بيدَ أنَّ هذا المنجمَ لم يكن سوى "منجمٍ للأموات " ؛ ففي أعماقِ ممراته كانتِ التوابيتُ مبعثرةً في كلِّ حدبٍ وصوب ، تنضحُ بهالةٍ من الموتِ والتحلل.
التفتَ "مو هوا " ليرمقَ المدخلَ ؛ كانتْ هناك صخرةٌ طبيعيةٌ ضخمةٌ تعملُ كبوابةٍ ، تلتفُّ فى الجوار سلاسلُ غليظةٌ ممتدةٌ إلى مِدوَرٍ حديديٍّ ضخم. وبجانبِ ذلك المِدوَر ، انتصبَ جثمانانِ حديديانِ فارعا الطول ، وهما مَن قاما ، تحتَ سطوةِ "جرسِ التحكمِ في الجثث " الأسود ، بدفعِ المِدوَرِ وسحبِ السلاسلِ لرفعِ البوابةِ الحجريةِ الهائلة.
عقدَ "مو هوا " حاجبيهِ بوجومٍ ؛ فبرغمِ ضخامةِ الصخرةِ وثقلِها ، استطاعَ هذانِ الجثمانانِ رفعَها ، ممَّا يدلُّ على أنَّ قوتَهما الجسديهَ كانتْ جبارةً ، وبالتالي فإنَّ خطرَهما القاتلَ بليغٌ للغاية. ومع ذلك استخدمَ "لو تشنج يون " مثلَ هذينِ الجثمانينِ القويِ لمجردِ فتحِ البوابة! هل كان ذلك لكثرةِ الجثثِ الحديديةِ داخلَ المنجمِ لدرجةِ الاستغناءِ عنهما في القتال ؟ أم لأنَّ هذه البوابةَ كانتْ تمثلُ أهميةً قصوى ؟ فما وراءَها يُعدُّ منطقةً محظورةً ، يُمنعُ على الغرباءِ دخولُها أو اكتشافُ أسرارِها أو التسللُ إليها بأيِّ حالٍ من الأحوال.
وبعدَ أنْ ولجَ القومُ إلى داخلِ المنجم ، هزَّ "لو تشنج يون " الجرسَ مرةً أخرى ، فشرعَ الجثمانانِ ، طوعَ أمرِه ، في تدويرِ المِدوَرِ عكسياً. ومن خلفِ "مو هوا " ووسطَ صريرِ السلاسلِ الحديديةِ ، هبطتِ البوابةُ الحجريةُ ببطءٍ ، لتفصلَ الداخلَ عن الخارجِ تماماً حتى إنَّ ضوءَ القمرِ الباردَ لم يجدْ سبيلاً لهذا المنجمِ الساكن. وهكذا ، حُبسَ "مو هوا " داخلَ ذلك الممرِّ المظلمِ الصامت.
أشعلَ أحدُ شيوخِ عائلة "لو " فانوساً ، فتبدَّدَ سوادُ المنجمِ قليلاً بضوءٍ أصفرَ خافت ، انعكسَ على وجهِ "لو تشنج يون " ليجعلَه يبدو متذبذباً وغيرَ واضحِ المعالم. و نظرَ الأخيرُ إلى "مو هوا " وفي عينيهِ طموحٌ خبيثٌ وصوتٌ يرتجفُ من شدةِ الحماس:
"أيها السيدُ الصغير ، هذا المنجمُ هو ثمرةُ كفاحي ، وهو المشروعُ العظيمُ لعائلة 'لو '! "
شعرَ "مو هوا " بالصدمةِ ، لكنه ظلَّ مقطبَ الجبينِ وسأل:
"يا رئيسَ عائلة 'لو ' ، ما الذي تريدُ مني مساعدتَكَ فيهِ تحديداً ؟ "
أجابَ "لو تشنج يون " بابتسامةٍ باهتة "لا تستعجلِ الأمر ، فلنلتقِ بصديقٍ قديمٍ أولاً. "
"صديقٌ قديم ؟ "
تقدمَ شيخُ عائلة "لو " حاملاً فانوسَه ليشقَّ الطريق ، وأتبعَه "مو هوا " و "لو تشنج يون " عبرَ دهاليزِ المنجمِ المظلمةِ بخطىً وئيدة حتى يصلوا إلى كهفٍ له بابٌ نُقشتْ عليه طبقاتٌ من "أنماط المصفوفات " الغامضة التي بدتْ تحتَ ضوءِ الفانوسِ وكأنها مصبوغةٌ بلونِ الدم. و أدركَ "مو هوا " على الفورِ أنها "تشكيلةٌ شريرة ".
أخرجَ "لو تشنج يون " تعويذةً حجريةً ، وضعَها في القفلِ لتعطيلِ التشكيلة ، ثم دفعَ شيخُ العائلةِ البابَ الحجريَّ ليدخلَ الجميع. حيث كان الكهفُ من الداخلِ أكثرَ إشراقاً ، ويضمُّ غرفاً حجريةً عديدةً زُينتْ كلٌّ منها بـ "تشكيلة النار الساطعة ". كما كان هناك "مزارعون " يرتدون أثواباً رماديةً ، شاحبي الوجوهِ ، تفوحُ منهم رائحةُ "تشي الجثث " ويبدو أنهم جميعاً من مزارعي الجثث.
بمجردِ رؤيتِهم لـ "لو تشنج يون " انحنوا جميعاً إجلالاً له ، فأومأَ برأسِهِ قليلاً وواصلَ قيادةَ "مو هوا " إلى قاعةٍ واسعةٍ في الداخل. و في مركزِ القاعةِ وضعتْ طاولةٌ حجريةٌ نُحتتْ ببراعةٍ وإتقان ، وحولَها أثاثٌ اختيرَ بعنايةٍ من جماجمَ وعظامٍ ومساميرَ توابيت ، تفوحُ منها جماليةٌ كئيبةٌ ومميتة.
كانتِ القاعةُ موحشةً تحيطُ بها التوابيت ، وفي وسطِها جلسَ مزارعٌ هازلُ الجسدِ تملؤُه الندوب ، وبدا جلياً أنَّ جراحَه لم تندملْ بعد ، وبشرتُه كانتْ شاحبةً مصفرة. و لقد كان "تشانغ كوان " ؛ وبالفعلِ كان هو "الصديق القديم " لـ "مو هوا ".
حدَّثَ "مو هوا " نفسَه قائلاً "كما توقعتُ تماماً ". لم يمتْ "تشانغ كوان "! فالحيةُ لا تموتُ وذيلُها ما يزالُ يضطرب ؛ فقد استشعرَ "مو هوا " أنَّ رجلاً مثلَه لن يلقى حتفَه بسهولة ، خاصةً وأنَّ عائلةَ "تشانغ " تمتلكُ إرثاً وخبرةً متوارثةً في "تقنيات تنقية الجثث " وهو ما يمثلُ لـ "لو تشنج يون " موهبةً نادرةً لن يسمحَ بضياعِها سُدى.
عندَ رؤيةِ "لو تشنج يون " نهضَ "تشانغ كوان " وانحنى باحترامٍ جمٍّ وتواضعٍ شديد. وبينما كان يهمُّ بالحديثِ بعدَ الانتهاءِ من سلامِه ، تراقصَ لهبُ النارِ في القاعة ، ولمحَ بطرفِ عينِهِ ذلك الصغيرَ "مو هوا " واقفاً بجانبِ "لو تشنج يون ".
ظنَّ للحظةٍ أنَّ بصرَه قد خانَه ، فرمشَ بعينيهِ مراراً ، وما إنْ استيقنَ من وجهِ "مو هوا " الصغيرِ حتى جحظتْ عيناهُ غضباً. أشارَ إليهِ بإصبعٍ ترتجفُ قائلاً "يا رئيسَ عائلة 'لو '.. هذا… "
قاطعَه "لو تشنج يون " مُعرفاً "هذا السيدُ الصغيرُ هو خبيرُ تشكيلاتٍ بارعٌ يُدعى 'مو هوا '. "
لم يكن "تشانغ كوان " بحاجةٍ لتعريفٍ ؛ فملامحُ "مو هوا " وكلُّ ابتسامةٍ منهُ كانتْ كالميسمِ المحميِّ الذي كُويَ بهِ وعيُه ، ومجردُ ذكراهُ كانتْ تثيرُ في نفسِهِ مزيجاً معذباً من الحنقِ والألم. و لقد كان طموحُه في النصفِ الأولِ من حياتهِ هو تنقيةَ جثةٍ لا تُقهر ، وفي النصفِ الآخرِ أنْ تجعلَ تلك الجثةُ "مو هوا " طعاماً لها.
قضى "تشانغ كوان " أيامَه في هذا المخبأِ لا يفكرُ إلا في قتلِ "مو هوا " ولم يخطرْ ببالِه أبداً حتى في أكثرِ أحلامِهِ شططاً ، أنه سيراهُ حياً يرزقُ أمامهُ في منجمِ الجثثِ هذا. لم يستطعْ كبحَ جماحِ نفسِهِ ، فحدقَ فيهِ بغيظٍ شديد ، مستعداً للانقضاضِ عليهِ وقتلِه في مكانِه.
استشعرَ "مو هوا " نيةَ القتلِ الصادرةَ من "تشانغ كوان " فاحتمى على الفورِ بظهرِ "لو تشنج يون " مخرجاً رأسَه الصغيرَ بوقاحةٍ ومخرجاً لسانَه لغيظِه. كادَ "تشانغ كوان " أنْ يُغشى عليهِ من شدةِ الحنق ، وفقدَ صوابَه ولم يعدْ يطيقُ صبراً ، فوجهَ ضربةً بكفِّهِ نحو "مو هوا ". كانتِ الضربةُ قويةً مشحونةً بالطاقةِ الروحيةِ الجسديهِ ، قاصداً بها إزهاقَ روحِ الصغير.
إلا أنَّ هذه الضربةَ ، وهي في منتصفِ طريقِها ، اعترضَها "لو تشنج يون " وصَدَّها.
"الأخ 'تشانغ ' ، لا تكنْ مندفعاً. "
كان تعبيرُ "لو تشنج يون " هادئاً ، لكنَّ نبرةَ صوتِه كانتْ باردةً كالثلج. و شعرَ "تشانغ كوان " بالرعبِ فهدأَ أخيراً ، لكنَّ غيظَه لم ينطفئ ، فقالَ بحدة "أيها الرئيس ، هذا الصعلوك… هو… "
قال "لو تشنج يون " ببرود "أعلمُ أنَّ بينكما ضغائن ، ولكنَّ ذلك صارَ من الماضي… "
ردَّ "تشانغ كوان " بعدمِ تصديق "ولماذا ؟ "
أجابَ "لو تشنج يون " بتمهل "لأنَّ مشروعَنا العظيمَ يتطلبُ مساعدةَ هذا السيدِ الصغير ، فالسيد 'مو ' الآن هو ضيفُنا المكرم ، ولا يجوزُ التعرضُ له. "
أومأَ "مو هوا " برأسِهِ مؤيداً وأضاف "بالضبط! بالضبط! "
استشاطَ "تشانغ كوان " غضباً ، لكنه ظلَّ عاجزاً عن فعلِ شيء. و نظرَ إلى "لو تشنج يون " الذي كان وجهُه بارداً ومنفصلاً عن الأحداث ، ثم نظرَ إلى "مو هوا " بنظراتٍ تملؤها الضغينةُ المكبوتة. وبعد برهةٍ ، تلونَ وجهُه باللونِ الأحمرِ ثم شحب ، واصطكتْ أسنانُه وهو يقول:
"حسناً ، سأتركُ الأمرَ يمضي! "
ثم أردفَ مشيراً إلى "مو هوا " "ولكنْ عليهِ أنْ يُعيدَ ما سرقَه مني! "
تظاهرَ "مو هوا " بالجهلِ قائلاً "لا أذكرُ أنني سرقتُ منك شيئاً. "
صاحَ "تشانغ كوان " وهو يتحرقُ شوقاً للانتقام "أغراضُ المذبح! "
"أوه " رمشَ "مو هوا " بعينيه "تلك الأشياءُ كانتْ لك ؟ رأيتُ أنه لا أحدَ يريدُها فأخذتُها ؛ فحتى لو كانتْ نفاياتٍ ، لا ينبغي إهدارُها ، أليس كذلك ؟ "
انحبستِ الأنفاسُ في صدرِ "تشانغ كوان " وعجزَ عن النطق.
قال "لو تشنج يون " بنفاذِ صبرٍ طفيف "أيها السيدُ الصغير ، كفَّ عن استفزازِه. "
فسكتَ "مو هوا ". تنهدَ "لو تشنج يون " وتابع "يبدو أنه مجردُ سوءِ تفاهم ، لمَ لا تُعيدُ الأشياءَ لصاحبِها وننسى ما فات ؟ ما قولُك أيها السيدُ الصغير ؟ "
ترددَ "مو هوا " لحظةً ، ثم هزَّ رأسَه وقال لـ "تشانغ كوان " "حسناً ، سأفعلُ ذلك إكراماً لرئيسِ عائلة 'لو '. "
بدأ "مو هوا " يفتشُ في حقيبةِ تخزينِه حتى وجدَ أجزاءَ "جرسِ التحكمِ في الجثث " مفككةً ومبعثرةً في ركنٍ من أركانِ الحقيبة. فبعدَ أنْ فككتْه أختُه الصغرى لم يُعدْ تركيبَه أبداً ، ولعدمِ وجودِ "أنماطِ تشكيلاتٍ " جيدةٍ بداخلِه ، نسيه تماماً.
أخرجَ "مو هوا " شظايا الجرس ، وبصوتِ خشخشةٍ ، قدمَها بكلتا يديهِ ونثرَها على الطاولة. ذُهل "تشانغ كوان " من هولِ المشهد "هذا… هو جرسي للتحكمِ في الجثث ؟ "
كان الحبلُ الدمويُّ ، والأنماطُ الغريبةُ ، وجسدُ الجرسِ ، واللسانُ.. كلُّها مفككةً كما لو أنَّ الجرسَ قد "عُذِّبَ وقُطِّعَ إرباً ".
صرخَ "تشانغ كوان " في وجهِ "مو هوا " "لماذا فككتَه ؟ "
فكرَ "مو هوا " في نفسِه أنَّ أختَه هي من فعلتْ ذلك لكنَّ فعلَها كفعلِه تماماً ، فقال "وجدتُه مستمتعاً ، ففككتُه لأدرسَه قليلاً… "
شعر "تشانغ كوان " بخدرٍ يسري في رأسِه ، وبعد فترةٍ استجمعَ قواه وقال كلمةً بكلمة "و… صورةُ السيدِ الجد! "
عندَ سماعِ ذلك تشنجتْ ملامحُ "لو تشنج يون " أيضاً ، وظهرتْ في عينيهِ لمحةٌ من الرغبة. حيث كان "مو هوا " متردداً ، لكنه علمَ أنه لا يمكنُه إفسادُ المخططِ الأكبرِ الآن ، فأخرجَ بتمهلٍ لفافةَ "صورةِ السيد الجد ".
شعرَ "تشانغ كوان " بمزيجٍ من الذنبِ والنشوة ؛ الذنبُ لأنه أضاعَ صورةَ سلفِهِ في لحظةِ إهمالٍ ممَّا ألحقَ العارَ بأسلافِه ، والنشوةُ لأنه استعادَ ما فُقدَ وسيقدرُ أخيراً على تهدئةِ أرواحِ أجدادِه في السماء. اختطفَ "تشانغ كوان " الصورةَ فوراً ، وبسطَها ليفحصَها ، فارتسمتْ على وجهِهِ ابتسامةٌ عريضةٌ ؛ فهي بلا شك صورةُ سيدِهِ الجد.
ولكنْ مع استمرارِ نظرِه ، تجمدتِ الابتسامةُ على وجهِه. ثمةَ خطبٌ ما… لماذا يبدو عددُ الأشخاصِ في الصورةِ أقلَّ ممَّا كان عليه ؟ أين هم ؟ وإلى أين ذهبوا ؟
نظرَ "تشانغ كوان " إلى "مو هوا " بذهول "أين أسلافُ عائلة 'تشانغ ' ؟ "
أشارَ "مو هوا " إلى الصورةِ بين يديهِ قائلاً "أليسوا جالسينَ هناك في الصورة ؟ "
صاحَ "تشانغ كوان " غاضباً "لماذا نقصَ عددُهم ؟ "
هزَّ "مو هوا " كتفيهِ قائلاً "وكيف لي أنْ أعرف ؟ "
ألحَّ "تشانغ كوان " بغيظ "لقد كانتِ الصورةُ بين يديك ، كيف لا تعرف ؟ "
فكرَ "مو هوا " لبرهةٍ ثم قال "ربما ذهبوا في زيارة… "
فغرف "تشانغ كوان " فاهُ دهشةً "زيارة… زيارة ؟ "
"أجل " أومأَ "مو هوا " برأسِه كأنَّ الأمرَ بديهيٌّ "بعد بقائهم في مكانِهم لفترةٍ طويلة ، لا بدَّ أنهم رغبوا في التحركِ قليلاً ، أليس كذلك ؟ "
وتابعَ قائلاً "كلُّ ما في الأمرِ أنَّ عالمَ الزراعة مليءٌ بالمخاطر ، ومَن يخرجُ للزيارةِ قد لا يعود ؛ فربما صادفوا خطراً وافترسَهم 'شيءٌ خبيث ' ما.. هذا أمرٌ واردٌ جداً… "