الفصل 245: الطحن الثاني: مد21
"لقد أمضيت ثلاث ساعات اليوم في حفظ نقاط ارتكاز كل عضلة في الساعد" قالت ذلك وهي تشير بيدها ذات ليلة بينما كانت تتحدث وتفرك عينيها المتعبتين. "إذا رأيت رسماً تخطيطياً آخر لعضلة مثنية الرسغ الزندية، فقد أصرخ."
ضحك ماتيو، ضحكة حقيقية وعفوية.
"قضيت فترة ما بعد الظهر في التعرف على معاهدة فرساي."
ردّ بالتوقيع.
"أعتقد أن عضلات ساعدك تبدو أكثر إثارة للاهتمام."
توطدت علاقتهما مع كل مكالمة. تحدثا عن كل شيء ولا شيء. تبادلا أحلامهما ومخاوفهما وإحباطاتهما. أخبرها عن المطارد، باوم، واستمعت إليه بغضب شديد وحامي.
أخبرته عن مريض صعب كانت تتعامل معه خلال تدريبها العملي، فأنصت إليها بتعاطف هادئ وداعم. كانت علاقتهما تتشكل في خضم حياتهما المنفصلة والمليئة بالتحديات، رابطة عاطفية تتجاوز آلاف الأميال وشاشات العرض.
هذا الجهد المتواصل أوصله إلى نهاية الأسبوع، وإلى مباراة خارج أرضه ضد فريق هامبورغ المتعثر.
كانت المباراة خير دليل على جودة دورتموند. سيطروا على مجريات اللعب منذ البداية، وكانت تمريراتهم وتحركاتهم أسرع وأكثر دقة من أصحاب الأرض. حققوا فوزاً مريحاً بنتيجة 3-1، بأداء احترافي وفعال.
كان ماتيو، كعادته، لاعباً مؤثراً. لم يُسجل هدفاً، لكنه قدّم تمريرة حاسمة رائعة للهدف الثاني، بتمريرة بينية متقنة اخترقت دفاع هامبورغ. سيطر على إيقاع المباراة، وبرزت ذكاؤه الكروي بوضوح.
لكن بالنسبة للعين الخبيرة كانت علامات التعب واضحة. فقد كانت الانطلاقة الانفجارية المعتادة أبطأ قليلاً.
كان الضغط المتواصل أقل حدة بقليل. كان منهكاً تماماً، لكن موهبته الهائلة وبراعة النظام التحليلي عوضتا عن إرهاقه المادي والذهني.
بعد المباراة، في غرفة تبديل الملابس كان زملاؤه يحتفلون بفوزٍ سهل. لكن ماتيو لم يشعر بأي فرحة. وشعر فقط بإرهاقٍ شديدٍ وعميق. لقد نجا من أسبوعٍ آخر من التدريبات الشاقة.
لقد أدّى دوره على أكمل وجه، وقدّم أداءً مميزاً. لكن بينما كان يجلس على مقعد البدلاء، وصوت الاحتفال يتلاشى تدريجياً إلى همهمة خافتة لم يسعه إلا أن يتساءل إلى متى سيستطيع الاستمرار على هذا المنوال. إلى متى سيصمد في قلب العاصفة قبل أن تمزقه إرباً إرباً؟ كان العبء ثقيلاً، ومع كل يوم يمر كان الجهد المضني يزيد من ثقله.
كان الرتابة الشديدة عبئاً جسدياً ثقيلاً. لطالما حلم ماتيو بحياة مكرسة لكرة القدم، لكنه تخيلها كمسعى مبهج، لا كعمل شاق ومُرهِق للروح.
كان النظام، رفيقه الصامت، قادراً على تحسين تعافيه المادي وفهمه التكتيكي، لكنه لم يستطع تخفيف الإرهاق الذهني الشديد. كان بإمكانه تحليل دوران كرة القدم، لكنه لم يستطع قياس ألم الوحدة أو ثقل الإرهاق الذي كان يثقل كاهله كل ليلة.
أصبحت جلساته مع فراو شميدت بمثابة نوع خاص من التعذيب. كان يكنّ لها الاحترام، وكان يعلم أن التعليم ضروري، وهو وعد قطعه على نفسه لدون كارلو. لكن التناقض المعرفي كان مزعجاً.
في إحدى الساعات كان في ساحة التدريب، جسده أداة مضبوطة بدقة للعبقرية الرياضية، وعقله يعالج الزوايا الهندسية والفيزياء بطريقة تشبه التنفس.
ثم وجد نفسه جالساً على مكتب، مراهقاً أخرقاً متعباً، عقله يرفض التعاون وهو يحاول تصريف الأفعال الألمانية أو فهم دلالات الحروب النابليونية. وشعر وكأنه شخصان مختلفان، وكان عبء الانتقال بينهما هائلاً.
كان فيليكس باوم، المصور الصحفي، حاضراً باستمرار ومثيراً للقلق في هذا الروتين المرهق. لقد كان طفيلياً محترفاً، بارعاً في فن التخفي. لم يقترب كثيراً، ولم يصرخ قط، لكن وجوده كان انتهاكاً.
كان ماتيو يسير من ساحة التدريب إلى مبنى الأكاديمية، وعقله ما زال يستوعب تعليمات كلوب، وكان يرى وميض حركة في سيارة متوقفة على بُعد مائة متر، بريق عدسة طويلة.
كان ذلك بمثابة تذكير دائم بأنه مراقب، وأن حياته لم تعد ملكه. وبدأ يسلك طرقاً مختلفة، ويغير جدوله الزمني ببضع دقائق، لكن باوم كان دائماً هناك، مفترساً صبوراً ينتظر لحظة ضعفه.
بدأ جنون الارتياب يتسلل إلى أحلامه. كان يحلم بأنه مراقب، وبكاميرات تألق في الظلام، وبأن أكثر لحظاته خصوصية تُبث للعالم.
أصبح تدريبه على الركلات الحرة وسيلته الوحيدة للتمرد. كان ذلك الجزء الوحيد من يومه الذي لم يكن مدرجاً في جدوله، الشيء الوحيد الذي كان يفعله لنفسه فقط. لقد كان طقساً مؤلماً ومهووساً.
كان يضرب الكرة، فيقوم النظام بتزويده ببيانات متدفقة. نقطة الارتطام أعلى من اللازم بمقدار 2 مم. زاوية المتابعة منحرفة بمقدار 3 درجات. النتيجة: فقدان 4% من السرعة، وانحراف 8 سم عن المسار الأمثل.
كان يُعدّل، مراراً وتكراراً، ألف تعديل دقيق سعياً وراء الكمال. كان ذلك بمثابة تأمل، وسيلة لتوجيه إحباطه وشعوره بالعجز نحو فعل واحد يمكن السيطرة عليه. فلم يكن يحاول إتقان مهارة فحسب، بل كان يحاول السيطرة على فوضى حياته، كرة قدم مُتقنة واحدة تلو الأخرى.
كانت مكالماته مع إيزابيلا هي اللحظات الوحيدة التي شعر فيها بأنه إنسان حقيقي. كانت هي الشخص الوحيد الذي رأى ما وراء المظهر الخارجي، ورأى الصبي الحقيقي الكامن وراءه. لم تكن تهتم بأهدافه أو تمريراته الحاسمة.
كانت تهتم إن كان نائماً، وإن كان سعيداً. كانت تُخبره عن معاناتها، وضغط امتحاناتها، والعبء النفسي الذي تُسببه لها رعاية المرضى المُتألمين. لقد خلقت تجربتهما المُشتركة في "الكَدح" وإن كانت في عالمين مُختلفين، رابطةً من التفاهم العميق والتعاطف.
"أشعر وكأنني أخوض عِرقاً بلا خط نهاية."
أشار إليها ذات ليلة، وكانت يداه تتحركان ببطء متعب.
"أعرف هذا الشعور" أجابت بلغة الإشارة، وعلى وجهها ابتسامة حزينة. "لكن خط النهاية ليس هو المهم، أليس كذلك؟ المهم هو كيف تخوض السباق. وأنت يا ماتيو، تخوضه بأناقة تفوق أي شخص رأيته في حياتي."
كانت كلماتها بلسماً لروحه المنهكة، وتذكيراً له بأنه ليس وحيداً في معاناته. كانا شابين وكلاهما يسعى وراء أحلامه، وكلاهما يدفع ثمن الطموح. كانت علاقتهما بمثابة نور هادئ وثابت في ظلام واقعه الجديد القاتم.
كانت مباراة هامبورغ بمثابة صورة مصغرة لحياته. لقد أدى واجباته بدقة متناهية، تكاد تكون آلية.
كانت تلك التمريرة الحاسمة لحظة عبقرية خالصة وعفوية، ومضة خاطفة من الفنان وسط العمل الدؤوب للحرفي. لكن الفرحة كانت عابرة، سرعان ما حل محلها ثقل الإرهاق المألوف والساحق.
لم يكن النصر سبباً للاحتفال بل كان ببساطة نهاية مهمة أخرى، وعلامة صح أخرى في قائمة مهام لا تنتهي.
بينما كان يجلس في غرفة تبديل الملابس، وهتافات زملائه تغمره، شعر بشعور عميق بالانفصال. كان موجوداً في الغرفة، لكنه لم يكن جزءاً منها. كان كشبح في حياته، مراقباً صامتاً ومرهقاً للعرض المذهل الذي كان يُبنى من حوله.
***
شكراً جزيلاً لـ ليو_8373 ولجميع الآخرين على التذاكر الذهبية والدعم هذا الشهر.