جدران برونزية لطختها الدماء ، وعلى الأرض تمددت جثث وأشلاء مقطعة تنضح بالدماء.
وبفضل "غو تشانغهواي " خبير "النواة الذهبية " الذي كان يثبّت التشكيلة لم تكن خسائر "بلاط الداو " فادحة ، أما أولئك الذين سقطوا صرعى تحت وطأة نصل رياحه ، فقد ناهزوا العشرات.
وهكذا ، وبينما كان "غو تشانغهواي " يشن هجماته من الخلف كانت "مو هوا " تقود الطريق في المقدمة ، تشق عباب المتاهة عبر جدران معقدة لا حصر لها حتى انفسح المكان أمامهم بغتة ، فتجلت أمام ناظريهم قاعة مهيبة عظيمة.
أحاطت الجدران البرونزية بالمكان في نسق محكم ، وكانت القاعة فسيحة ومقفرة في آن ، يسند سقفها المهيب اثنا عشر عموداً ضخماً ، نُقشت على كل منها صور لوحوش شيطانية ، وكان سمك العمود الواحد يضاهي ما يتطلبه احتضان خمسة أو ستة رجال له.
تزينت الجدران البرونزية بجداريات غابرة تمتد في عتمة الأفق على كلا الجانبين ، وفوق مساند مصابيح نُحتت من عظام بيضاء ، انبعث ضوء الشموع الأحمر المريب ليلقي بظلاله الشريرة على أرجاء القاعة.
ولربما كانت القاعة تعج يوماً بأثاث ومقتنيات ، أما الآن ، فقد استحال كل شيء إلى حطام ، مما جعل المكان يبدو خالياً بشكل موحش يبعث على الرهبة.
وفي قلب القاعة ، وقف شخص ما ؛ كان مديد القامة ، ملامحه تنضح بالوقار والرحمة ، غير أن رداءه "الكاسايا " القرمزي بلون الدم منحه هيبة وقتامة في آن واحد. فلم يكن هذا الشخص سوى "بوذا النار "!
ضاقت عينا "مو هوا " وتوارت عن الأنظار في الحال متراجعةً بصمت لتختبئ خلف المجموعة.
اندفعت كوكبة من قادة إنفاذ القانون في "بلاط الداو " بسيوفهم المشهرة ، وتوقفوا على بُعد ثلاثين قدماً من "بوذا النار " وتلمع نصالهم بوعيد في مواجهة حاسمة ، وعلى كثرتهم إلا أن أحداً لم يجرؤ على الإقدام على خطوة متهورة ، رهبةً من سمعة "بوذا النار " السيئة وهالته المرعبة.
وسرعان ما خرج ممارسون آخرون من "تشكيلة المتاهة القاتلة " ليدخلوا القاعة الكبرى التي غصت بأعداد متزايدية من ممارسي "بلاط الداو ".
دخل "شياو تيان كوان " هو الآخر ؛ حاملاً سيفاً طويلاً ثميناً ، وقد تلطخ رداؤه الداوى بالدماء ، وملامحه تعلوها الصرامة ، وعندما أبصر "بوذا النار " القابع في وسط القاعة كالجبل الراسخ ، اكفهرت عيناه ، بيد أن بريقاً من الحماس لمع فيهما أيضاً.
وبعد برهة ، دخل "غو تشانغهواي " القاعة الكبرى من الخلف ، وقد وهنت قواه الروحية بشكل ملحوظ ، وتلطخ وجهه الوسيم بالدماء ، لكنها لم تكن دماءه.
وبمجرد أن وقعت عيناه على "بوذا النار " استحال تعبه ضراوة ، واشتعلت في نظراته نيران الحقد ، وتصاعدت رغبته في القتل كالإعصار.
ومع وطأة قدم "غو تشانغهواي " داخل القاعة ، فتح "بوذا النار " عينيه بغتة بعد أن كان غارقاً في تأمله متمتماً باسم بوذا كانت عيناه حمراوين كالجمر ، وجسده يفيض بطاقة روحية نارية هائلة.
وبدأ رداؤه القرمزي يموج من غير ريح وسط اضطراب الطاقة الروحية ، فبدا كبحر هائج من النيران ، بينما تناثرت من حوله شرارات صغيرة تتراقص وتتلاشى.
تمتم "بوذا النار " بنبرة هادئة "غو تشانغهواي… " إلا أن عينيه كانتا تشيان بنية قتل تقشعر لها الأبدان ، وأضاف "لقد مر زمن طويل… "
رد "غو تشانغهواي " ببرود "أيها الوحش الكاسر ، لقد أزفت ساعة منيتك… "
سخر "بوذا النار " قائلاً "بوذا لا يخلص أحداً ؛ فالممارسون هم من يخلصون أنفسهم. "
لم يضع "غو تشانغهواي " مزيداً من الوقت ، واستل مروحته الورقية المصنوعة من عظم اليشم مرة أخرى ، فالتفت حوله طاقته الروحية البيضاء كالإعصار ، مستحيلةً إلى نِصال ريحٍ لا تُحصى.
وأخذ ممارسو "بلاط الداو " المحيطون به يشددون الخناق على "بوذا النار " بسيوفهم اللامعة ، أما "بوذا النار " الذي لم يظهر على وجهه أثر لفرح أو غضب ، فقد بسط ذراعيه في جسارة لا تعرف الخوف.
وفجأة ، ازداد احمرار ردائه توهجاً ، وتدفقت طاقته الروحية النارية كالحمم المنصهرة ، وزأرت النيران في صدره ، ثم ظهرت كرتان ناريتان متوهجتان كقلبين توأمين ، تنبضان بطاقة روحية دافقة.
تصاعدت ألسنة اللهب تلتف حول جسده ، وانبعثت من كيانه هالة مذهلة ، كأنه وحش شيطاني ضارٍ يتخفى في إهاب بشر تملؤه قوة شيطانية لا حد لها.
وكانت تلك النيران تختزن قوة قتل لا متناهية ، تبدو وكأنها قادرة على إحراق وإبادة كل شيء… نظر الممارسون المحتشدون في رعب ، بينما ظل وجه "غو تشانغهواي " بارداً كالثلج ، وامتلأت نظرات "مو هوا " بالصدمة والذهول.
لقد كانت هذه هي مهارة النار المُحَرمة القوية التي حظر "بلاط الداو " ممارستها قطعاً… مهارة "نيران النيازك "!