الفصل 187: الدورة التدريبية المتقدمة
بدأ الشوط الثاني بنفس الحماس الشديد. و لكن المباراة بدأت تتسع، حيث ظهرت تمريرات خاطئة هنا، ولمسات غير متقنة هناك، وبدأت تظهر ثغرات صغيرة في الاستراتيجية الدفاعية لكلا الفريقين.
في الدقيقة 62، التفت كلوب إليه. فلم يكن هناك خطاب طويل، بل مجرد نظرة، بريق في عينيه يقول: الآن. وقال بصوت منخفض فوق الضجيج "حان وقت إحداث الفوضى يا ماتيو. فكن اللاعب الذي لم يستعدوا له."
عندما دخل ماتيو أرض الملعب، انفجرت مدرجات بايرن ميونخ بهتافات مدوية، مرحبةً بالبطلهم الشاب. رآه لاعبو بايرن، فمرت في أعينهم لمحة من التعرف، وتذكروا كأس السوبر. استعدوا، متوقعين مراوغاته السريعة ومهاراته المذهلة.
كانت لمسته الأولى بمثابة إعلان عن نواياه، وتأكيد على أن الماضي قد مضى. حيث تم تمرير الكرة إليه بسرعة قرب منتصف الملعب.
اندفع جيروم بواتينغ، عملاق الدفاع، خلفه بقوة، عازماً على انتزاع الكرة منه وإعلان سيطرته. ماتيو في كأس السوبر كان سيحاول المراوغة مستغلاً رشاقته. أما ماتيو اليوم فقد فعل شيئاً مختلفاً.
شعر بوجود بواتينغ، فثبت قدميه، وخفض قامته الجديدة التي يبلغ طولها 180 سم، وحمى الكرة. امتص كامل قوة اصطدام اللاعب الألماني الدولي، وهو اصطدام كان سيقذفه بعيداً قبل شهرين.
الآن، ثبت في مكانه. حيث كان بمثابة ركيزة أساسية. وبقيت الكرة ملتصقة بقدمه بينما ارتدت من بواتينغ، فاقداً توازنه للحظات. وفي تلك اللحظة، مرر ماتيو تمريرة بسيطة ودقيقة إلى نوري شاهين الذي استعاد الكرة. لم تكن لقطة مبهرة، لكنها كانت مؤثرة للغاية.
أطلق الملعب همهمة جماعية من التقدير. تبادل لاعبو بايرن نظرات الدهشة. رفع كلوب، على خط التماس، قبضته منتصراً. ولقد تم استخدام السلاح السري.
غيّر هذا الفعل وحده الديناميكية مختلة للمباراة. حيث مدافعو بايرن الذين كانوا مستعدين لمواجهة بعوضة، وجدوا أنفسهم الآن في مواجهة ثور. وعندما اقتربوا منه، استخدم قوته لصدّهم. وعندما منحوه مساحة كانت رؤيته الثاقبة ودقة تمريراته قاتلة كعادتها.
كانت المباراة تستدعي البطل، وفي الدقيقة 78، لبّى ماتيو النداء. وبدأت الهجمة من عمق ملعب دورتموند. وبعد تبادل سريع للكرة، وصلت بسرعة إلى رويس الذي لمح ماتيو يندفع إلى مساحة خالية في وسط الملعب. كانت التمريرة مثالية. استلمها ماتيو وهو في منتصف الملعب، وعيناه تجوبان الملعب.
كان دانتي، كما توقع النظام، هدفه. وانطلق ماتيو للأمام، ليس بخطوات متسرعة محمومة كلاعب أصغر حجماً، بل بخطوات طويلة وقوية اجتاحت الأرض.
لم يعد مجرد رشيق، بل أصبح قوياً. تقدم دانتي لملاقاته، مُجبراً على الالتزام. حبس الحشد أنفاسه، متوقعاً خدعة.
لم تكن هناك أي خدعة.
لم يكن هناك سوى الواقع الجديد. وبينما كان دانتي يستعد للهجوم، دفع ماتيو الكرة بقوة من جانبه إلى اليمين، وبانطلاقة سريعة بفضل ساقيه الأقوى، تجاوز المدافع الضخم على الجانب الآخر. لقد تجاوزه. وتمزق قلب دفاع بايرن.
كان يندفع الآن نحو منطقة الجزاء. وكان ليفاندوفسكي يركض إلى يساره، جاذباً بواتينغ معه. كانت الفرصة سانحة للتسجيل. ولكن ماتيو رأى صورة مختلفة.
رأى ماتيو تحرك هنريك مخيتاريان المتأخر والخفي، وهو يصل دون رقابة إلى حافة منطقة الجزاء. ومع اندفاع الدفاع نحوه ونحو ليفاندوفسكي، أبطأ ماتيو سرعته للحظة، وسحب قدمه للخلف كما لو كان سيسدد، ثم بمهارة جراح، مرر الكرة بدقة متناهية إلى لاعب الوسط الأرميني.
لم يكن على مخيتاريان أن يبطئ من سرعته. كانت التمريرة متقنة وذكية للغاية، لدرجة أنه لم يكن عليه سوى تسديدها. استقبل الكرة بتسديدة صاروخية من اللمسة الأولى، تجاوزت مانويل نوير وسكنت الشباك.
انفجرت حديقة سيجنال إيدونا. كان صوتاً من النشوة الخالصة، انفجاراً بركانياً من الفرح.
انطلق مخيتاريان محتفلاً، لكنه أشار مباشرةً إلى ماتيو، مُشيداً بعبقرية تمريرته الحاسمة. تجمّع الفريق بأكمله حول اللاعب ذي الستة عشر عاماً، يُربّتون على شعره، ويهتفون مُعربين عن تقديرهم. لقد فعلها مجدداً. لقد حطّم قلب بايرن.
كانت الدقائق الاثنتي عشرة الأخيرة بمثابة درسٍ نموذجي في إدارة المباراة، وكان ماتيو محورها، حيث احتفظ بالكرة، وحصل على الأخطاء، وخفف الضغط بقوته وهدوئه المتجددين. وعندما أُطلقت صافرة النهاية، مؤكدةً فوزاً تاريخياً بنتيجة 1-0، تحول الملعب إلى كاتدرائية من الصخب والألوان.
وبينما كانت الفرق تسير نحو النفق، وسط فوضى الاحتفالات والمواساة، خرج شخص من الظلال.
كان بيب غوارديولا. وانتظر بصبر حتى اقترب ماتيو، ثم وضع يده على كتفه ليوقفه. تحدث بالإسبانية الهادئة والسريعة، وكانت كلماته موجهة إلى ماتيو وحده.
قال بيب "لقد أخبروني عن الصبي من كأس السوبر" وعيناه، عينا شخص مهووس بالاستراتيجية، تشتعلان بفضول شديد.
"الساحر الصغير. ولكنهم لم يخبروني عن الرجل الذي أصبحت عليه." وأشار بيده نحو أرض الملعب. "تلك اللمسة الأولى، عندما حميت الكرة من بواتينغ... لم تكن تلك لعبة صبي. كانت لعبة رجل. الذكاء في استخدام جسدك الجديد، لتصبح مشكلة مختلفة... هذا شيء مميز."
ربّت على كتف ماتيو برفق. "لديك معلم عظيم هو يورغن. استمع إليه. إنه يفهمك. سيكون من دواعي سروري أن ألتقي بك لسنوات عديدة قادمة."
بعد ذلك استدار المدرب الأسطوري واختفى في النفق. وقف ماتيو هناك للحظة، وتلاشى هدير الجماهير في الخلفية، بينما كانت كلمات غوارديولا تتردد في أذنيه.
كانت خيبة الأمل الأولية من استبعاده من التشكيلة الأساسية أشبه بشعور طفولي بعيد. ولكنها استُبدلت بشعور عميق بالرضا، وفهم عميق وواضح لتطوره الشخصي.
لم يكن مجرد موهبة عابرة، ولا مجرد لمحة خاطفة من التألق. لقد كان لاعب كرة قدم حقيقياً، يصقل مهاراته، وينمو جسدياً وعقلياً، تحت إشراف مدرب لم يرَ فيه ما هو عليه فحسب، بل رأى فيه كل ما يمكن أن يصبح عليه. وكان ذلك أبلغ من أي هدف أو عنوان رئيسي.