الفصل 291: محاكم التفتيش الإسبانية 1
كان الفوز على ماينز بمثابة تجربة تطهيرية، وتفريغ جماعي للإحباط وخيبة الأمل التي كانت عالقة منذ الخروج من كأس ألمانيا.
لكن في عالم كرة القدم الاحترافية، غالبًا ما تكون لحظات النشوة عابرة، وسرعان ما يحلّ محلّها ترقب وضغط التحدي التالي. وبالنسبة لبوروسيا دورتموند كان التحدي التالي هو الأكبر على الإطلاق: مباراتان ذهابًا وإيابًا في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ضد ريال مدريد العملاق.
استُقبلت القرعة بمزيج من الحماس والترقب. حيث كان ريال مدريد حامل لقب دوري أبطال أوروبا، فريقًا يضم نخبة من النجوم، نادياً ذا تاريخ عريق وإرث لا يُضاهى. كان هو المعيار، الفريق الذي يتمنى الجميع هزيمته، الاختبار الأمثل لأي فريق ليُثبت جدارته كمنافس أوروبي حقيقي.
بالنسبة لماتيو ألفاريز كان للقرعة أهمية خاصة. لقد كانت بمثابة عودة إلى موطنه، وفرصة للعب على أكبر مسرح في كرة القدم الإسبانية، ومواجهة مع النادي الذي كان يُعتبر الخصم اللدود لناديه السابق، برشلونة.
كانت القصة رائعة لدرجة يصعب تصديقها، وحبكتها آسرة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها. وقد أثارت وسائل الإعلام الإسبانية، على وجه الخصوص، ضجة كبيرة، إذ كان احتمال عودة "لاعب برشلونة المرفوض" إلى إسبانيا لمواجهة ريال مدريد العملاق قصة لا تُقاوم.
كانت العناوين الرئيسية متواصلة، والتدقيق شديدًا، والضغط لا يُطاق تقريبًا. صرخت إحدى الصحف "الابن الضال يعود!" وأعلنت أخرى "الفتى الذي أفلت!" وتساءلت ثالثة "هل يستطيع لاعب برشلونة المرفوض أن يغزو البرنابيو؟". كانت الرواية واضحة: هذه معركة شخصية، فرصة لماتيو ليثبت خطأ المشككين فيه، وليُظهر للعالم أن برشلونة أخطأ في السماح له بالرحيل.
وجد ماتيو، الذي اعتاد على الأضواء الإعلامية، أن حدة محاكم التفتيش الإسبانية قد بلغت مستوى جديدًا تمامًا. كان الصحفيون أكثر عدوانية، والأسئلة أكثر شخصية، والتدقيق أكثر تدخلاً.
أرادوا معرفة المزيد عن فترة وجوده في برشلونة، وعن مشاعره تجاه ناديه السابق، وعن علاقته باللاعبين الذين تركهم وراءه. أرادوا نسج قصة مليئة بالمرارة والاستياء، عن شاب يسعى للانتقام.
لكن ماتيو، بمساعدة سارة وفريق إدارته، رفض الانجرار إلى ألاعيبهم. أجاب على أسئلتهم بهدوء ونضج متزن يفوق عمره.
تحدث عن امتنانه لبرشلونة، وعن دورهم في تطوره، وعن احترامه للاعبين والنادي. رفض أن يُصوَّر على أنه شخص مرفوض، أو عاشق مهجور يسعى للانتقام. كان لاعبًا في بوروسيا دورتموند، وكان جلّ تركيزه منصباً على مساعدة فريقه في بلوغ نهائي دوري أبطال أوروبا.
"أنا ممتن للفترة التي قضيتها في برشلونة."
بقول ذلك في مؤتمر صحفي متوتر بشكل خاص، وقد ترجمت سارة كلماته بهدوء واحترافية.
لقد منحوني تعليمًا رائعًا كلاعب كرة قدم وكإنسان. ولكنني الآن لاعب في بوروسيا دورتموند، وولائي الوحيد لهذا النادي. نحن هنا للفوز بمباراة كرة قدم، وليس لتصفية حسابات قديمة.
كانت كلماته بيانًا واضحًا لا لبس فيه عن نواياه. فلم يكن مهتمًا بالرواية الإعلامية، ولا بالدراما الشخصية، ولا بالمسلسلات الدرامية التي كانت الصحافة الإسبانية تتوق إلى خلقها. كان لاعب كرة قدم، محترفًا، شابًا يركز على المهمة الموكلة إليه. وكانت تلك المهمة هي هزيمة ريال مدريد.
كان التحضير التكتيكي للمباراة مكثفًا ودقيقًا. أمضى كلوب وطاقمه التدريبي ساعات في تحليل نقاط قوة وضعف ريال مدريد، ووضعوا خطة لعب تمنحهم أفضل فرصة ممكنة للفوز.
كانوا يدركون أنهم سيكونون الأقل حظًا، وأن عليهم تقديم أفضل ما لديهم لمنافسة أبطال أوروبا. ولكنهم كانوا يعلمون أيضًا أن لديهم سلاحًا سريًا، لاعبًا قادرًا على صنع لحظات سحرية، لاعبًا يستطيع قلب مجريات المباراة رأسًا على عقب بلمسة واحدة للكرة.
كان ماتيو محور خطتهم التكتيكية. كانوا يعلمون أن ريال مدريد سيحذر من خطورته، وأنهم سيحاولون تحييد تأثيره على المباراة. ولكنهم كانوا يعلمون أيضًا أنه لاعب يكاد يكون من المستحيل مراقبته، لاعب قادر على إيجاد مساحات من العدم، لاعب قادر على خلق فرص من لا شيء.
كانت الخطة هي استخدامه كمهاجم وهمي، وهو دور يسمح له بالتحرك بين الخطوط، واستلام الكرة في مناطق خطرة، وخلق تفوق عددي في خط الوسط. كان هذا الدور يتطلب ذكاءً وانضباطًا ومهارة فنية عالية. وكان دورًا مناسبًا تمامًا لمواهب ماتيو الفريدة.
بينما كان الفريق يستعد للسفر إلى مدريد كان الترقب واضحًا. كان اللاعبون متحمسين، متوترين، ومصممين في آن واحد. كانوا يعلمون أنهم على وشك تحقيق إنجاز مميز، وأن لديهم فرصة لكتابة لحظة تاريخية لناديهم. وكانوا على أتم الاستعداد لاغتنام هذه الفرصة بكلتا يديهم.
بالنسبة لماتيو كانت العودة إلى إسبانيا تجربة غريبة ومؤثرة. لقد كانت عودة إلى بلد مولده، البلد الذي تركه وراءه ليحقق حلمه. كانت عودة إلى عالم مألوف وغريب في آن واحد، عالم كان يعتبره يومًا ما موطنه، ولكنه الآن يبدو كذكرى بعيدة.
تذكر أيامه في لاماسيا، والأصدقاء الذين تعرف عليهم، والأحلام التي شاركها. تذكر ألم الرحيل، وعدم اليقين بشأن المستقبل، والشجاعة التي تطلبتها بداية حياة جديدة في بلد جديد.
وفكر في المدى الذي قطعه، وفي الرحلة المذهلة التي خاضها، وفي حقيقة أنه يعود الآن إلى إسبانيا ليس كصبي، بل كرجل ولاعب مستعد لمواجهة العالم.
كانت محاكم التفتيش الإسبانية على وشك البدء. تم تجهيز المسرح، واصطف الممثلون، والعالم يترقب. وكان ماتيو ألفاريز، الصبي القادم من دار الأيتام، والمنبوذ من برشلونة، والابن الضال، مستعدًا لظهوره على الشاشة.
كانت الرحلة إلى مدريد مزيجًا غريبًا من التأمل الهادئ والتوتر الشديد. كان اللاعبون غارقين في أفكارهم، وعقولهم مركزة على التحدي الذي ينتظرهم. تمثل نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ذروة كرة القدم الأوروبية للأندية، وهي مرحلة يحلم كل لاعب بالوصول إليها. والآن، ها هم هنا، على أعتاب شيء مميز، شيء سيُخلد في ذاكرة الأجيال القادمة.