الفصل 177: فداء أرسنال
ضج ملعب سيجنال إيدونا بارك بطاقة متوترة مع اقتراب نهاية الشوط الأول من مباراة دوري أبطال أوروبا ضد أرسنال.
كانت الجماهير الصفراء تصدح بأصواتها، هديرٌ متواصلٌ من التشجيع هزّ أركان الملعب، لكنّ الأجواء في أرض الملعب والمدرجات كانت متوترة. حيث كانت النتيجة متعادلة 1-1، في مباراة محمومة ومثيرة، تبادل فيها الفريقان الهجمات كالملاكمين في نزالٍ على اللقب.
شاهد ماتيو المباراة من مقاعد البدلاء، وهي تجربة نادرة بالنسبة له في الأسابيع الأخيرة. حيث كان ملمس الجلد الفاخر لمقعد البدلاء غريباً عليه، في تناقض صارخ مع أجواء الحماس والإثارة التي تسود بين لاعبي التشكيلة الأساسية.
قبل المباراة، وضع كلوب ذراعه حول كتف ماتيو بحنان، موضحاً القرار بمزيج من البراغماتية التكتيكية والقلق الصادق. "لقد لعبتَ كثيراً، معنا ومع إسبانيا. جسدك ما زال ينمو ويتأقلم. علينا أن نكون أذكياء يا ماتيو. الليلة أنت سلاحنا السري، ورقتنا الرابحة."
كان الشوط الأول بمثابة درسٍ نموذجي في كرة القدم التكتيكية. افتتح آرسنال التسجيل بهجمة مرتدة خاطفة، حيث شقت برؤية أوزيل دفاع دورتموند بتمريرة بدت وكأنها تتحدى قوانين الفيزياء.
مرر اللاعب الدولي الألماني كرة إلى جيرو مرت عبر أصغر فجوة، ولم يخطئ المهاجم الفرنسي في إنهاء الهجمة.
كان رد دورتموند فورياً وقوياً. فقد سدد ليفاندوفسكي، مستفيداً من عرضية بيشتشيك، هدف التعادل بقوة، مما أشعل فرحة عارمة في أرجاء الملعب الأصفر. و لكن الطريقة التي سجل بها آرسنال هدفه هي ما لفت انتباه ماتيو - الطريقة التي استغل بها أوزيل المساحة، وتوقيت تمريرته، وتنفيذه السلس. حيث كان الأمر أشبه بمشاهدة نفسه يلعب.
من موقعه المرتفع، درس ماتيو كل حركة يقوم بها أوزيل بتركيز شديد كعالم يدرس نصاً مقدساً. رأى انعكاساً لأسلوب لعبه في رشاقة اللاعب الألماني السلسة، وقدرته على إيجاد مساحات حيث لا يبدو أن هناك أي مساحات.
الطريقة التي استلم بها أوزيل الكرة، وطريقة مسحه للملعب قبل تمريرها، والمراوغات الدقيقة وحركات جسده التي خلقت لنفسه الوقت والمساحة - كل ذلك كان مألوفاً للغاية. حيث كان الأمر أشبه بمشاهدة نسخة أكثر خبرة ونضجاً من نفسه.
همس صوت النظام في ذهنه:
"التحليل التكتيكي: يُظهر الهدف تشابهاً بنسبة 94% بين أوزيل وأنماط إدراكك المكاني. وتُظهر خوارزميات اتخاذ القرار ارتباطاً بنسبة 89%. وهذا يُمثل فرصة تعليمية فريدة - لاحظ كيف تُصقل الخبرة الغريزة الطبيعية."
فكر ماتيو، وعيناه تتابعان كل خطوة يخطوها أوزيل "إنه يتحرك مثلي تماماً. إنه يرى المباراة كما أراها. و لكنه يمارسها منذ فترة أطول."
مع انطلاق الشوط الثاني كان التوتر في الملعب واضحاً للعيان. حيث كانت الأجواء مشحونة بالحماس، وكل تمريرة تُقابل بسعال جماعي من 80 ألف متفرج. حيث كان كلا الفريقين يخلقان فرصاً سانحة للتسجيل، لكن اللمسة الأخيرة كانت غائبة، وظلت اللحظة الحاسمة بعيدة المنال.
في الدقيقة 65، رفع الحكم الرابع لوحته الإلكترونية، وتوهجت الأرقام الحمراء في هواء الليل البارد.
ظهر الرقم 19، رقم ماتيو، بوضوح رقمي ساطع، فانفجر الملعب بالهتافات. هتفت 80 ألف صوت في انسجام تام، موجة صوتية هزت أركان الملعب. حيث كان صوت أمل وتوقع وإيمان بقدرة نجمهم الشاب على إحداث تغيير جذري.
"ماتيو! ماتيو! ماتيو!" ترددت الهتافات في أرجاء الملعب بينما كان يركض نحو خط التماس، وقلبه يخفق بشدة من فرط الترقب.
عندما دخل إلى أرض الملعب كان الجو مشحوناً بالحماس. و شعر أن العشب مثالي تحت قدميه، وأن الأضواء الكاشفة تسلط الضوء على كل شيء بوضوح تام.
تبادل النظرات مع أوزيل وهو يتخذ موقعه، لحظة وجيزة من التقدير بين اثنين من فناني اللعبة. و اتسعت عينا اللاعب الألماني الدولي قليلاً - ومضة من الإدراك، وربما حتى القلق.
أدرك ماتيو أنه يعلم ذلك. إنه يستطيع رؤيته أيضاً.
كان النظام ينبض بالحماس:
تم رصد مباراة متطابقة. احتمال حدوث فوضى تكتيكية: 87%. كلا اللاعبين يعملان على نفس الموجة. التوصية: تقبّل عنصر المفاجأة.
بدأت المواجهة التكتيكية على الفور وشعر الجمهور بأن شيئاً استثنائياً على وشك الحدوث. حيث كان هناك جوٌّ مختلفٌ يسود الملعب الآن، وإدراكٌ بأنهم على وشك مشاهدة شيءٍ مميز.
كانت أول لمسة لماتيو عبارة عن تمريرة بارعة إلى رويس، لكن تحركاته بدون الكرة هي التي تسببت في أول موجة من الإثارة في المدرجات.
انزلق إلى نفس المساحة التي كان أوزيل يستغلها طوال المساء - الفجوة بين خط وسط أرسنال ودفاعه، تلك المنطقة المحايدة حيث يمكن للاعبين المبدعين إحداث الفوضى.
للحظة، احتل كلا اللاعبين مواقع متشابهة على جانبي الملعب، مثل صور معكوسة في منظار تكتيكي.
هذا هو الأمر، فكّر ماتيو، ونبضه يتسارع. هكذا يكون اللعب ضد شخص يمتلك نفس الأسلوب.
أدرك الحقيقة فجأةً وبقوةٍ هائلة. كل غريزةٍ لديه و كل حركةٍ أراد القيام بها كان أوزيل يتوقعها لأنه كان سيتخذ نفس الخيارات. حيث كان الأمر أشبه بلعب الشطرنج ضد نفسه.
أدرك أوزيل الخطر على الفور.
رفع اللاعب الألماني الدولي رأسه فجأة، وتتبعت عيناه حركة ماتيو بنظرات حادة كالمفترس الذي يرصد فريسته. أصدر تعليماته لزملائه باللغة الإنجليزية، مشيراً بلهفة إلى المساحة التي كان ماتيو يهدد باستغلالها. وصل صوته عبر الملعب، حازماً وآمراً.
قام النظام بالتحليل في الوقت الفعلي:
زمن رد فعل أوزيل: 0.3 ثانية. التعرف على الأنماط: فوري. و لقد أدرك التهديد لأنه كان سيشكل نفس التهديد. التكيف مطلوب.
بدأ الجمهور يستوعب ما يشاهده. انتشرت همهمات الحماس في المدرجات بينما أشار المشجعون إلى اللاعبين، مدركين المعركة التكتيكية التي تتكشف أمام أعينهم. وبدأ الجدار الأصفر الذي لطالما كان متيقظاً لتفاصيل اللعبة، يهتز ترقباً.
صرخ أحد المشجعين من خلف الجدار الأصفر، وقد علا صوته فوق ضجيج الملعب "انظر إليهما! إنهما يلعبان نفس اللعبة! كأنهما توأمان!"
كانت السلسلة التالية أشبه بلعبة شطرنج سريعة للغاية. استلم ماتيو الكرة من كيل ونظر للأعلى على الفور باحثاً عن نفس التمريرة البيينا التي حاول أوزيل تمريرها قبل دقائق.
كان عقله يحسب الزوايا والمسارات والوزن المثالي للتمريرة. و لكن أوزيل كان قد توقع ذلك – فقد تراجع إلى الخلف، قاطعاً مسار التمرير بدقة جراحية، وكان تمركزه مثالياً.
أدرك ماتيو أنه يعرف ما أفكر فيه، وقد اجتاحه مزيج من الإحباط والانبهار لأنه كان سيفكر في نفس الشيء.