سادَ صمتٌ جليديٌّ في قاعةِ المجلسِ إثرَ نبرةِ لين تشيان الحازمةِ التي حملت في طياتِها عزماً لا يلين ، فسرى بردُها في الأرجاءِ حتى جمدت القلوبُ.
قال لين تشيان متوجّهاً إلى شيوخِ عائلةِ يوان في قاعةِ المجلس "على جميعِ الشيوخِ البدءُ فوراً بترتيبِ انسحابِ أحفادِ عائلةِ يوان ؛ فلا حاجةَ لمواجهةٍ مميتةٍ تفضي إلى خسائرَ لا طائلَ منها. وبما أنكم من عائلةِ يوان التابعةِ لإمبراطوريةِ هواشيا ، فإن جيشَ الإمبراطوريةِ سيتولى حمايتكم بلا ريب ، وسأضمنُ ألا يعودَ الغزاةُ من حيث أتوا ".
وما إن فرغ لين تشيان من إصدارِ أوامره حتى تبادل الشيوخُ النظراتِ ، ثم انحنوا له بكلِ احترامٍ معلنين موافقتهم. فقد كانوا قد شهدوا بأمِ أعينهم ذلك المشهدَ المهيبَ لثمانمئةِ جنرالٍ من جنرالاتِ إمبراطوريةِ هواشيا الأشداءِ وهم يخرجونَ من البوابةِ العظيمة.
لقد استبدَّ بهم الغضبُ حين رأوا القوى المتحالفةَ من كلِ حدبٍ وصوب تتكالبُ على عائلةِ يوان ، لكنهم وقفوا عاجزين عن تغييرِ الواقع. ففي الحدودِ الشماليةِ لأراضي العرقِ البشري كانت الأجناسُ الغريبةُ قد شنت هجماتٍ ضاريةً وحشدت جيوشَها ، ولم يكن بوسعِ عائلةِ يوان ، بصفتِها حاميةَ العرقِ البشري ، أن تقفَ مكتوفةَ الأيدي ، لذا أُرسِلَ جلُّ أفرادِها الأقوياءِ إلى تلك الحدود.
والآن ، كيف لهؤلاءِ الذين يحرسونَ عائلةَ يوان أن يواجهوا هذا التحالفَ الهائل ؟ ومع ذلك حين ظهر لين تشيان أمامهم ، غمرت الطمأنينةُ قلوبَ شيوخِ العائلةِ دون سببٍ واضح ، وكأنَّ بوجودِهِ ستنحلُّ كلُ معضلاتِهم ، والسببُ بسيطٌ ؛ فقد حفر مشهدُ البوابةِ في قلوبِهم أثراً لا يُمحى عن إمبراطوريةِ هواشيا القويةِ التي لا تُقهر.
وبعد لحظةٍ من الصمتِ ، ركّز يوان وودي قواهُ وأدى تحيةَ الاحترامِ للين تشيان ، وسألَه "هل لي أن أعرفَ ما الذي تنوي جلالتكم القيامَ به تالياً ؟ "
سادَ صمتٌ مطبقٌ في القاعةِ ، واتجهت أبصارُ جميعِ الشيوخِ وعائلةِ يوان نحو لين تشيان الجالسِ في صدرِ المجلس ، فقد أدركوا جميعاً مغزى سؤالِ يوان وودي ، فهو لم يسألْ عن كيفيةِ التعاملِ مع الأعداء ، بل عن أراضي العرقِ البشريِ التي اغتصبتها الأجناسُ الغريبة.
أجاب لين تشيان بنبرةٍ يملؤها المرح "بما أنهم يبتغونَ الحرب ، فإن إمبراطوريةَ هواشيا ستلبي نداءَهم. إن هذه الأجناسَ الغريبةَ همجيةٌ وعدوانية ، تفتكُ بكلِ من يقفُ في طريقِها بغضِ النظرِ عن عرقِهِ ، وتنهبُ كلَ ما تقعُ عليه أيدِيها ، فطمعُهم لا يعرفُ حدوداً. وبعدَ احتلالِهم للمناطقِ الشماليةِ والشرقيةِ والغربية ، سيهاجمونَ المنطقةَ المركزية ، ومن بعدها ستكونُ المنطقةُ الجنوبيةُ هدفَهم التالي ".
وأضاف "تعلمونَ جيداً كيف سيكونُ حالُ قارةِ "سول مارشال " حينها ؛ سيصبحُ البشرُ وبقيةُ الأعراقِ مجردَ قطعانِ ماشيةٍ يسوقُها هؤلاءِ الطغاة ، وعبيداً يُساقونَ للذبحِ من أجلِ التسليةِ ، تحت سماءٍ كئيبةٍ لا أملَ فيها. وأنا لن أسمحَ بحدوثِ ذلك أبداً ".
اشتعلت عينا لين تشيان بالإصرارِ وهو يتابع "قد يكونونَ أشداء ، لكن إمبراطوريةَ هواشيا ليست لقمةً سائغة ".
أُسقِطَ في أيدي يوان وودي ومَن معهُ من شيوخٍ وهم يستمعونَ إلى كلماته حتى قال لين تشيان بملءِ فمِه "أريدُ قارةَ سول مارشال بأكملِها! ".
بدأ الشيوخُ في المغادرةِ لنقلِ أوامرِ لين تشيان إلى أرجاءِ عائلةِ يوان ، بحَثِّ أحفادِهم على الانسحابِ حقناً للدماء ، بينما انطلقَ لين تشيان لتنظيمِ جيشِ الإمبراطوريةِ وجيشِ الوحوشِ الحربية ، مستعداً لحربٍ ستغيرُ وجهَ التاريخِ وتجتاحُ القارةَ بأسرِها ، لن يواجهَ فيها لين تشيان قوى العرقِ البشري فحسب ، بل جيوشَ الأجناسِ الغريبةِ الجرارة.
لكن ، ممَّ يخشى لين تشيان ؟ لقد بدأ في المنطقةِ الجنوبيةِ تحويلَ العالمِ بأسره ، ورأى طلائعَ رؤيتِه تتحققُ حيث بدأ مواطنو الإمبراطوريةِ ينعمونَ بحياةٍ كريمة ، فكيف له أن يسمحَ لنيرانِ الحربِ التي أشعلتْها تلك الأجناسُ الغاشمةُ أن تحرقَ ابتساماتِ شعبه ؟
لقد عزمَ على ألا يسمحَ للحربِ بتدميرِ الحياةِ الجميلةِ التي بناها شعبُ هواشيا ، فالحلُ الأمثلُ هو حكمُ قارةِ "سول مارشال " بأسرِها ، وذلك هو غايتُه ؛ أن ينهيَ الحربَ بالحربِ ، فما هي إلا معركةٌ مجيدةٌ ستُخاض. "إن إمبراطوريةَ هواشيا لم تُهزم قط ، ولا حتى لمرةٍ واحدة ".
لم يبقَ في القاعةِ سوى يوان وودي وابنه يوان تيانشيا الذي سأله أبوه "يا بني ، بعد ما رأيت ، ما رأيك ؟ "
نظرَ يوان تيانشيا إلى أبيهِ بشغفٍ وقال "يكفيني احتراماً لهذا الإمبراطورِ أنه أمرَ أحفادَ عائلةِ يوان بالانسحابِ لتقليلِ الخسائرِ بدلاً من التمسكِ بالدفاعِ عن الأرضِ بلا جدوى! يا أبي ، إنني لمتشوقٌ لمعرفةِ خطوتِهِ القادمةِ وكيف سيواجهُ تحالفَ الأعداءِ وجحافلَ تلك الأجناسِ الغريبة ".
تملّكَ الفضولُ يوان وودي أيضاً فأجاب "وأنا كذلك يساورني القلقُ أيضاً هل يستطيعُ جلالتُه حقاً الصمودَ أمامهم ؟ "
في اليومِ التالي ، انتشرَ نبأٌ صعقَ العرقَ البشري كان أكثرَ ذهولاً من هجومِ الأعداءِ على عائلةِ يوان "لقد انضمت عائلةُ يوان إلى إمبراطوريةِ هواشيا ، وصارَ أحفادُها مواطنين في الإمبراطورية ، ولن يكونَ هناك وجودٌ لعائلةِ يوان في قارةِ سول مارشال ، بل مواطنون من عائلةِ يوان في إمبراطوريةِ هواشيا ".
انتشرَ الخبرُ كالنارِ في الهشيم ، مصيباً القوى المؤثرةَ بين البشرِ بالذهول ، ووصلَ الصدى إلى الأجناسِ الغريبةِ التي كانت تخططُ لهجومِها الكبير ، فاعتراها الحيرة ؛ إذ كانت تعتبرُ عائلةَ يوان أقوى عقبةٍ أمامَها ، وإذا بها تتلاشى وتتحولُ إلى شيءٍ يُدعى "إمبراطوريةَ هواشيا " وهو اسمٌ لم يطرقْ أسماعَهم من قبل.
في هذه الأثناء ، بدأت "آلاتُ الرؤيةِ الروحية " بالطفوِ فوقَ مدنِ عائلةِ يوان ، وهي آلاتٌ أعدَّها لين تشيان سراً لهذا اليوم ، وانطلقت تنانينُ صفراءُ من المدنِ لتشكلَ "مصفوفةَ عالمِ هواشيا " مُحِيطةً بأراضي العائلة.
وفي وضحِ النهار ، فوجئ مواطنو هواشيا بإضاءةِ آلاتِ الرؤية ، بينما تسمّرَ أحفادُ عائلةِ يوان مندهشينَ وهم يراقبونَ الصورَ التي بدأت تتضحُ على الآلات. صاح يوان تيانشيا واقفاً بجانبِ أبيه "ما هذا! " فقد كانت الصورةُ الظاهرةُ على الآلةِ هي صورةَ لين تشيان بلا شك!