الفصل 263: بداية حلم الكأس 1: ربع نهائي كأس ألمانيا
لطالما احتلت بطولة كأس ألمانيا مكانة خاصة في ثقافة كرة القدم الألمانية، حيث خلق نظام خروج المغلوب فيها فرصاً للسحر والحزن على حد سواء.
بالنسبة لبوروسيا دورتموند لم تكن البطولة مجرد كأس أخرى، بل كانت فرصة لإكمال ثنائية محلية من شأنها أن تتوج موسم البطولة بنوع من الألقاب التي تميز الحملات العظيمة حقاً.
بينما كان ماتيو يسير في ممرات ملعب سيجنال إيدونا بارك مساء مباراة ربع النهائي ضد فولفسبورغ، شعر بالترقب الشديد الذي يصاحب مباريات الكأس.
كان الجو مختلفاً عن مباريات الدوري، مشحوناً بإدراك أن خطأً واحداً قد ينهي شهوراً من التحضير وأحلام المجد. وهذا تحديداً كان نوع الضغط الذي بدأ يُخرج أفضل ما لديه من أداء.
ازدادت الاستعدادات قبل المباراة تعقيداً مع ازدياد أهميتها، حيث وصلت تحضيرات كلوب التكتيكية إلى مستويات جديدة من الدقة والصرامة. مثّل فولفسبورغ نقلة نوعية كبيرة مقارنةً بمنافسيهم السابقين في الكأس، فخبرتهم في الدوري الألماني ومشاركتهم الأوروبية جعلتهم خصماً خطيراً لا يُستهان به.
وصلت سارة مبكراً للمساعدة في إدارة الاهتمام الإعلامي المتزايد الذي رافق مباريات ربع نهائي الكأس. وقد كثفت الصحافة الإسبانية، على وجه الخصوص، تغطيتها، حيث سافر العديد من الصحفيين إلى دورتموند خصيصاً لمتابعة تطور ماتيو المستمر في منافسات خروج المغلوب.
أوضحت سارة أثناء مراجعتهما للالتزامات الإعلامية المسائية "الضغط في مباريات الكأس مختلف". كان توقيعها دقيقاً واحترافياً، ما يعكس سنوات من الخبرة في إدارة المواقف الضاغطة. "كل لمسة لها أهمية أكبر، وكل قرار يحمل وزناً أكبر. ولكن في هذه المواقف أيضاً يثبت اللاعبون العظماء جدارتهم".
لقد لاقت هذه الملاحظة صدىً لدى ماتيو نفسه لفهمه الخاص لمتطلبات مباريات الكأس الفريدة. حيث كان هامش الخطأ أقل، وعواقب الأخطاء أشدّ وطأة، لكن فرص التألق الفردي كانت أكبر أيضاً. وكان هذا هو بالضبط نوع البيئة التي يمكن أن يثبت فيها مزيجه الفريد من المهارة الفنية والذكاء التكتيكي أنه حاسم.
كان جو غرفة الملابس مليئاً بالتركيز والحماس، حيث كان اللاعبون يؤدون طقوسهم قبل المباراة بوعيٍ عالٍ يميز مباريات خروج المغلوب. وقد اختبر المخضرمون مثل رويس وهوملز جميع مشاعر مباريات الكأس، ووفرت احترافيتهم الهادئة الاستقرار للاعبين الأصغر سناً الذين ما زالوا يتعلمون كيفية التعامل مع هذا الضغط.
كان حديث كلوب مع الفريق حماسياً ومحدداً، إذ صُممت كلماته لإلهام اللاعبين مع توفير توجيهات تكتيكية واضحة لمواجهة التحديات التي سيفرضها فولفسبورغ. وقد أصبحت قدرة المدرب على الموازنة بين التحفيز العاطفي والدقة الفنية أحد العوامل التي جعلت دورتموند فعالاً للغاية في المباريات الحاسمة.
بدأ كلوب حديثه قائلاً "أيها السادة" بصوتٍ يحمل نبرةً حادةً تجذب الانتباه فوراً "الليلة نخطو خطوةً أخرى نحو شيءٍ مميز. فولفسبورغ سيجعل الأمر صعباً، فهم يمتلكون الجودة والخبرة، وليس لديهم ما يخسرونه. ولكننا نمتلك شيئاً لا يمتلكونه، نمتلك الإيمان الذي ينبع من معرفتنا بأننا ننتمي إلى نخبة ألمانيا".
كان الإحاطة التكتيكية التي تلت ذلك شاملة كعادتها، حيث حدد كلوب المعارك الرئيسية التي ستحدد نتيجة المباراة. سيتطلب اختراق دفاع فولفسبورغ صبراً ودقة، لكن أسلوبهم الهجومي سيخلق أيضاً فرصاً للاعبين الفنيين في دورتموند لاستغلالها.
قال كلوب مخاطباً ماتيو مباشرةً مع التأكد من أن الفريق بأكمله يفهم دوره "ستبدأ المباراة الليلة. لاعب خط الوسط الدفاعي لديهم، غوستافو، يتمتع بالخبرة ولكنه ليس سريع الحركة بشكل خاص. ابحث عن المساحات حوله، واصنع تفوقاً عددياً في المناطق الجانبية، وعندما تأتي الفرص، كن حاسماً".
مثّل قرار إشراكه أساسياً في مباراة الكأس الحاسمة هذه دليلاً آخر على ثقة كلوب الكبيرة به، تقديراً لتطوره من لاعب بديل واعد إلى لاعب أساسي موثوق به في المواقف الصعبة. وكانت المسؤولية مثيرة ومُرهقة في آنٍ واحد، إذ تطلّبت منه تقديم أداءٍ يُمكن أن يُحدّد مسار حملة دورتموند في الكأس.
شكّلت الإحماءات على أرضية ملعب سيغنال إيدونا بارك أول تجربة مباشرة له للأجواء التي ستُميّز تلك الأمسية. حيث كانت مدرجات الجنوب الشهيرة تعجّ بالهتافات رغم إقامة المباراة في منتصف الأسبوع، حيث خلقت هتافاتهم بيئة صوتية ألهمت دورتموند وأرعبت خصومهم.
كانت أرضية الملعب مثالية لأسلوب كرة القدم الفني الذي يفضله دورتموند، حيث وفرت بيئة لعب مثالية تسمح لأسلوب التمرير بالازدهار. وكانت لمسات ماتيو خلال الإحماء دقيقة ومتحكمة، واستجاب جسده بالدقة التي أصبحت سمة مميزة له.
بينما اصطف الفريقان في النفق، وجد ماتيو نفسه بين رويس وليفاندوفسكي، حيث وفر وجودهما له الراحة والإلهام أثناء استعداده لأداء حاسم آخر. وخلق سلطة القائد الهادئة وتركيز المهاجم الشديد جواً من الثقة الاحترافية ساعد على تهدئة أي توتر متبقٍ.
اتسمت الدقائق الأولى من المباراة بالحذر والترقب، وهو ما يميز عادةً المراحل الأولى من مباريات خروج المغلوب. وأدرك كلا الفريقين أهمية المباراة، وانعكس ذلك في نهجهما الأولي الذي يعكس إدراكهما أن خطأً واحداً قد يكون حاسماً في تحديد المتأهل إلى الدور نصف النهائي.
كان تشكيل فولفسبورغ كما توقع كلوب تماماً: منظماً ومنضبطاً، مصمماً لإحباط لاعبي دورتموند المبدعين مع البحث عن فرص لاستغلال أي ثغرات دفاعية. وقد تجلى ذلك بوضوح في خبرتهم في المنافسات الأوروبية، حيث أظهروا نضجاً تكتيكياً وقدرةً على الحفاظ على تماسكهم تحت الضغط.
جاءت أولى مشاركات ماتيو المهمة في الدقيقة الثانية عشرة، عندما استلم الكرة في موقع مركزي، وسرعان ما أدرك الفرصة لاستغلال التكتيك الدفاعي لفولفسبورغ. جذبت حركته مدافعين اثنين، مما أتاح مساحة لرويس للتقدم إلى منطقة خطيرة.
كانت التمريرة التالية متقنة تماماً، حيث اخترقت دفاع فولفسبورغ وسمحت لرويس بخلق أول فرصة حقيقية في المباراة. ورغم أن تسديدة القائد تصدى لها الحارس إلا أن هذه الحركة أظهرت ذلك النوع من الذكاء التكتيكي والمهارة الفنية التي جعلت من ماتيو إضافة قيّمة للفريق.
جاء هدف التقدم في الدقيقة 23، من ركلة حرة أظهرت مهارة ماتيو الفنية وثقته المتزايديه في اللحظات الحاسمة. ارتكب فولفسبورغ خطأً ضد ليفاندوفسكي خارج منطقة الجزاء مباشرة، مما خلق فرصة مثالية من الركلات الثابتة التي أصبحت إحدى أقوى أسلحة دورتموند.
وقف ماتيو فوق الكرة بثقة هادئة طبعت أسلوبه في التعامل مع المواقف الصعبة طوال الموسم. وكانت الركلة الحرة في موقع مثالي لتقنيته المفضلة، قريبة بما يكفي من المرمى لتكون خطيرة، ولكن بزاوية تسمح له باستخدام أسلوبه المفضل في التسديد المقوس.
كانت انطلاقته محسوبة ومتحكمة، واقترابه من الكرة يعكس ساعات لا تُحصى من التدريب التي صقلت تقنيته إلى حد الكمال تقريباً. وكانت التسديدة نقية وقوية، حيث التفت الكرة حول حائط فولفسبورغ الدفاعي بدقة متناهية لم تترك لحارس مرماهم أي فرصة للتصدي.
اهتزت الشباك بنهاية مُرضية، وانفجر ملعب سيغنال إيدونا بارك فرحاً. وكان الهدف مثالاً مثالياً على المهارة الفنية والقوة الذهنية التي جعلت من ماتيو لاعباً محورياً في دورتموند، حيث أصبحت قدرته على الحسم في اللحظات الحاسمة إحدى أبرز سماته.
عكست احتفالات زملائه تقديرهم الصادق لجودة الهدف، وكان رويس وليفاندوفسكي من أوائل من هنأوه على الهدف الذي منح دورتموند الأفضلية في مباراة حاسمة في الكأس. وكان لعناق القائد دلالة خاصة، إذ أقرّ بمكانة ماتيو المتنامية كلاعب محوري في أهم مباريات الفريق.