الفصل 196: مايسترو الشوارع
كان ملعب الأسفلت المتشقق في قلب دورتموند، بعيداً عن الكمال المصقول لساحة التدريب، عالماً مختلفاً تماماً عن الدوري الألماني.
كان مكاناً تتسم فيه القواعد بالمرونة، وتُحدد فيه الأهداف بزجاجات المياه المهملة، والعملة الوحيدة فيه هي الشغف. حيث كان هذا هو الملعب الذي خاض فيه ماتيو اختباره الأخير والأكثر أهمية في نهاية الأسبوع.
دخل ماتيو إلى الملعب، وكانت ملابسه الجديدة المريحة تمويهاً مثالياً. توقف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة واثني عشر عاماً عن لعبهم الصاخب، وقد اتسعت أعينهم بمزيج من الرهبة والتحدي عند رؤية الوافد الجديد الطويل الهادئ. لقد كان لغزاً بالنسبة لهم، فتى أكبر سناً يتحرك بكثافة مكبوتة تتناقض مع ملابسه العادية.
وقفت سارة على الهامش، وكان وجودها بمثابة حارس صامت يراقب الوضع.
كانت بمثابة بوليصة التأمين للنادي، والدرع الواقي الضروري ضد الإصابات، وجسر التواصل. لقد أدركت خطورة الطلب: لم تكن هذه مجرد لعبة، بل كانت رحلة عودة إلى الأصل، وإعادة ضبط ضرورية لروح مثقلة بالعبقرية.
بدأت المباراة، وعلى الفور اختفى ضغط التوقعات الاحترافية.
لم تكن هناك مخططات تكتيكية، ولا تحليل لمنظومة الخصم، ولا ضغط لتقديم أداء يُقدّر بملايين اليورو. فلم يكن هناك سوى الكرة، والأقدام، وفرحة اللحظة الخالصة.
ماتيو، وقد تحرر من قيود اللعبة الاحترافية، استعاد جوهر موهبته. لم يعد يفكر في جسده، ولا في مركز ثقله، ولا في ذاكرته العضلية.
كان ببساطة... يلعب. الخمسة سنتيمترات الإضافية في الطول، والعضلات المُعاد ضبطها، والجذع الصلب - كل ذلك كان يحدث بشكل طبيعي، غريزي. فلم يكن الشبح والآلة في حالة حرب، بل كانا يرقصان.
حاول تمريرة بهلوانية مذهلة فوق رأس طفل في العاشرة من عمره، وهي حركة لن يُقدم عليها أبداً في مباراة بالدوري الألماني نظراً لارتفاع نسبة المخاطرة إلى المكافأة. نجحت المحاولة تماماً، حيث حلّقت الكرة فوق وجه الطفل المندهش وهبطت برفق عند قدمي زميله في الفريق.
مرر الكرة بين قدمي لوكاس الذي تعثر وسقط أرضاً، مما أسعد الأطفال. سجل هدفاً واحتفل بانزلاق مبالغ فيه على الأسفلت الموحل، مما أدى إلى تمزيق بنطاله الجينز الجديد، لكنه شعر بسعادة غامرة لم يشعر بها منذ أسابيع.
استغل جسده الجديد وقوته وطوله، لكنه لم يكن يفكر في ذلك. صمد أمام فتى قوي بشكل مدهش يبلغ من العمر 14 عاماً ليحمي الكرة، وقاعدته الجديدة الصلبة ترفض التزحزح.
استخدم ساقيه الطويلتين لاعتراض تمريرة كانت ستكون بعيدة المنال قبل شهر. حيث كان كل شيء يحدث بشكل طبيعي، غريزي. لم يعد جسده الجديد غريباً عليه، بل أصبح امتداداً لإرادته، آلة موسيقية مضبوطة بدقة.
سرعان ما شعر الأطفال الذين كانوا خجولين في البداية، بالألفة مع المايسترو الصامت. لم يكونوا بحاجة إلى كلمات لفهم أسلوب لعبه. كانت تمريراته بمثابة تعليمات، ومراوغاته بمثابة دعوات، وحركاته الخادعة بمثابة دعابات.
كان يتواصل عبر الكرة، وهي لغة عالمية تفوق أي لغة منطوقة. وجدت سارة، الواقفة على خط التماس، أن دورها كمترجمة كان محدوداً للغاية. حيث كان الأطفال يتحدثون لغة كرة القدم، وكان ماتيو يتقنها بطلاقة.
في لحظة ما، حاول صبي صغير، لا يتجاوز عمره ست سنوات، مهاجمته بحركة متهورة وغير متقنة. لكن ماتيو، بتعديل سريع كالبرق، رفع الكرة فوق رأس الصبي وتركه ينزلق تحته دون أن يصيبه بأذى.
ثم توقف، وأعطى سارة تعليمات سريعة ولطيفة، والتي ترجمتها بدورها إلى الصبي:
"تمهل. انظر إلى الكرة، وليس إلى القدمين."
كانت لحظة تدريب خالصة، ونقل صامت للمعرفة تم فهمه على الفور.
كانت فترة ما بعد الظهر عبارة عن مزيج من الحركة الفوضوية المبهجة. وبدأت الشمس تغيب خلف أفق دورتموند، مُلقيةً بظلال طويلة ودرامية على أرض الملعب. انتهت المباراة أخيراً بنتيجة مثيرة للجدل لم يهتم بها أحد حقاً.
---
أعادت ذكرى حادة ومفاجئة، أثارتها رائحة الأسفلت الرطب وصوت القطار البعيد، ماتيو عبر السنين، وعبر القارة، إلى شوارع برشلونة المشمسة.
كان عمره ثماني سنوات، مجرد حركة سريعة في عالم من الخرسانة والضجيج. وقبل مناطق نادي برشلونة المصقولة، وقبل التدريبات المنظمة وأعين المدربين المتفحصة كان هناك الشارع.
كان الحيّ الشعبيّ بمثابة أكاديميته الأولى، والرصيف المتشقّق معلمه الأول. حيث كان يلعب بشراسة نابعة من الضرورة، كإعصار صغير صامت في مواجهة فتيان ضعف عمره وحجمه.
تذكر لسعة التدخل الخاطئ على ركبتيه العاريتين، وطعم الغبار والعرق، والرعب المطلق الذي انتابه عند فقدان الكرة.
كانت لعبة بقاء، حيث كان لا بد من أن تكون كل لمسة مثالية، وكل حركة خادعة مقنعة، لأن الخطأ يعني خسارة الكرة، وخسارة نقطة، وسخرية اللاعبين الأكبر سناً. هنا صُنع ماتيو 1.0، رشيقاً، سريعاً، كالشبح الذي لا يُمسك به.
انتقلت الذاكرة إلى فترة وجوده في نادي برشلونة. حيث كان عمره عشر سنوات، وقد عُرف بالفعل بأنه موهبة فذة، وموهبته قوة خام لا يمكن إنكارها. حذره المدربون، الدقيقون والحامين، قائلين "لا مزيد من كرة القدم في الشوارع يا ماتيو. إنها خطيرة. إنها غير علمية. ستكتسب عادات سيئة. ستتعرض للإصابة."
كان يومئ برأسه، وعيناه جادتان، ثم يتسلل للخارج تحت عباءة غروب الشمس الكاتالاني المتلاشي.
لم يكن بوسعه منع نفسه. حيث كان الأمر متأصلاً فيه. علمته التدريبات المنظمة ما يجب فعله، وعلمته الشوارع كيف ينجو. كانت المناطق بمثابة مختبر، وكانت الشوارع ساحة معركة.
كان بحاجة إلى الفوضى، وعدم القدرة على التنبؤ، والصدق الخام غير المصقول للعبة الشارع ليحافظ على عبقريته متقدة. كان بحاجة إلى الحرية لتجربة المستحيل، والمضحك، والحركات التي قد تجلب عبس المدرب ولكنها تثير إعجاب طفل الشارع.
تذكر ليلةً كان يلعب فيها في ساحة صغيرة قرب الميناء، لعبة "بانا" (جوزة الطيب) ضد لاعب شوارع محلي شهير. كان الحشد غفيراً، والتوتر واضحاً.
كان أصغر حجماً، لكنه كان أسرع، وكان عقله، حتى في ذلك الوقت، نظاماً في مراحله الأولى، يحسب الزوايا والمراوغات.
فاز بحركة جريئة للغاية، مراوغة بالكعب بين قدمي الخصم بعد ارتداد الكرة من الحائط، لدرجة أن الجمهور انفجر فرحاً، لا غضباً، بل تقديراً خالصاً وبهجة غامرة. تلك اللحظة، ذلك الشعور بالتواصل الخالص مع اللعبة والجماهير كان هو الدافع الذي حركه.