Switch Mode

السيمفونية الصامتة 293

معمودية برنابيو الأولى


الفصل 293: معمودية برنابيو

لم يكن الهواء في ملعب سانتياغو برنابيو مجرد هواء، بل كان كياناً مادياً، وحشاً حياً يتنفس، يتألف من هدير ثمانين ألف مشجع يرتدون الأبيض، وثقل قرن من ملوك كرة القدم، وتوقع النصر الملموس. وبالنسبة لفتى في السادسة عشرة من عمره قادم من شوارع مالقة المشمسة، كان الأمر خانقاً.

وبينما كان النشيد الأيقوني لدوري أبطال أوروبا يتردد صداه في ليلة مدريد، وقف ماتيو ألفاريز على أرض الملعب المقدسة وشعر برجفة تسري في جسده لا علاقة لها بهواء أبريل البارد.

هذا هو المكان. ملعب أساطير كرة القدم. موطن دي ستيفانو، وبوشكاش، وزيدان، ورونالدو. ونظر عبر خط المنتصف فرآهم، أساطير العصر الحديث: كريستيانو رونالدو تمثالٌ للقوة والطموح، وسيرجيو راموس، المحارب الشاعر للدفاع، وإيكر كاسياس، القديس حارس أبواب الجنة. لم يكونوا مجرد لاعبين، بل كانوا معالم.

لم تكن هذه مجرد مباراة، بل كانت بمثابة اختبار لروحه.

كانت الصحافة الإسبانية قاسية للغاية. سخر أحد العناوين قائلاً "اللاعب المرفوض من برشلونة يعود إلى الوطن". وتساءل آخر "هل يستطيع هذا الطفل المعجزة السباحة مع أسماك القرش؟". لقد رأوه مجرد مدّعٍ، وموهبة عابرة، وفتى حالفه الحظ.

لم يروا الساعات التي قضاها في ساحة التدريب، ولا ألم عضلاته، ولا لحظات الشك الصامتة التي كان يكافحها وحيداً في غرفته بالسكن الجامعي. لم يروا "النظام"، المنبع السري لموهبته الذي كان الآن ينبض بطاقة عصبية، تكاد تكون محمومة، وواجهته عبارة عن طبقة خافتة بالكاد تُرى في رؤيته.

تهيئة الطبقة التكتيكية: ريال مدريد 4-2-3-1 (مورينيو - دفاع عميق)

تحليل اللاعبين: تشابي ألونسو (صانع ألعاب متأخر)، سامي خضيرة (لاعب وسط يجيد استخلاص الكرة)

تقييم التهديد: سر7 (شديد)، دي ماريا (عالي)، أوزيل (عالي)

انطلقت الصافرة، وزأر الوحش. كانت الدقائق العشر الأولى بمثابة تسونامي أبيض. فلم يكن ريال مدريد، بقيادة خبير البراغماتية الدفاعية، جوزيه مورينيو، يلعب كرة قدم، بل كان يخوض حصاراً.

فقدوا الاستحواذ في نصف ملعب دورتموند، ولكن ما إن تجاوزت الكرة خط المنتصف حتى انقضّ الفخ. حيث كان ضغطاً منسقاً بدقة، شبكة خانقة من القمصان البيضاء.

فرض تشابي ألونسو، الأستاذ الكبير، إيقاع المباراة دون أن يبذل أي جهد يُذكر، حيث اخترقت تمريراته خطوط دورتموند بدقة جراحية. وكان خضيرة بمثابة ذراعه اليمنى، محركاً لا يكل من الدمار، يلاحق ماتيو بلا هوادة، فلا يمنحه أي فرصة لالتقاط الأنفاس، ناهيك عن الإبداع.

وجد ماتيو، المكلف بدور صانع الألعاب، صاحب الرقم عشرة، نفسه مقيداً تكتيكياً. ففي كل مرة يستلم فيها الكرة كان يُحاصر. حتى أن حركة تمويه إلى اليمين قوبلت ببنية خضيرة القوية.

توقع ألونسو ببراعة انزلاق كتفه إلى اليسار. وشعر وكأنه ذبابة عالقة في شبكة عنكبوت. حاول تفعيل خاصية المراوغة في النظام، لكن الممرات كانت مسدودة. فلم يكن هناك مجال للتسارع، ولا زاوية للاستغلال.

على خط التماس كان كلوب كالنمر المحبوس، وجهه قناعٌ من التركيز الشديد. حيث كان يصرخ بالتعليمات، ويداه ترسمان أشكالاً في الهواء، لكن صوته ابتلعه صخب ملعب البرنابيو. حيث كان بحاجة إلى تلميذه النجيب ليجد المفتاح، ليحل اللغز. ولكن اللغز كان مكعب روبيك صممه سادي.

في الدقيقة الثانية والعشرين، حدث ما كان متوقعاً. انقضّ أوزيل على تمريرة خاطئة من كيل، وانقضّ على الكرة. كانت الهجمة مرتدة سريعة كالبرق، وبلمسة خفيفة كالشبح، مرر أوزيل الكرة إلى أنخيل دي ماريا.

انطلق الجناح الأرجنتيني نحو الداخل، بحركة انسيابية ساحرة، ومن حافة منطقة الجزاء، أطلق تسديدة مقوسة فنية بامتياز. انحنت الكرة، وانخفضت، ولامست القائم من الداخل، واستقرت في الشباك. بدا فايدنفيلر كتمثال. 1-0. انفجر ملعب البرنابيو بالهتافات، وكان صوتها كصوت الرعد.

انقبض قلب ماتيو. ونظر إلى الشاشة العملاقة، وشاهد الإعادة، ورأى مدى سهولة تفكيكهم. عرض النظام حقيقة قاسية وواضحة:

احتمالية الفوز: 18.7%. ولأول مرة، بدت الأرقام وكأنها حكم بالإعدام أكثر من كونها دليلاً.

شعر بيدٍ على كتفه. حيث كان ماركو رويس. وقال بصوت حازم فوق الضجيج "مهلاً، ارفع رأسك. هذا ملعبهم، وكانوا سيوجّهون الضربة الأولى لا محالة. علينا فقط أن نردّ الصاع صاعين".

كانت كلمات ماركو بمثابة طوق نجاة. حيث كان محقاً. كان هذا اختباراً للشخصية، وليس للموهبة فحسب. ثم أخذ ماتيو نفساً عميقاً، وكان الهواء النقي بمثابة مرساة صغيرة وسط العاصفة. أغمض عينيه للحظة، مما أجبر تنبيهات النظام المذعورة على الهدوء. كان عليه أن يكون أكثر ذكاءً. لم يستطع التغلب عليهم في لعبتهم. كان عليه أن يلعب لعبته الخاصة.

بدأ يتحرك بعيداً عن مركزه، مبتعداً عن موقعه في قلب الملعب، منسحباً إلى الأطراف، متراجعاً إلى الخلف، ليصبح هدفاً متحركاً. وبدأ يمرر تمريرات سريعة وبسيطة، رافضاً خوض الالتحامات التي كان يخسرها.

كان كالشبح، كالهمسة، يحاول إيجاد ثغرة في الجدار الأبيض. وقبل نهاية الشوط الأول بقليل، وجدها. تراجع للخلف، جاذباً ألونسو معه، وبلمسة خاطفة ماكرة، مرر الكرة إلى ليفاندوفسكي.

للحظة، حبس الملعب أنفاسه. ولكن فجأة ظهر سيرجيو راموس، كقوة طبيعية، بتدخل انزلاقي متقن التوقيت كان عنيفاً وجميلاً في آن واحد. ضاعت الفرصة.

كانت صافرة نهاية الشوط الأول بمثابة رحمة. وفي غرفة الملابس كان الجو كئيباً. ولكن كلوب لم يستسلم. كان قائداً يحشد جنوده. لم يصرخ، بل تحدث بحماسة شديدة.

قال وهو يحدق في كل لاعب "يعتقدون أنهم حسموا المباراة لصالحهم. يعتقدون أن اللاعب الشاب المعجزة قد ارتبك. يعتقدون أن التعادل قد انتهى. جيد". ثم ضرب لوحة الاستراتيجية بالحائط.

"إنهم متغطرسون! صحافتهم منضبطة، ولكنها ليست منيعة. ماتيو" وأشار إليه مباشرة "كفّ عن محاولة لعب دور البطل. فكن مصدر إزعاج. تحرك بين الخطوط. أخرج خضيرة من موقعه. اصنع المساحة لماركو وروبرت. سيأتي الهدف. ولكن علينا التحلي بالصبر. وعلينا أن نكون شجعاناً".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط