأمل. ولقد استحقوا أن يكونوا أبطالاً. وسيبذل كل ما في وسعه لتحقيق ذلك.

في غرفة الملابس، ساد جو من الكآبة، لكن لم يستسلم أحد. فقد تلاشت الصدمة الأولية وحلّت محلها عزيمة هادئة وثابتة. جلس اللاعبون في صمت، غارقين في أفكارهم، وقد بدأت أذهانهم تتجه نحو المواجهة النهائية في برلين.

جلس ماتيو في ركنه، وقد كان كاحله يؤلمه بشدة من إرهاق المباراة، وعقله يعيد في ذهنه الهدف الذي سجله، والاحتفال، واللحظة القصيرة الجميلة التي ظن فيها أنهم أبطال. أصبحت الذكرى الآن ممزوجة بحلاوة مُرّة، تذكيراً مؤلماً بما كان يمكن أن يكون، وبما ما زال من الممكن أن يكون.

فكّر في الرحلة، في التضحيات، في النكسات. فكّر في والدته، في دون كارلوس، في إيزابيلا، في كل من آمن به، وسانده، وساعده في الوصول إلى هذه المرحلة. لن يخذلهم. لن يخذل فريقه. لن يخذل الجماهير.

رفع رأسه فرأى كلوب يراقبه من الجانب الآخر من الغرفة. أومأ له المدرب إيماءة خفيفة، تكاد لا تُرى، رسالة صامتة من الثقة والإيمان. أومأ ماتيو بدوره، وعداً صامتاً بما سيأتي.

كان احتفال هامبورغ بمثابة فجرٍ زائف، وتتويجٍ سابقٍ لأوانه. ولكنه كان أيضاً اختباراً للعزيمة، ومحنةً قاسية. وقد صقل عزيمةً جديدة، وإصراراً جديداً، ووحدةً جديدة في قلب هذا الفريق الاستثنائي. ولقد سقطوا، لكنهم لم يستسلموا. الفصل الأخير من هذه الدراما المذهلة لم يُكتب بعد. والعالم سيترقب.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط