الفصل 185: الانتشار الواسع
كان الإعلان، عند ظهوره لأول مرة، بسيطاً ومتواضعاً تماماً كالرجل الذي طلبه. ثم قام السيد كلاوس مولر، بفخرٍ واضح، بتعليق الملصق الأول بنفسه في نافذة مخبز غولدينر هيرش. حيث كانت صورة فوتوغرافية بسيطة وجميلة.
لم يكن هناك إضاءة مبهرة، ولا تعديل للصور، ولا ابتسامة مصطنعة. حيث كان ماتيو فقط، جالساً على طاولة خشبية بسيطة، ما زال يرتدي زي تدريب دورتموند، وبريق خفيف من العرق على جبينه.
كان ينظر إلى شريحة سميكة من خبز فولكورنبروت الطازج، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة صادقة تنم عن ترقب. النص الوحيد على الملصق، بخط أنيق وبسيط، يقول "غولدنر هيرش. طعم الوطن. ومنذ عام 1983."
رآه ماتيو لأول مرة في طريق عودته من التدريب. أشار إليه لوكاس، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه. "انظر! أنت مشهور! ملك الخبز في دورتموند!"
شعر ماتيو بحرارة الخجل تتسلل إلى رقبته.
أنزل قبعته الغامضة إلى أسفل، متمنياً ألا يتعرف عليه أحد. حيث كان برؤية وجهه معروضاً في واجهة متجر تجربة غريبة للغاية.
ومع ذلك وبينما كان ينظر إلى الصورة لم يسعه إلا أن يشعر بشعور هادئ من الفخر. ولقد كانت صادقة. ولقد كانت حقيقية. ولقد كانت... هو.
الشرارة التي أشعلت الحريق كانت من طالبة جامعية تبلغ من العمر 19 عاماً تدعى أنيا شميدت.
كانت أنيا مشجعة متعصبة لنادي دورتموند طوال حياتها، وكاتبة شغوفة وبارعة لمدونة كرة قدم ألمانية متوسطة الشهرة بعنوان "داي غيلبي واند سبريتشت" (الجدار الأصفر يتحدث). رأت الملصق أثناء شرائها الخبز لعائلتها، وقد لامس وتراً حساساً في أعماقها.
في ذلك المساء، التقطت صورة عالية الجودة للملصق في ضوء نافذة المخبز الدافئ، ونشرتها على مدونتها وحسابها على تويتر. لم تكتفِ بنشر الصورة فحسب، بل كتبت مقالاً قصيراً نابعاً من القلب.
وكتبت "في عصر باتت فيه لعبتنا الجميلة تهيمن عليها بشكل متزايد صناديق الثروة السيادية والرعاية الضخمة واللاعبون الذين يبدون أقرب إلى العلامات التجارية للشركات منهم إلى الرياضيين، رأيت هذا اليوم".
هذا ماتيو ألفاريز، الفتى المعجزة الذي أضاء ملعبنا وأسر قلوبنا. إنه لا يبيع ساعة فاخرة أو سيارة رياضية. إنه لا يروج لشركة مراهنات أو عملية احتيال في العملات الرقمية. إنه وجه مخبز محلي مملوك لعائلة. مخبز كان جزءاً من مجتمعنا لثلاثين عاماً. إنه ليس مجرد لاعب في بوروسيا دورتموند، وإنه مواطن من دورتموند. وهذه الصورة، هذه الشراكة البسيطة والصادقة، هي كل ما هو صحيح وجيد في كرة القدم. وهذا هو طعم الوطن. وهذا واحد منا.
لقد لاقت منشورات أنيا صدى لدى شعور كان يغلي تحت سطح جماهير كرة القدم الحديثة: وهو الشعور بالتعب من التسويق المفرط والتوق إلى الأصالة.
تمت مشاركة منشورها من قبل بضع مئات من متابعيها.
ثم بضعة آلاف. وبحلول صباح اليوم التالي تمت إعادة تغريدها أكثر من عشرة آلاف مرة. وبدأ وسم #ديربروتجيونغي (#ثيبريادبوي) بالانتشار في ألمانيا.
انتشرت الصورة على نطاق واسع في حسابات كرة القدم الألمانية الرئيسية. وعلق مشجعو الأندية الأخرى حتى المنافسين مثل شالكه وبايرن ميونخ، بإعجاب ممزوج بالتردد. وجاء في أحد التعليقات الشائعة "أكره دورتموند، لكن هذا قمة في الروعة".
ثم تم تسليط الضوء على القصة على المستوى الوطني من قبل مجلة 11فرييوندي، وهي المجلة الأكثر احتراماً في ألمانيا في مجال ثقافة كرة القدم.
نشروا مقالاً على الإنترنت بعنوان "ترياق كرة القدم الحديثة". وأجروا مقابلة مع السيد مولر الذي بدا سعيداً ومتأثراً بعض الشيء، وتحدث بحماسٍ صادق عن مهنته ومدينته وإعجابه الشديد بماتيو، ما جعله محبوباً لدى الجميع في البلاد. وقال للمجلة "لم تكن لدينا خطة تسويقية. نحن ببساطة نعشق هذا اللاعب ونعشق خبزنا. وشعرنا أنهما مناسبان لبعضهما".
حينها انتشرت القصة خارج حدود ألمانيا. شارك صحفي إيطالي شهير، معروف بنظرته الرومانسية لكرة القدم، المقال مع تعليق "بينما يسعى بعض اللاعبين وراء المال، يسعى آخرون وراء المعنى. وفي دورتموند، يُذكّرنا نجمٌ يبلغ من العمر 16 عاماً بما يجب أن تكون عليه كرة القدم".
ومن هناك، انتشرت في جميع أنحاء أوروبا. كتبت صحيفة الحارس في إنجلترا مقالاً تحليلياً عنها. وأشادت صحيفة ليكيب في فرنسا بـ "أصالتها الساحرة".
أصبحت صورة ماتيو وشريحة خبزه أيقونة رقمية، رمزاً للنقاء في عالمٍ مليء بالتشاؤم. وقد شاركها لاعبون سابقون، ومشاهير، وملايين المشجعين العاديين الذين رأوا فيها انعكاساً لحبهم للأشياء البسيطة.
ثم وصلت القصة إلى إسبانيا. وصلت بقوة قنبلة نووية تكتيكية نُفذت بإتقان.
أفرغت صحيفة ماركا، أكبر صحيفة رياضية يومية في البلاد، صفحتها الأولى. وكان العنوان، المطبوع بخط ضخم وواضح فوق الصورة التي أصبحت الآن رمزية، تحفة فنية من الوحشية الصحفية:
يل سهيسو تشيوي نو 'فاللإيندÍا'
(الفتى الذي لم "يبيع")
وكان العنوان الفرعي قاسياً بنفس القدر "كيف رفض خبراء التسويق في برشلونة ماتيو ألفاريز بسبب "افتقاره للجاذبية التجارية" بينما حوّله مخبز ألماني صغير إلى ظاهرة عالمية للأصالة".
كان المقال مدمراً. فقد سرد، بدقة دامغة، الاجتماعات الداخلية في لاماسيا حيث استبعد المسؤولون التنفيذيون قابلية ماتيو للتسويق بسبب صمته.
تضمن التقرير اقتباسات مجهولة المصدر، ولكنها ذات دلالة واضحة، من مصادر داخل قسم التسويق في نادي برشلونة. ونُقل عن أحد المصادر قوله "أظهرت مقاييسنا انخفاضاً في التفاعل. فكنا ننظر إليه كموهبة، لا كوصمة. لم نُدرك أن الأصالة هي أساس الوصمة في سوق اليوم".
قارنت المقالة بين هذه الحسابات التجارية الباردة وقصة غولدنر هيرش المؤثرة. ورسمت صورة لنادٍ مهووس بصورته العالمية لدرجة أنه فشل في إدراك قيمة الصفات الإنسانية التي يتوق إليها المشجعون.
لقد كانت كارثة علاقات عامة لبرشلونة، ولحظة انتصار مذهلة وغير مقصودة للصبي الذي تم الاستغناء عنه.
كان ماتيو، غافلاً تماماً عن العاصفة الدولية التي تلوح في الأفق، في غرفته في السكن الجامعي، يحاول شرح قاعدة التسلل للوكاس باستخدام علب الملح والفلفل.
بدأ هاتفه الذي كان عادةً ما يُبقيه صامتاً، بالرنين المتواصل على مكتبه. ثم بدأ هاتف لوكاس بالرنين. ثم بدأت أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهما، المفتوحة على سريريهما، بإرسال الإشعارات.
قال لوكاس وهو يلتقط هاتفه "ما الذي يحدث؟" اتسعت عيناه. "يا إلهي! لقد امتلأت صفحتي على تويتر بالرسائل. كلها... بسببك".
أدار حاسوبه المحمول نحو ماتيو. حيث كانت الشاشة مليئة بعشرات الصور لملصق المخبز. حيث كانت هناك مقالات من ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا. ثم في أعلى الصفحة كانت الصفحة الأولى من صحيفة ماركا.
حدّق ماتيو في المقال. رأى وجهه، والعنوان، واسم "برشلونة". شعر بدوار غريب، شعور بالدوار. لم يستطع قراءة المقال كاملاً، لكنه فهم فحواه.
كان العالم يتحدث عنه.
حول صمته.
عن برشلونة.
عن الخبز.
نظر إلى لوكاس، وعيناه متسعتان من الحيرة وشيء من الذعر. أمسك بدفتر ملاحظاته، ويداه ترتجفان قليلاً.
"لا أفهم. لماذا؟ إنها مجرد صورة. إنها مجرد خبز".
نظر لوكاس إلى وجه صديقه الحائر، ثم انفجر ضاحكاً. لم تكن ضحكة ساخرة، بل كانت ضحكة فرح ودهشة خالصة لا تشوبها شائبة.
قال وهو يهز رأسه غير مصدق "يا صديقي أنت لا تفهم، أليس كذلك؟ لقد أحدثتَ ضجةً كبيرةً على الإنترنت. ولقد أصبحتَ بالصدفة أشهر لاعب كرة قدم في العالم ليوم واحد. وقد فعلتَ ذلك دون أن تنطق بكلمة واحدة".
حاول شرح مفهوم "الانتشار الفيروسي" ومفهوم الميمات، وكيف يمكن لقصة بسيطة وأصيلة أن تأسر الخيال العالمي بطريقة لا تستطيع حملة تسويقية بمليارات الدولارات أن تفعلها.
"إنهم لا يحتفلون بالخبز فقط يا ماتيو" أوضح لوكاس مشيراً إلى الشاشة. "إنهم يحتفلون بك أنت. ولقد سئموا من اللاعبين الذين يتظاهرون بأنهم مجرد لوحات إعلانية. أنت لاعب حقيقي. وقد جعلت برشلونة يبدو وكأنه أكبر حمقى في تاريخ كرة القدم. إنه لأمر رائع!"
كلما زاد شرح لوكاس، ازداد شعور ماتيو بالإرهاق. فلم يكن هذا ما يريده. لم يسعَ إلى تبرئة ساحته. لم يُرد إحراج برشلونة.
كان كل ما يريده هو شكر خباز كريم والحصول على بعض الخبز المجاني لرفيقه في السكن الذي لا يشبع من الجوع. وشعر وكأن الأضواء العالمية تسلط عليه، وشعر بضيق في صدره، وتسلل إليه القلق المألوف من كونه مراقباً ومحكوماً عليه من قبل الملايين.
كان بحاجة إلى مرساة. استأذن واتصل بسارة. حيث كان صوتها هادئاً وثابتاً، كمنارة في عاصفة حيرته. ولقد رأت كل شيء يتكشف أمام عينيها وكانت تستعد لمكالمته.
قالت له بلطف "تنفس يا ماتيو، تنفس فقط. وهذا أمر جيد، بل جيد جداً. العالم لا يسخر منك، بل يحتفي بك. يحتفي بالصفات التي تميزك، بتواضعك، وولائك، وأصالتك. كل ما تحدثنا عنه".
"لكن برشلونة..." تمكن من إيصال الفكرة من خلال سلسلة من النقرات والأنفاس التي فهمتها سارة.
قالت بحزم "لقد ارتكب برشلونة خطأً. خطأً تجارياً. وهذا ليس خطأكم. لم تفعلوا شيئاً سوى أن تكونوا على طبيعتكم. لا تتحملوا عبئهم".
ساعدته كلماتها، لكن المكالمة الأخيرة في تلك الليلة هي التي طمأنت روحه حقاً. اتصل بـ "كاسا دي لوس نينوس". أجابته الأخت ماريا إيلينا، وكان صوتها مليئاً بدفءٍ سافر عبر آلاف الأميال وغمره كغطاء.
قالت "يا بني" واستطاع أن يسمع الابتسامة في صوتها. "يبدو أن العالم بأسره قد اكتشف سرنا".
"ما السر؟"
ردّ بالتربيت، وما زال قلقه حاضراً.
أجابت قائلة "إن قلبك هو أكثر ما يعبّر عنك بصوت عالٍ".
لطالما عرفنا ذلك. والآن، بدأوا يرونه هم أيضاً. لا تخف من الضجيج يا ماتيو. إنه مجرد صوت العالم وهو يدرك الحقيقة. أنت لم تتغير. ما زلت ذلك الفتى الذي يشارك حلوىه مع الأطفال الأصغر سناً. ما زلت ذلك الفتى الذي يتدرب تحت المطر لأنه يعشق اللعبة. ما زلت ماتيو خاصتنا. طالما أنك تتذكر ذلك فالباقي مجرد... ضجيج.
أغمض عينيه، وأسند رأسه على زجاج نافذة المهجع البارد. الضجيج. حيث كان كل شيء مجرد ضجيج. تذكر ابتسامة السيد مولر الفخورة. تذكر طعم ذلك الخبز المخبوز بإتقان. تذكر صداقة لوكاس الوفية. تذكر هدير الجدار الأصفر.
لم يكن عالمه هو المواضيع الرائجة على تويتر أو عناوين الصحف. حيث كان عالمه هنا، في دورتموند. حيث كان حقيقياً، وكان صادقاً.
كان الاعتراف العالمي بمثابة منعطف غريب وغير متوقع في مسيرته، لكنه لم يغير المسار الذي كان يسلكه. ولقد ظل ماتيو ألفاريز.
الصبي من دار الأيتام.
لاعب بوروسيا دورتموند. ومنذ اليوم، أصبح يُعرف بـ "فتى الخبز" الألماني، وهو يشعر ببعض الحرج ولكنه فخور به سراً. ولم يكن لديه أي مانع في ذلك.