الفصل 220: الكلاسيكية في الفناء
لقد حوّل وصول وفد دورتموند حالة الركود الهادئة التي سادت بعد عيد الميلاد في كاسا دي لوس نينوس إلى مهرجان نابض بالحياة وفوضوي.
أصبح الفناء الذي كان عادة مكاناً للتأمل الهادئ واللعب اللطيف، الآن مركزاً صاخباً للنشاط، ومفترقاً سريالياً لعالمين مختلفين تماماً يتناسبان معاً بشكل مثالي، مثل قطع أحجية كانت تنتظر عقوداً لتجميعها.
تجاوز الأطفال رهبتهم الأولية، وأصبحوا يتبادلون أطراف الحديث بحماس مع أبطالهم، وقد تبدد خجلهم أمام هذا الدفء والاهتمام الصادقين. حيث كان ميغيل، البالغ من العمر سبعة عشر عاماً والذي يستعد لسنته الدراسية الأخيرة، منغمساً في حديث شيق مع مخيتاريان حول خططه الجامعية وتطلعاته المهنية.
كان بابلو يعرض على أوباميانغ أحدث قصصه القصيرة، المكتوبة بلغة إنجليزية دقيقة، بينما كان المهاجم الغابوني يستمع باهتمام حقيقي ويقدم التشجيع.
كانت إيلينا، المصورة الماهرة، توثق كل شيء بكاميرتها الجديدة، وتلتقط لحظات من الفرح الخالص والتواصل الذي سيصبح ذكريات ثمينة. حيث كانت تتحرك بين الحشود كشبح، غير مرئية ولكنها أساسية، تحفظ السحر للأجيال القادمة.
ثم وكما كان متوقعاً، ظهرت كرة القدم.
كان غروسكرويتز هو من أخرجها من إحدى السيارات، وهي كرة جديدة تماماً من طراز الدوري الألماني (البوندسليغا) تلمع تحت شمس الظهيرة.
كان الأمر مختلفاً تماماً عن الكرة البالية والمفرغة من الهواء التي كانت الأطفال يستخدمونها سابقاً، لكن اللعبة التي تلت ذلك كانت فوضوية بنفس القدر، ومبهجة بنفس القدر، ونقية بنفس القدر.
"حسناً إذاً" أعلن كلوب، وهو يصفق بيديه بسلطة مسرحية. "أعتقد أن الوقت قد حان لمباراة حقيقية. دورتموند ضد كاسا دي لوس نينوس. الفائز يحصل على كل شيء!"
"على ماذا نلعب؟" سأل أحد الأولاد الأكبر سناً، وعيناه تلمعان بحماسة تنافسية.
ابتسم كلوب. "فخر يا بني. فخر خالص لا تشوبه شائبة. وربما" أضاف وهو يغمز "يتعين على الخاسرين غسل الأطباق بعد العشاء."
انفجر الأطفال بالهتافات والضحكات. حيث كانت مباراة تتحدى كل منطق، وكل عقل، وكل قوانين كرة القدم المعروفة. حيث كان فريق دورتموند الأول في مواجهة أطفال كاسا دي لوس نينوس، صراع عمالقة سيُخلّد في سجلات تاريخ كرة القدم في المناطق.
قام كلوب، بصافرة أخرجها من جيبه كما لو كان ساحراً يسحب أرنباً من قبعة، بتعيين نفسه حكماً.
كانت قراراته عشوائية ومتحيزة ومضحكة للغاية. فقد احتسب ركلة جزاء لفريق الأطفال بسبب خطأ وهمي ارتكبه هوملز، ثم طرد قلب الدفاع العملاق ببطاقة حمراء مسرحية، مما أسعد الأطفال الذين كانوا يضحكون.
صرخ كلوب مشيراً بشكلٍ درامي نحو خط التماس "ابتعد! ابتعد! لقد كانت تلك عرقلة مخزية! يجب أن تخجل من نفسك يا ماتس!"
رفع هاملز يديه احتجاجاً، متظاهراً بالاستياء المبالغ فيه، وقال "لكنني لم ألمسه حتى!"
أجاب كلوب بوجه جامد "بالضبط! هذا ما جعل الأمر مخزياً للغاية!"
انفجر الأطفال ضحكاً، وحتى هوملز الذي عادة ما يكون جاداً لم يستطع كبح ابتسامته وهو يتجه نحو خط التماس، يهز رأسه في يأس مصطنع.
رويس، الفتى الذهبي لكرة القدم الألمانية، تعرض لمراوغة من بين قدميه من قبل صبي يبلغ من العمر عشر سنوات بابتسامة مشاكسة وقدمين سريعتين كالبرق.
قوبلت لحظة المهارة الفائقة بهتافات استحسان مدوية من الحشد المجتمع من موظفي دار الأيتام وعائلات دورتموند. وقد أشاد رويس، بكل جدارة، بمهارة الصبي وربّت على شعره بإعجاب صادق.
قال وهو يتحدث الإسبانية التي تتحسن "كان ذلك رائعاً. و لديك موهبة فطرية في قدميك."
ليفاندوفسكي، القاتل الصامت والرزين في منطقة الجزاء، تعرض لعرقلة مرحة من قبل فتاة تبلغ من العمر سبع سنوات ذات ضفائر وعزيمة كانت ستجعل كلوب فخوراً.
تلاشت حدته المعهودة أمام هذه المعارضة الجريئة التي لا تعرف الخوف. و سقط أرضاً بشكلٍ درامي، ممسكاً بساقه كما لو أنه تعرض لعرقلة من مدافع محترف.
"خطأ!" صرخ متظاهراً بالألم. "لقد ضربتني بانزلاق مثالي!"
أشرق وجه الطفلة الصغيرة فخراً، وانتفخ صدرها وهي تتلقى التهاني من زميلاتها. حيث كانت لحظة فرحة خالصة، تذكيراً بأن كرة القدم، في جوهرها، تدور حول المرح والشغف والمتعة البسيطة المتمثلة في لعب الكرة مع الأصدقاء.
وفي قلب كل ذلك في عين العاصفة كان ماتيو. حيث كان يلعب لفريق الأطفال، بالطبع. فلم يكن هناك أي شك في ذلك. حيث كان قائدهم، وصانع ألعابهم، ومايستروهم. حيث كان إعصاراً من الطاقة الإبداعية، وقدميه كسرعة البرق، وعقله كحاسوب خارق مليء بالإمكانيات التكتيكية.
لكن هذا كان مختلفاً عن كرة القدم التي كانت يلعبها في الدوري الألماني. فلم يكن الأمر يتعلق بالفوز، ولا بالإحصائيات، ولا بإثبات نفسه للعالم. بل كان الأمر يتعلق بالفرح، والعطاء، واستخدام موهبته لإسعاد الآخرين.
لم يحاول التسجيل. لم يحاول التباهي. و لقد صنع ببساطة.
مرر الكرة ببراعة إلى صبي صغير خجول لم يسجل هدفاً في حياته، وشاهد وجه الصبي يضيء بنظرة من الفرح الخالص عندما تدحرجت الكرة إلى الشباك.
كان الاحتفال الذي أعقب ذلك أكثر حماسة من أي نهائي لدوري أبطال أوروبا، حيث أحاط زملاء اللاعب بالفتى ورفعوه على أكتافهم كالبطل منتصر.
صنع هدفاً للمراهق النحيل الذي كان أول من تعرف عليه قبل كل تلك الأشهر، ثم احتفل معه كما لو كانا قد فازا للتو بكأس العالم.
مرر الكرة بين قدمي بيشتشيك بمهارة بارعة أثارت تصفيقاً حتى من لاعبي دورتموند، ثم مرر الكرة على الفور إلى فتاة كانت تقف على الجناح، خجولة جداً من المشاركة.
لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان يقود سيمفونية من الفرح، تحفة فنية من الحب والضحك والانتماء. فلم يكن يستخدم موهبته من أجل المجد الشخصي، بل من أجل سعادة الآخرين، وهو درس تعلمه ليس في ملعب كرة القدم، بل في قاعات الدار الهادئة والمتواضعة.