**الفصل 86 - لين جيو لاو: فجر الصقيع**
يا له من نصلٍ فذّ! و لم يسع "يي بيتشي " إلا أن يتنهد إعجاباً.
لا أحد يعلم من ذا الذي صاغ هذا السيف ، فرغم أنه يشبه سيف "الزانماداو " (سيف قطع الخيول) في هيئته إلا أنه كان أضخم بكثير من أي سيفٍ عادي ؛ فنصله وحده يتجاوز طوله خمس "تشي " (وحدات قياس صينية)!
لم يكن للسيف غمدٌ ، بل كان مُعلقاً ببساطة على ظهر ذلك الرجل المهيب. أما مقبضه فقد نُقش بدقة متناهية ، متخذاً شكل تنينٍ ذي مخالب خمسة يلتف حول عمود ؛ حيث بدت شوارب التنين وحراشفه ومخالبه وذيله بوضوح تام ، مما أضفى عليه فخامة لا تُنقص من كفاءته القتالية.
لكن أكثر ما يثير الذهول في هذا السيف هو نصله الأسود الفاحم الخالي من أي زينة. حيث كانت أضواء الفوانيس تنعكس على حافته كلما تحرك الرجل ، مما يُنبئ بحدةٍ استثنائية. حيث كان عرض الشفرة يضاهي عرض كفين ، وسمك ظهره يوازي إصبعين ، وهو ما يوحي بأن هذا السلاح ثقيلٌ للغاية ويتطلب مهارة فائقة للتحكم به.
ضيّق "يي بيتشي " عينيه وهو يتفحص السيف بدقة ، ذاك السيف الذي يمكن القول إنه يجسد هيبة كل السيوف.
دفع الرجل المهيب الباب ، وسار مباشرة نحو "تشي زونغبي " ثم ضم يديه محيياً "يا سيدي عليك التوجه إلى غرفتك الآن. "
قطب "تشي زونغبي " حاجبيه ؛ فقد كان غارقاً في وثائقه حين قاطعه الرجل. فرك جبهته وسأل "أيُّ وقتٍ هذا ؟ "
ابتسم الرجل المهيب ، وبدا وكأنه يتسلى بأمر ما "لقد اقتربت ساعة الـ(هاي). "
"ألم تحن ساعة الـ(هاي) بعد ؟ " سأل "تشي زونغبي " باستغراب وهو ينظر إلى الرجل المهيب. "عادةً لا أنام إلا في ساعة الـ(زي)... لماذا تزعجني في ساعة الـ(هاي) ؟ "
لم يكترث الرجل المهيب لما إذا كان الوزير غاضباً أم لا ، بل اكتفى بضحكة خفيفة "لأنك إن لم تذهب سريعاً ، فلن يتمكن الشخص الموجود فوق السقف من كبح نفسه أكثر من ذلك. "
"همم ؟! " تغيرت تعابير "تشي زونغبي " على الفور والتفت لينظر نحو السقف ، حيث كان خيطٌ من ضوء القمر يتسلل عبر فجوة بين القرميد.
تغيرت ملامح "يي بيتشي " فجأة ، ودون تفكير سحب رأسه مبتعداً بحركة بهلوانية ؛ فقد أدرك أن أمراً ما قد ساء حين نطق الرجل بتلك الكلمات.
بقي "يي بيتشي " فوق السقف يُنظّم أنفاسه بهدوء ، متسائلاً في صمت عن كيفية اكتشافه. و لقد كان مهملاً ، ولم يتوقع أن يمتلك الوزير شخصاً بهذه المهارة إلى جانبه. وبينما كان مشتت الذهن أمام جمال السيف ، نسي لا إرادياً إخفاء أنفاسه ؛ فلا بد أن ذلك الشخص قد كشف أمره في تلك اللحظة ، لكنه لم يفضحه خوفاً على سلامة "تشي زونغبي ".
وبينما كان "يي بيتشي " ما زال غارقاً في أفكاره ، دوّى صوت الرجل المهيب من الأسفل "الجو عاصفٌ فوق السقف ، لِمَ لا تنزل لتتحفنا بحديثك ؟ "
عند سماع ذلك رمش "يي بيتشي " بعينيه وفرّ مسرعاً عبر السقف دون التفات.
جاءت من داخل الغرفة "همهمة " باردة "لقد جئتَ كل هذه المسافة ، فلماذا ترحل ؟ "
*بااانج!*
بمجرد أن أنهى الرجل المهيب حديثه قد سمع "يي بيتشي " صوت تحطم السقف تحته. وما إن قفز "يي بيتشي " عن حافة السقف حتى سمع صوتاً خلفه ، وحين التفت ، كاد قلبه يتوقف!
كان سيف "زانماداو " أسود فاحم يشق الهواء ، وفي طريقه ليمزق ظهره!
في تلك اللحظة الحرجة ، استجمع "يي بيتشي " طاقته (التشي) بسرعة ، والتف في الهواء ، ثم هبط بجسده نحو الأرض ليتفادى الشفرة بأعجوبة!
"هاها! رائع ، رائع حقاً. "
في تلك اللحظة ، غادر الرجل المهيب و "تشي زونغبي " غرفة المكتب. صفق الرجل بيديه ضاحكاً ، بينما وقف "تشي زونغبي " خلفه ، وكلاهما يحدقان في "يي بيتشي ".
"كانت مراوغتك انسيابية كجريان الماء ، وقدرتك على اتخاذ القرار سريعة في مثل هذا الموقف... أيها السيد ، لا بد أنك لست شخصاً مجهولاً. "
وقف "يي بيتشي " ثابتاً ، ينفض الغبار عن كُمّيه الذي علق به أثناء تربصه فوق السقف ، متجاهلاً الرجل المهيب.
لم يغضب الرجل المهيب من عدم تلقيه رداً ، بل سار ببطء نحو الجانب وانتزع سيف "الزانماداو " المغروس في الأرض. وزن الرجل السيف الضخم بيده ثم قال "اسمح لي أن أقدم نفسي ، أنا عضو في رابطة (غوست باين). "
ثم ضم يديه محيياً "يي بيتشي " "فجر الصقيع ، لين جيو لاو. "
اتسعت حدقتا "يي بيتشي " فجأة. مثل هذا اللقب لا يعني إلا شيئاً واحداً... هذا الرجل هو "متسلسل أصل ".
نظر "لين جيو لاو " إلى "يي بيتشي " وكأنه ينتظر منه أن يعرّف عن نفسه بدوره. و لكن "يي بيتشي " اكتفى بخفض رأسه قليلاً ، ووقف صامتاً غارقاً في تفكيره.
تحدث "لين جيو لاو " مجدداً "أيها السيد ؟ إن تصرفك هذا يفتقر إلى اللباقة... "
فجأة ، تحرك "يي بيتشي " واختفى من مكانه!
كان "تشي زونغبي " يراقب بحذر من خلف المقاتل ، وحين رأى "يي بيتشي " يختفي تملكه شعور مفاجئ باليقظة والتفت فوراً. لم يرَ سوى حافة نصل تلوح في أفق بصره ، وعيني "يي بيتشي " الباردتين الخاليتين من المشاعر!
في تلك اللحظة ، شعر "تشي زونغبي " وكأن الزمن قد تجمّد. حيث كان بوسعه بوضوح سماع صوت لهثاته ، وصوت شق الهواء الذي أحدثه السيف. اقترب الشفرة حثيثاً ، تاركاً خلفه صوراً باهتة تتجه نحو عنقه.
هل... هل سأموت ؟
"متغطرس! " صرخة مدوية أيقظت "تشي زونغبي " من ذهوله. وفوراً ، حملته قوة هائلة في الهواء ، فطار وكأنه يمتطي سحابة ، ليسقط على مقعدته بصوت مسموع.
*كلانغ!*
رن صوت اصطدام المعدن في أرجاء الليل.
نظر "تشي زونغبي " من مكانه على الأرض ، فرأى "لين جيو لاو " يمسك سيفه الضخم بقبضة عكسية ليحمي ذراعه. و لقد اصطدمت الضربة المفاجئة بظهر السيف الأسود ، لكن الشفرة السميك لم تظهر عليه أي علامة تذكر من أثر الضربة.
تتفاجأ "يي بيتشي " أيضاً بأن ضربته لم تُكلل بالنجاح ؛ فقد كان قد ركز انتباهه ببالغ الدقة ، منتظراً اللحظة التي يبتعد فيها "لين جيو لاو " عن "تشي زونغبي " لاستعادة سيفه. دفع "يي بيتشي " طاقته الداخلية إلى أقصى حدودها ، واستخدم حركة خاطفة لتوجيه ضربة قاضية ، لكنه أُحبط بشكل غير متوقع.
رغم علمه المسبق بقوة "لين جيو لاو " إلا أنه لم يتوقع أن يكون بهذه الضراوة. و في تلك اللحظة كان كلاهما منخرطاً في معركة ، فلم يكن لدى "يي بيتشي " وقت للتفكير في أي شيء آخر. ثم ضغط بسيفه (التاغ) على الـ "زانماداو " فتطاير الشرر.
لم يستطع "لين جيو لاو " مقاومة تلك القوة بقبضته العكسية الارتجالية ، فتراجع دون تردد لتخفيف الضغط عن السيف ، ثم عدّل قبضته لتصبح قياسية.
لم ينوِ "يي بيتشي " منحه لحظة لالتقاط أنفاسه ؛ ففي اللحظة التي تراجع فيها "لين جيو لاو " انحنى "يي بيتشي " قليلاً ، وأغمد سيفه عند خصره الأيسر بينما كان يقبض بإحكام على المقبض بيده اليمنى.
تفاقمت نية السيف!
وبمجرد أن استعد "لين جيو لاو " بقبضته الصحيحة ، تحرك "يي بيتشي " في لمح البصر!
خطوة للأمام! ضربة للأمام!
تألق السيف ببريق خاطف. لم يتمالك "تشي زونغبي " نفسه إلا أن ضيّق عينيه ؛ فقد كان الإشعاع في تلك اللحظة مبهراً حقاً. ابتلع ريقه لا إرادياً ، ورغم كونه الهدف الحقيقي للمغتال إلا أنه لم يملك إلا أن يُشيد بهذه الضربة. فلم يكن لديه أدنى فكرة عما إذا كان "لين جيو لاو " سينجو من ضربة كهذه.
ومع تلاشي البريق تدريجياً ، نظر "تشي زونغبي " بقلق ، ثم أطلق زفرة طويلة من صدره... كان "لين جيو لاو " ما زال واقفاً هناك دون أذى.
وقف "لين جيو لاو " شامخاً أمام "يي بيتشي ". كانت ثيابه مفتوحة عند الخصر ، كاشفة عن عضلات بطن بارزة. وعلى الأرض كانت تقبع كتلة مربعة من الحديد بقطع أملس ناتج عن ضربة "يي بيتشي " السابقة.
كان الجزء الآخر من كتلة الحديد ما زال مربوطاً بجسد "لين جيو لاو ". لقد كان القطع الأملس مرآة دقيقة للقطعة التي انشطرت على الأرض ، وهي عبارة عن ثقل تدريبي كان "لين جيو لاو " يعتاد على حمله.
قطب "يي بيتشي " حاجبيه وهو ينظر إلى كتلة الحديد على الأرض ، ثم إلى "لين جيو لاو ".
في تلك اللحظة ، اتسعت عينا "لين جيو لاو " وارتجف إصبعه بشكل لا إرادي وهو يشير نحو "يي بيتشي " وقد ملأ عينيه حماسٌ محموم وجنون مشوه وهو يحدق فيه.
"هذا السيف... وتقنية السيف هذه... إنه أنت... لا بد أنك أنت... "
"لا بد أنك أنت... يا قاهر العواصف ، يي بيتشي!!! " زأر "لين جيو لاو " وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر وكأنهما غارقتا بالدم. ثم أخذ نفساً عميقاً ، ورفع رأسه "طالما قتلتك... طالما قتلتك... "
أعاد "لين جيو لاو " نظره فجأة ، وعيناه المعتوهتان مسلطتان تماماً على "يي بيتشي "!
"طالما قتلتك... سأصبح أعظم سياف في العالم أجمع! "