الفصل 150: حلم باللون الأحمر
كان الاحتفال في القسم الإسباني استثنائياً. رفرفت الأعلام الحمراء والصفراء بعنفٍ يكاد يقتلعها من أعمدتها، وتطايرت الأوشحة في الهواء كأنها فراشات ملونة، وتردد صدى هتاف "ماتيو! ماتيو!" في جميع أنحاء الملعب بصوتٍ عالٍ هزّ أرجاء هلسنكي.
حتى المشجعون الفنلنديون، رغم خيبة أملهم، وقفوا وصفقوا بحرارة تقديراً لروعة الهدف. لقد كانت هذه كرة القدم في أبهى صورها، لحظة تألق فردي تفوقت على الولاءات الوطنية وذكّرت الجميع بالسبب الذي يجعلهم يعشقون هذه اللعبة الجميلة.
في الدقائق الخمس عشرة الأخيرة، سيطر المنتخب الإسباني على مجريات المباراة بفضل استحواذه المحكم ودفاعه المتماسك. أما فنلندا التي أصابها الإحباط بعد الهدف الرائع الذي جعل النتيجة 3-0، فلم تُبدِ مقاومة تذكر، بينما حسمت إسبانيا الفوز بسهولة.
كان تأثير ماتيو فورياً وحاسماً، وامتدّ إلى ما هو أبعد من الهدف نفسه. فقد غيّرت حركته ورؤيته وقدرته الفائقة على إيصال الأفكار التكتيكية المعقدة لزملائه دون أن ينطق بكلمة واحدة مجرى المباراة. لقد كان قوة صامتة، وحضوراً لا يُنكر.
عندما أُطلقت صافرة النهاية، مؤكدة استمرار تقدم إسبانيا نحو كأس العالم في البرازيل، كانت الاحتفالات فورية وصادقة.
احتضن اللاعبون بعضهم بفرحة غامرة، مدركين أن هذه النتيجة لم تقتصر على حصد ثلاث نقاط حاسمة فحسب، بل عرّفت العالم بموهبة واعدة تُبشّر بعهد جديد. وانضم ماتيو إلى الاحتفالات، وابتسامته عريضة، وعيناه تعكسان رضا عميقاً بتحقيق حلمه.
أُجريت مقابلة ماتيو بعد المباراة من خلال سارة، كالعادة، لكن الأسئلة تطورت بشكل كبير، مما يعكس وضعه الجديد كهداف دولي.
تهافت الصحفيون من جميع أنحاء أوروبا لإلقاء نظرة خاطفة على عقل الظاهرة التي شهدوها للتو - الشاب البالغ من العمر ستة عشر عاماً الذي أعلن عن نفسه على الساحة العالمية بهدف سيبقى في الذاكرة لعقود.
سأل أحد الصحفيين باللغة الإسبانية "ما هو شعورك بتسجيل هدف في أول مباراة دولية لك؟" فهم ماتيو السؤال تماماً. تحركت يداه بانسيابية متقنة، مشكلاً إشارات ترجمتها سارة إلى لغة إسبانية واضحة ومفهومة لوسائل الإعلام المنتظرة.
"أشعر وكأن حلماً قد تحقق. تمثيل إسبانيا، وتسجيل هدف لبلدي، والمساهمة في تأهلنا لكأس العالم - كل هذا حلم راودني منذ أن كنت في السادسة من عمري، ألعب الكرة في فناء المنزل. جاء الهدف من ركلة ركنية، مما يدل على أن الأمر يتعلق بالعمل الجماعي، وليس بالتألق الفردي. ولكن هذه مجرد البداية. أريد أن أحجز مكاني في هذا الفريق من خلال الأداء المستمر، وليس مجرد لحظة عابرة."
رغم أن كلماته نُقلت عبر سارة إلا أنها حملت صدقاً لا يمكن إنكاره، وارتباطاً عميقاً بتطلعاته الأولى.
عندما سُئل عن ضغط كونه أصغر لاعب يشارك لأول مرة مع المنتخب الإسباني ويسجل هدفاً، أجاب بثقة هادئة. ترجمت سارة:
"لا أشعر بالضغط، بل أشعر بالفخر. ارتداء هذا القميص، واللعب إلى جانب هؤلاء الأساطير، وتمثيلي لبلدي، شرف لن أنساه أبداً. الضغط ينبع من رغبتي في أن أكون جديراً بهذه الفرصة، وأن أثبت نفسي كل يوم."
كان رباطة جأشه حتى في خضم هذا الكم الهائل من الاهتمام، أمراً لافتاً.
كان المؤتمر الصحفي الذي عقده ديل بوسكي بعد المباراة بمثابة درس نموذجي في الثناء المدروس والتخطيط الذكي للمستقبل. وقال بصوت حازم مليء بالثقة "ما أظهره ماتيو الليلة لم يكن مجرد قدرة فنية، بل القوة الذهنية اللازمة للأداء على أعلى مستوى."
كان الهدف مذهلاً، لكن أكثر ما أثار إعجابي هو هدوؤه، وفهمه متى يخاطر ومتى يحافظ على الاستحواذ.
تحدث عن دور ماتيو المستقبلي في الفريق بتفاؤل وواقعية في آنٍ واحد "يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، ما يعني أن أمامه متسعاً من الوقت للتطور والنمو حتى يصل إلى هذا المستوى. ولكن موهبة كهذه لا تظهر كثيراً، وسنواصل منحه الفرص ليثبت أن ما حدث الليلة لم يكن مجرد لحظة إلهام، بل كان مؤشراً على مستقبل واعد." كانت كلماته بمثابة تأييد قوي، وإشارة واضحة إلى الثقة التي تُمنح لهذا اللاعب الشاب.
كانت رحلة العودة إلى فندق الفريق مليئة بالتهاني والمزاح اللطيف من زملائه الجدد. إنييستا الذي سرعان ما أصبح بمثابة مرشد له خلال معسكر المنتخب الوطني القصير، قدّم له كلمات سيحتفظ بها ماتيو في ذاكرته إلى الأبد.
قال أسطورة برشلونة بالإسبانية، بنبرة هادئة تنمّ عن إجلال "هذا الهدف ذكّرني لماذا عشقت كرة القدم. مهارة فنية خالصة، وتوقيت مثالي، وشجاعة لمحاولة تقديم شيء مذهل عندما يتطلب الأمر ذلك. وهذا ما يميّز اللاعبين الجيدين عن العظماء." أدرك ماتيو عمق الإطراء، فتلألأت عيناه.
اقترب سيرجيو راموس، قائد الفريق، وربت على كتف ماتيو بحزم. وقال ببساطة، بكلمات إسبانية تحمل في طياتها ثقل القبول "أهلاً بك في العائلة. لقد استحققت مكانك هنا الليلة، ولكن تذكر أن هذا الاستحقاق ليس سوى الخطوة الأولى. عليك الآن أن تثبت جدارتك بهذا المستوى." نظر ماتيو إليه، في وعد صامت بمواصلة السعي، والوفاء بالثقة التي مُنحت له.
بينما كان ماتيو مستلقياً على سريره في الفندق تلك الليلة، يحدق في السقف، والأدرينالين يتلاشى ببطء، حاول استيعاب حجم ما حدث.
لقد مثّل بلاده بشرف، وساهم في تحقيق نصر حاسم، وأعلن عن نفسه كلاعب قادر على الأداء على أعلى مستوى في كرة القدم الدولية.
وقدّم النظام، الحاضر دائماً، تقييمه النهائي:
"اكتمل تحليل الأداء. الظهور الدولي الأول: ناجح. الهدف المُسجل: رائع. الاندماج مع الفريق: إيجابي. التقييم: نجح اللاعب في الانتقال إلى المستوى الدولي." أكدت البيانات هذا الانتصار، لكنّ التأثير العاطفي هو ما غمره حقاً.
لكن ربما كانت اللحظة الأكثر تأثيراً هي تلك التي حدثت في غرفة الملابس بعد المباراة، عندما اتصل بـ "كاسا دي لوس نينوس". دموع الفرح التي انهمرت من عيني الأخت ماريا إيلينا، وفخر دون كارلوس العارم، وحماس إيلينا المُعدي - كانت هذه هي ردود الفعل الأكثر أهمية، والتأكيد على أن هذا النجاح لم يكن ملكاً له وحده، بل لكل من آمن بالفتى الصامت صاحب الأحلام المستحيلة.
لقد فهم كلماتهم الإسبانية التي تعبر عن الحب والفخر، وشعر بفرحتهم كما لو كانوا موجودين معه.
سيحمل الغد تحديات جديدة، وتوقعات جديدة، وفرصاً جديدة لإثبات أن هذا الظهور الأول لم يكن سوى بداية لشيء مميز حقاً.
لكن في تلك الليلة، وفي عزلته الهادئة في غرفته بالفندق في هلسنكي كان ماتيو ألفاريز مجرد فتى في السادسة عشرة من عمره، سجل للتو هدفه الأول مع إسبانيا، محققاً حلماً راوده منذ أن كان في السادسة من عمره. العالم الذي كان في السابق مكاناً مليئاً بالغموض، بدا الآن مليئاً بإمكانيات لا حصر لها.
لقد أصبح الحلم الفنلندي حقيقة واقعة في إسبانيا، وأعلن الصبي من كاسا دي لوس نينوس عن نفسه للعالم بأكثر الطرق إثارة للدهشة.
لم تنته الرحلة بعد، لكن هذه الليلة ستُذكر كلحظة ميلاد نجم حقيقي على الساحة الدولية، عبقري صامت تتحدث أفعاله بصوت أعلى من أي كلمات، وحلمه الذي كان في يوم من الأيام همسة طفولة، قد انبعث إلى الحياة في وهج من المجد الأحمر.