رغم أن تلك الكلمات قيلت بنبرة خافتة إلا أنها بلغت مسامع "مو هوا " بوضوح.
قطب "مو هوا " جبينه حين سمعها وهو متوارٍ في الزاوية ، وأخذ يتساءل: ماذا يعني هذا ؟ هل تناهى إلى مسامع "ياما الماء " أمرٌ ما مسبقاً ؟ ولكن ، هل يعقل أنه لم يصدق الأمر تماماً ، ولذلك لم يتخذ احتياطات إضافية ؟ ومن تراه أخبره بذلك ؟
بينما كان "مو هوا " غارقاً في تفكيره كان "ياما الماء " قد نهض بالفعل متوجهاً إلى الحجرة الحجرية القابعة داخل القاعة. حيث فكر "مو هوا " للحظة ، ثم تبعه في صمت مطبق. وبناءً على خبرته كان من المرجح أن "ياما الماء " يجمع أمتعته استعداداً للفرار ؛ فمع وقوف مسؤولي محكمة الـ "داو " على الأعتاب واقتراب الكارثة ، فإن الأشياء التي سيحزمها ستكون بلا شك كنوزاً حيوية لا يقدر ثمنها بحياته.
تبع "مو هوا " خُطى "ياما الماء " إلى داخل الحجرة الحجرية ، حيث كانت توجد غرفة سرية. وأمام ناظري "مو هوا " فتح "ياما الماء " باب تلك الغرفة ودلف إليها. ولعله بسبب مواجهته لعدو شرس كان "ياما الماء " مضطرباً بعض الشيء ، فلم يلحظ "مو هوا " الذي كان يقتفي أثره بهدوء.
بمجرد دخوله الغرفة السرية ، أصاب "مو هوا " ذهول طفيف ؛ فقد كانت هذه الغرفة مختلفة تماماً عما رسمه في خياله. حيث كان يظن أن الغرفة السرية يجب أن تحتوي على مذبح ، وكل ما كان عليه فعله هو إيجاد طريقة لجعل "ياما الماء " يغادر ، ثم يجلس هو على المذبح ، ليكون الأمر بالنسبة له كمن "يختار ما طاب له من مائدة معدّة ". وبعد ذلك ينتظر العودة إلى الطائفة للاحتفال بصيد ثمين ، وبفضل حسه الإلهيّ ذي الأنماط التسعة عشر ، سيكون قادراً على إحراز تقدم أكبر.
لكن الغرفة السرية التي أمامه خلت من ذلك المذبح المنشود ، بل ولم تكن هناك حتى تماثيل لـ "إله الشر " ؛ لم تكن سوى غرفة سرية بسيطة تُستخدم لتخزين مختلف أحجار الروح ، والحبوب الطبية ، والغنائم.
تملكت "مو هوا " خيبة أمل شديدة ؛ فرغم أن الغرفة ضمت ما نهبه "ياما الماء " على مر السنين من كنوز نفيسة إلا أنها ظلت أدنى بكثير مقارنة بمذبح حقيقي. وبينما كان غارقاً في خيبته ، انقبض بؤبؤا عينيه فجأة ؛ إذ رأى "ياما الماء " يتجاهل الكنوز البراقة التي تملأ المكان ، ويمضي مباشرة نحو أعمق نقطة في الغرفة ، حيث أدار شمعداناً واستخرج صندوقاً من حجرة مخفية في الجدار.
كان الصندوق ملفوفاً بقطعة قماش سوداء ، وفور ظهوره ، انبعثت هالة جليدية ومنفرة ، مشبعة بـ "تشي " الشر ، وانتشرت في الأرجاء.
"ذلك الصندوق... "
خفق قلب "مو هوا " بشدة. أما "ياما الماء " الذي كان دائماً متصلباً وبليد المشاعر ، فقد اعتراه اضطراب شديد فور رؤيته للصندوق ، وبرقت عيناه بإثارة ، بل واهتزت يداه اللتان تمسكان بالصندوق قليلاً. بدا وكأن هذا الصندوق يعادل حياته أهمية.
أزاح "ياما الماء " القماش الأسود بحذر ، لتظهر تحته علبة من اليشم بلون أزرق مائي ، نُقشت عليها بدقة متناهية خريطة "سجن الداو " القاتمة والباردة. جسد المخطط سجناً مليئاً بمختلف أدوات التعذيب ، وكل أداة كانت قيد التشغيل تمزق وتعذب ، وتستنطق الصرخات والتوسلات اليائسة لطلب النجدة. حيث كانت علبة اليشم زرقاء مائية ، لكن المخطط كان أحمر قانياً كدمٍ طازج ، وكأنه يحوي في طياته نية وحشية وهالة شريرة باردة.
سُحر "ياما الماء " بجمالها من النظرة الأولى ، وكأن السجناء في سجن الـ "داو " الذين عُذبوا حتى الموت في يأس مطبق هم أجمل منظر في الوجود. لم يستطع منع نفسه من تحسس علبة اليشم بحنوّ ، وكأنه يودع قطعة من روحه ، قبل أن يتذكر أن الأزمة وشيكة وأن الهروب هو الأولوية القصوى. تفحص "ياما الماء " العلبة مرة أخرى بعناية ، متأكداً من سلامتها وخلوها من أي شائبة حتى اطمأن قلبه. ثم أعاد تغطيتها بالقماش الأسود ، وهمّ بوضعها في حقيبة التخزين الخاصة به...
وفي تلك اللحظة ، سرت قشعريرة باردة في عموده الفقري حتى بلغت رأسه ، واندلعت من خلفه نية قتل شديدة القتامة والضراوة. و شعر "ياما الماء " برعشة تهز روحه.
"ثمة من... يحاول قتلي ؟! "
ومع نزول نذير الموت عليه ، وفي هذه اللحظة الحرجة ، عض على نواجذه حتى أدماها ، دافعاً بكل قوته الروحية إلى أقصى حدودها لتفادي نية القتل القادمة من الخلف ، وفي الوقت نفسه ، لوح بسوطه الطويل بتهور نحو الوراء.
آتت جهوده ثمارها ؛ فقد تبددت نية القتل. رد فعل "ياما الماء " السريع ، مقترناً بضربة سوطه العنيفة والخاطفة ، أجبر الممارس الذي خلفه على سحب تعويذته غير المكتملة والمراوغة بسرعة. ومن طرف عينه لم يلمح "ياما الماء " سوى بقايا ألسنة لهب منطفئة. ورغم أنه لم يتبقَ سوى أثر ضئيل من تلك الهالة إلا أنها مارست عليه ضغطاً كبيراً ؛ فبدا أنه لو نجحت هذه التعويذة ولم يتمكن من مراوغتها ، لانتهت حياته في التو واللحظة.
"ما هذه التعويذة... على وجه التحديد ؟ "
ارتجفت عينا "ياما الماء " من الصدمة. ومن هذا الذي يجرؤ على مباغتتي ؟!
بمجرد أن هدأ الخوف في قلبه ، حل محله غضب عارم ؛ فلقد كاد أن "يُغدر به في عقر داره "!
أطلق "ياما الماء " هالته إلى أقصى حد ، وتصلبت عضلاته ، وتدفت قوى الماء الشريرة في عروقه ، وامتلأت عيناه بـ "تشي " الشر. ولكن قبل أن يتمكن من كشف أثر عدوه ، داهمته موجة أخرى من نية القتل من خلفه.
ظهر ضوء نار متعرج ، وحرارة طفيفة تقشعر لها الأبدان. ذعر "ياما الماء " وانقض بسرعة كبيرة ، ضارباً بسوطه خلفه. انطفأ ضوء النار مرة أخرى ، وانقطع نمط المهارة مجدداً ، ولم تكتمل تلك التعويذة الرهيبة. تنفس "ياما الماء " الصعداء ، بينما بدا ذلك الغادر المتواري في الظلال الذي فشل في هجومين مباغتين ، قلقاً وغير راغب في الاستسلام.
تحرك قلب "ياما الماء " قليلاً ، وقال بغضب:
"أيها الوحش ، أتجرؤ على انتزاع اللقمة من فم الأسد ؟ حقاً إنك لجسور! حتى لو وقف عدو عظيم أمامي اليوم ، فسأقبض عليك وأذيقك سوء العذاب حتى الموت! "
كانت عيناه تفيضان بنية القتل ؛ فهذا الشخص لا يعرف سوى التخفي والهجوم الغادر ، ولا يشكل تهديداً في المواجهة المباشرة. وطالما ظل حذراً ويقظاً ، فبمجرد أن يلمح ثغرة ، سيكون الموت مصير هذا العدو لا محالة.
ولكن قبل أن يسترسل في تفكيره ، ظهر ضوء أحمر خافت في الغرفة السرية المظلمة.
"من الخلف ثانية! "
سخر "ياما الماء " في نفسه ؛ فبعد أن واجه هجومين مباغتين ، شعر بأنه قد أحاط تماماً بأساليب المهاجم ، وعلى الفور استجمع قواه الروحية الشريرة وهاجم خلفه. و لكن هذه الحركة كانت مختلفة ؛ فقد تشكل ضوء النار بسرعة فائقة ، واكتمل نمط المهارة في لمح البصر ، وضغطت النيران على ظهره جالبة إحساساً طفيفاً بالاحتراق.
ارتاع "ياما الماء " في البداية ، لكنه سرعان ما هدأ ؛ فالحرق في ظهره كان طفيفاً ، ويبدو أنها مجرد "تقنية كرة النار " العادية ، وليست تلك التعويذة النارية المرعبة التي جعلت قلبه يرتجف.
"ماذا يعني هذا ؟ "
إن تقنية كرة النار هذه ليست أكثر من "وخزة لا تضر ".
وفي تلك اللحظة ، ضربت تقنية كرة نار أخرى ذراعه. و شعر بألم حارق بسيط وخدر طفيف في ذراعه ، لا أكثر. حتى إن "ياما الماء " تجاهل الإصابة باستخفاف ، وزمجر باحتقار "أتريد قتلي بهذه التعويذة الهزيلة ؟ "
لكن لم يجبه أحد. قطب "ياما الماء " جبينه متسائلاً:
"أهرب ؟ "
أهكذا استسلم بسهولة ؟ يا له من جبان...
رسم "ياما الماء " ابتسامة ساخرة على شفتيه ، ولكن في اللحظة التالية ، شعر بشيء مريب...
لقد ضربت كرة النار ذراعه ، مسببة ألماً طفيفاً وخملاً في إدراكه الحسي ، ولكن مع دوران قواه الروحية المائية لعدة دورات ، خفت إحساس الاحتراق وعاد إليه إدراكه تدريجياً ، ليدرك "ياما الماء " فجأة أن الثقل في يده قد اختلف...
لقد صار أخف!
اتسع بؤبؤا عيني "ياما الماء " ونظر إلى الأسفل فوراً ، وقلبه يرتجف بشدة. حيث كانت قطعة القماش السوداء التي يقبض عليها بيده تحوي علبة اليشم ، ولم يتركها حتى في غمار معركة الموت والحياة. أما الآن ، فقد فُتح شق في القماش الأسود بفعل فاعل ، وعلبة اليشم التي كانت بداخله...
لقد اختفت!
شحبت شفتا "ياما الماء " وارتجف من شدة الغيظ ؛ فقد فهم اللعبة الآن!
أولاً ، استخدم المهاجم تعويذة مرعبة لخلق أزمة قصوى ، ليمنعه من تشتيت انتباهه. ثم استخدم تعويذة عادية ليجعله يتهاون. وأخيراً ، ضربه بسرعة بتقنية كرة النار مستهدفاً ذراعه اليسرى ، مستغلاً تلك اللحظات القليلة التي كانت فيها ذراعه يحترق وإدراكه الحسّي مخبلاً ، ليشق القماش الأسود ويسرق علبة اليشم!
فقد "ياما الماء " صوابه في الحال واحمرت عيناه كالدم:
"أيها اللص الملعون!! "
"سأمزقك إرباً ، وأطحن عظامك وأذرو رمادك!! "
وفي هذه الأثناء ، خارج الحصن الحجري كان "مو هوا " قد انتهز الفرصة ، ودفع بـ "خطوات عبور الماء " إلى أقصى حدودها ، محتضناً علبة اليشم وهو يركض بجنون ، وعيناه تبرقان بزهو.
صيد ثمين! ربح وفير! اهرب بسرعة!
ثم أطلق إشارة نارية صارخاً "يا عم غو ، أنقذني! "