الفصل 218: رحلة الحج غير المتوقعة 1
كان اليوم التالي لعيد الميلاد في كاسا دي لوس نينوس بمثابة لوحة فوضى راضية. فقد خفت حدة الطاقة المحمومة للعطلة، وحل محلها خمول كسول مشمس بدا وكأنه يلتف حول المباني الحجرية القديمة كعناق دافئ.
في الفناء، كان الأطفال الصغار منتشرين في كل مكان كحبات اللؤلؤ المتناثرة، منغمسين في ألعابهم الجديدة، وضحكاتهم عبارة عن همس لطيف وسعيد يملأ الجو بموسيقى فرحة الطفولة.
أما الأطفال الأكبر سناً، فقد تجمعوا في مجموعات صغيرة ومريحة تحت ظلال شجرة الزيتون القديمة، يتحدثون ويقرأون ويستمتعون بالأيام الأخيرة الثمينة من عطلة الشتاء قبل العودة الحتمية إلى روتين المدرسة المنظم.
جلس ماتيو على الدرجات الحجرية البالية للمبنى الرئيسي، وكتاب مفتوح في حجره، على الرغم من أن عينيه لم تكونا على الصفحة.
كان الكتاب عبارة عن مجموعة من الشعر الإسباني أهدتها إياه إيلينا في عيد الميلاد، لكن الكلمات بدت وكأنها تتداخل مع بعضها البعض بينما كان ذهنه شارداً. كان يراقب المشهد أمامه، وابتسامة هادئة متأملة ترتسم على شفتيه.
لقد غمره شعور عميق بالسلام، وشعور بالانتماء لم يدرك أنه كان يفتقده بشدة.
هنا، في هذا المكان الذي تعلم فيه أن يحلم، لم يكن هو المايسترو، النجم العالمي الذي كان كل تحركاته تخضع لتدقيق الملايين.
لم يكن ذلك الفتى المعجزة في الدوري الألماني، العبقري التكتيكي القادر على اختراق الدفاعات بدقة جراحية. كان مجرد ماتيو. ولأول مرة منذ زمن طويل، كان ذلك أكثر من كافٍ.
ألقت شمس الصباح بظلالها الطويلة الراقصة على الفناء، وامتلأ الجو برائحة زهر البرتقال ونفحات بعيدة من شوكولاتة الأخت ماريا إيلينا الساخنة الشهيرة. كان صباحاً شتوياً مثالياً في برشلونة، منعشاً لكن ليس بارداً، مشرقاً لكن ليس قاسياً. ذلك النوع من الصباحات الذي يجعلك تؤمن بأن "بعد الضيق يأتي الفرج".
كان غارقاً في أفكاره، ومنغمساً في جمال اللحظة البسيط، لدرجة أنه لم يلاحظ في البداية الضجة عند البوابة الأمامية.
توقفت مجموعة من السيارات السوداء الأنيقة، من النوع الذي لا يُرى عادةً إلا في الصفحات اللامعة للمجلات أو في شوارع موناكو، أمام دار الأيتام.
عكست نوافذهم الملونة وجوه الأطفال الفضولية ذات العيون الواسعة الذين تجمعوا للتحديق، وقد نسوا ألعابهم في مواجهة هذا التطفل غير المتوقع.
ضغط الأطفال وجوههم على قضبان البوابة الحديدية، وأصواتهم عبارة عن همسات متحمسة. "من هو؟" "هل هم مشهورون؟" "هل أتوا من أجل ماتيو؟" تتابعت الأسئلة بسرعة باللغة الإسبانية، وكان حماسهم واضحاً.
سار دون كارلو، ووجهه يعكس الحيرة والانزعاج الطفيف، نحو البوابة بخطى محسوبة كرجل رأى العديد من الأشياء الغريبة في سنوات إدارته لدار الأيتام.
طالب بصوته الأجش بمعرفة من هناك، فاستيقظت غريزته الحمائية على الفور. كان هذا ملاذه، ملجأه لأطفال برشلونة المنسيين، ولن يسمح لأحدٍ بتعكير صفوه.
انتاب ماتيو فضولٌ شديد، فنهض، تاركاً كتابه على الدرج. وشعر بوخزة قلق. كان هذا ملاذه أيضاً، ملجأه من العالم الخارجي. تمنى ألا يكون السبب الصحافة، ولا المصورين المتطفلين الذين لاحقوه في أسابيعه الأولى في ألمانيا، ولا الوكلاء والرعاة الذين لم يروا فيه سوى سلعة تُستغل.
ثم انفتحت أبواب السيارة، وبدا العالم وكأنه توقف.
خرج يورغن كلوب من السيارة الأولى، وكانت ابتسامته المألوفة ذات الأسنان البارزة بمثابة منارة للطاقة الصاخبة في الشارع الهادئ والضيق.
كان يرتدي قميص بولو عادياً وبنطال جينز، وهو أمر مختلف تماماً عن بذلته الرياضية المعتادة، لكن حضوره كان لا يُخطئ. تبعه ماركو رويس الذي شكّلت وسامته التي تُضاهي نجوم السينما وهدوؤه العفوي تناقضاً صارخاً مع الحي الشعبي ذي الطابع العمالي.
ثم من السيارات الأخرى، موكب من الوجوه المألوفة: روبرت ليفاندوفسكي، بملامحه السلافية المنحوتة التي تعكس دراسة في الكثافة الهادئة، وماتس هوملز، بجسده الرياضي الطويل الذي يشع بحضور هادئ وسلطوي، وعدد قليل من اللاعبين الرئيسيين الآخرين من الفريق الأول لدورتموند: فايدنفيلر، بيشتشيك، غروسكرويتز، أوباميانغ، مخيتاريان، وبندر.
لكنهم لم يكونوا وحدهم. فقد كان برفقتهم عائلاتهم، زوجاتهم، وصديقاتهم، وأطفالهم. كانت كارولين، صديقة رويس، تحمل حقيبة كبيرة مليئة بالهدايا المغلفة. أما آنا، زوجة ليفاندوفسكي، فكانت تمسك بيد طفله الصغير تنظر فى الجوار بعيون واسعة فضولية.
كانت زوجة هوملز، كاثي، تضحك على شيء قاله كلوب، ووجهها يشعّ بالمرح. فلم يكن الوفد من لاعبي كرة القدم، بل من العائلات، كرنفال متنقل من الحب والولاء حلّ على ركن برشلونة الهادئ والمنسي.
صمت الأطفال عند البوابة، وقد فُتحت أفواههم. لقد تعرفوا على هذه الوجوه من التلفاز، ومن الملصقات على جدران غرف نومهم، ومن الأحلام التي كانوا يهمسون بها لبعضهم البعض في الظلام. لم يكونوا مجرد لاعبي كرة قدم، بل كانوا آلهة، وأساطير، وأبطالاً من عالم آخر.
وقف ماتيو متجمداً على الدرجات، وعقله يكافح لاستيعاب المشهد أمامه. كان يحلم. لا بد أنه كان كذلك. هذا غير ممكن.
لم يكن هذا حقيقياً. لقد أخبر زملاءه في الفريق أنه سيعود إلى المنزل لقضاء العطلة، لكنه لم يتخيل هذا أبداً. كان يظن أنهم جميعاً في دبي، أو في جزر المالديف، أو في الشاليهات الثلجية في جبال الألب، يعيشون حياةً مترفة تليق بمكانتهم كنجوم عالميين.
دخل كلوب، وعيناه تلمعان بمرحٍ وحنان، إلى الفناء بخطوات واسعة، ذراعاه مفتوحتان على مصراعيهما. "ماتيو! يا بني!" صاح بصوتٍ جهوري يتردد صداه بين جدران الحجر القديمة. "ألم تظن أننا سنتركك تقضي عيد الميلاد وحيداً؟"
احتضن ماتيو بقوة هائلة، وضحكته مدوية كصوته. كان العناق دافئاً، أبوياً، مليئاً بالمودة الصادقة.
"كان بعضنا في مايوركا، نشعر بالملل الشديد" هكذا أوضح، وذراعه لا تزال ملتفة حول كتفي ماتيو.
شواطئ خلابة، مطاعم فاخرة، طقس مثالي... وكل ما كنا نفكر فيه هو مايسترونا، جالساً هنا في برشلونة، ربما يفتقد عائلته الكروية. وتساءلنا "أين هو اللاعب الذي يصنع المعجزات؟" ثم أدركنا. إنه في بيته. ومع عائلته. لذلك قررنا أن نأتي بعائلتنا إليه.