الفصل 229: برج الشياطين (2)
وصلا إلى منتصف دائرة رونية ضخمة تعلو برجاً شاهقاً ، وتراءت لهما عاصمة الشياطين تمتد من تحتهما في كل اتجاه.
كانت الهياكل القرمزية الحجرية المتشحة بالسواد تتسلق وتلتوي عبر الأفق على مد البصر ؛ أبراج وقاعات وجسور بُنيت بطراز لا يعبس بالراحة أو الجمال ، بل يكتفي بالضخامة وما توحي به من هيبة.
ينبض الضوء القرمزي من الهياكل العميقة على النحو الذي كان ينبض به من "سيادة الحجر القرمزي " إلا أن هذا المكان كان المصدر لا النسخة كان الأصل الذي استمدت منه إمبراطورية "القديسة السفاحة " المنهوبة طابعها.
كانت هذه إمبراطورية الكراهية ، حيث يجلس إمبراطور الشياطين على قمة العروش الاثنتين والسبعين ، يراقب من علٍ كل ما شيده من أرواح مستهلكة.
لم يكن "داميان " يكترث لأي من ذلك.
أبقى بصره مصوباً نحو إمبراطور الشياطين الذي أدرك مدى ضآلة اهتمام "داميان " بالعمارة ، فاستنتج -محقاً- أن أسرع وسيلة لإنهاء هذا الأمر هي المضي قدماً.
قال الإمبراطور "من هنا ".
دخلا إلى البرج.
تبع "داميان " الخطى وبجانبه "سيرالا " بينما كان إمبراطور الشياطين يتقدمهما يكن، وكان قلب "داميان " يخفق بصوت عالٍ كاد يطغى على كل ما حوله.
أمه.. هل كان حقاً على وشك رؤيتها مجدداً ؟ بعد ثمانية صيفات من الاختباء ، ومن التظاهر بأنه فلاح ، ومن حمل لوعة فقدانها كشيء يكمن تحت كل شيء آخر. و بعد تلك الليلة فوق "المهد " حين أخبرته روح والده بأنها لا تزال تتقد.
بعد كل ما قاده إلى برج في قلب عاصمة الشياطين ، وإمبراطور الشياطين يسير أمامه مرتجفاً من الرعب.
حافظ على رباطة جأشه ظاهرياً ، أما في أعماقه فكان حالاً أخرى.
طفوا عبر مستويات البرج ، متجاوزين طوابق لم يكلف "داميان " نفسه عناء تفحصها حتى بلغوا أحد المستويات العليا ووصلوا أمام باب قرمزي.
كان شيطانان يقفان للحراسة.
كانت "بارباتوس " إحداهما ، وقد تعافت مما فعلته "عين إمبراطور الشياطين " لاستعادتها من "العهد " فاستدار جسدها النحيل ورفيقها ذو القرون الأربعة على وقع صوت وصولهم.
أما الآخر فكان شيطاناً فارع الطول لم يتعرف عليه "داميان " لكن حضوره دلَّ على أنه واحد من الدوقيات. رمق الاثنان المشهد أمامهما بحيرة مريبة ؛ حراس يشاهدون إمبراطورهم يقود العدو -الذي قيد الكثيرين منهم بسلاسل من نور- مباشرة إلى الباب الذي يحرسونه.
فغرا فاهما ليطرحا السؤال البديهي.
نقر "داميان " بإصبعه.
تلاشى "بارباتوس " والشيطان الذي بجانبها ؛ لم يكن تلاشياً درامياً ولا نهاية بطيئة ، بل مجرد نقرة من إصبعه وتفعيل للمصدر الأول ، فاستحال الشيطانان إلى رذاذ دقيق التقطه الضوء القرمزي للحظة قبل أن يستقر.
لم ينتظر "داميان " لأي مقدمات أخرى.
لوح بيده فانفتحت الأبواب.
ما كان خلفها لم يكن مما يتوقعه أي شخص مما رأوه في بقية البرج. حيث كان الطابق ينفتح على حديقة نابضة بالحياة ، خضراء ومزهرة تملؤها طيور شيطانية فريدة تتنقل بين النباتات ، وحيوانات صغيرة تشق طريقها عبر الغطاء النباتي.
كان ذلك الشيء الوحيد الذي رآه منذ وصوله إلى عاصمة الشياطين مما لا يمت للكراهية بصلة. و في قلب الحديقة انتصبت كوخ صغير ، وخارجه كان هناك كيانان يعتنيان بعشبة تنمو في لوالب زاهية من التربة القاتمة.
أحدهما كان شيطان "ساكوبي ".
أما الآخر فهو من ركز "داميان " نظره عليه ، وفي اللحظة التي رآها فيها لم يعد لأي شيء آخر في المكان أدنى أهمية.
كانت تحمل ملامح أمه. لم تكن تمتلك جسداً مادياً ، بل كان ما يقف بجانب العشبة عبارة عن تجمع من المانا والإرادة المحضة ، مُشكلةً على هيئة امرأة ؛ خيالية تتغير أطرافها قليلاً ، لكنها هي بلا شك ، كصوت تسمعه بعد سنوات فيألفه قلبك قبل أن يستوعبه عقلك.
الإمبراطورة "ريحانة فاكوشيف " روح بلا جسد ، حاضرة تعتني بحديقة في برج بقلب إمبراطورية الشياطين.
اجتذب دخولهما بصرها.
رمشت عيناها نحو "داميان ". في البداية اعتراها الارتباك ، ذلك الارتباك الطبيعي لروح ترى كياناً ضخماً متحولاً لا تعرفه يقف في مدخل حديقتها ، بوشوم خضراء وعيون سوداء كالأوبسيديان.
ثم تغير شيء ما. انعدام التصديق الذي بزغ ببطء ، ذلك التشكك الحذر لمن يخشى أن يأمل بأنه يرى ما يظن أنه يراه. وفجأة ، غمرها الإدراك بأسره.
بدأت تسير نحوه.
كانت ترتجف وهي تقترب ، ويهتز جسدها الخيالي كما يهتز الجسد الحقيقي ، وعندما خرج صوتها كان هو الصوت الذي حمله في ذاكرته لثماني صيفات.
"أهذا... هو لُوجالي الصغير ؟ " اقتربت وخطواتها غير متزنة. "أهذا هو أميري الصغير ؟ داميان ، أأنت حقاً ؟ "
بوووم!
حتى وهو متغير حتى وهو متحول مرتين إلى شيء لم تنتجه "أراضي الحجر " قط حتى وهو يقف بضعف طول أي رجل عادي ، وعيناه تشتعلان بالنيران ، وبقوة أطاحت للتو باثنين من السماوين الأسلافيين فوق "نهر العالم ".
لقد عرفته أمه!
ارتجف "داميان ".
قال "أماه " وانكسر صوته كما انكسر فوق "المهد " عندما نادى والده ، انكسارة لا تظهر إلا لمن كانا سبباً في وجوده. "أماه! "
هوووم!
وهكذا ، التقت الأم بوليدها مجدداً.
انحنى جسد "داميان " الضخم ، وأحاطت ذراعاه بتلك المرأة الخيالية التي كانت بنصف حجمه ، وكانت حقيقية بما يكفي ليضمها حتى بلا جسد ، حقيقية بما يكفي ليكون للعناق معناه الحقيقي. وخلفهما كانت "سيرالا " تراقب بعيون لامعة ولم تنبس ببنت شفة ، فما من حاجة للقول في حضرة هذا اللقاء.
كان إمبراطور الشياطين ، في الجانب الآخر ، يتلفت حول الحديقة بتململ ، وعيناه تجولان على الجدران والمخارج والسماء المفتوحة خلف حافة البرج ، بتركيز كائن يتحقق مما إذا كان أحدهم يراقبه بما يكفي ليلاحظ هروبه.
لكن بعد كل هذا الوقت. و بعد كل هذه السنين.
لقد استعاد "داميان " أمه!