الفصل 541 - 542: ثقة المتعة
حين فتح "يون فان " عينيه ببطء ، أجهشت "يون رونغ " التي كانت تقف بجانب سريره ، بالبكاء غامرةً إياها فرحةٌ عارمة ؛ فقد كانت هذه المرة الأولى التي يستعيد فيها زوجها وعيه منذ شهرٍ مضى.
كانت ملامح "يون فان " لا تزال غارقة في الحيرة وهو ممدد على فراشه ، وعندما حاول الاستناد بيديه ليعتدل في جلسته ، سرت في أوصاله رعدةٌ خفيفة من الذهول حين أدرك أن قواه قد بدأت في التعافي بعض الشيء.
بعد أن استرد "يون فان " شيئاً من عافيته ، وقعت عيناه فوراً على الشاب الواقف بجانب سريره ، وكان مظهر الآخر يذكره كثيراً بصهره ، إذ كانت عيناه مطابقتين تماماً لعيون ابنته الغالية.
قال "لين تشيان " وهو يجثو على ركبتيه بجانب السرير ناظراً إلى "يون فان " الذي كان لا تزال آثار الهزال بادية على وجهه ، بصوتٍ خافت "جدي ، لقد وصل حفيدك ".
في تلك اللحظة لم يكن هناك إمبراطور لإمبراطورية "هواشيا " بل مجرد طفلٍ يرى جده أخيراً. ففي حياته السابقة كان "لين تشيان " وحيداً ، وحتى حين عثر على والديه البيولوجيين كانت الأيام السعيدة قصيرةً جداً. ولهذا السبب كان يولي روابط الأسرة في هذه الحياة أهميةً قصوى.
تُعرف العائلات الملكية بقسوة قلوبها ، لكن "لين تشيان " على الرغم من كونه إمبراطوراً كان استثناءً فريداً ، إمبراطوراً منقطع النظير من عالمٍ آخر. فبعد قدومه إلى هذا العالم المدهش ، تلاشت مفاهيم العائلات الملكية من حياته السابقة كالدخان في الهواء.
حتى في الثقافات السحيقة لم يكن لأي إمبراطور حكيم لا يضاهى حاشيةٌ من الرعايا القادرين على الطيران في السماوات واختراق طبقات الأرض.
استعاد "يون فان " وعيه بعد طول غياب ، ومد يده المرتجفة ليلمس رأس "لين تشيان " برفق ، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة ، وقال "هاها ، يا بني ، كم تسعدني رؤيتك! لقد كان القدر رحيماً بي ، إذ سمح لي برؤية حفيدي قبل أن توافيني المنية ".
قاطعه "لين تشيان " ضاحكاً فور أن فرغ "يون فان " من كلامه "جدي ، لقد أخطأت التقدير ؛ فحفيدك ما زال يعول على جده كي يسترد عافيته ، ويقف من خلفه حين يخرج لإنقاذ والديه ".
أخرست كلمات "لين تشيان " جده ، وبعد برهة ، ضحك "يون فان " من أعماقه "حسناً ، ما دام حفيدي النبيل يقول ذلك فبصفتي جدك ، سأقاتل بكل ما أوتيت من قوة لأستعيد صحتي ".
أما "يون رونغ " فكانت تراقب زوجها والدموع تنهمر من عينيها بصمت. ففي الماضي ، وبصفتها فرداً من أسرة "يون " الجانبية كانت مكانتها متواضعة ، لكن بعد زواجها من "يون فان " أصبح هو سماءها التي تظلها. ومع "يون فان " لم تعد بحاجة للخوف من الحسد أو إخفاء موهبتها الفطرية ومستواها القتالي.
لم تكن علاقتهما قصة حب عاصفة ، بل حياةً من الدعم المتبادل. وبما أن "محاربي الروح " يتمتعون بأجساد قوية ، فإن الإنجاب يصبح أمراً عسيراً ، لذا فإن رزقهما بابنةٍ في وقت متأخر من حياتهما جعلهما يعتزان بها أشد الاعتزاز. حيث كان من المفترض أن تكون أيامهما ملؤها الفرح ، لكن رياح الأقدار جرت بما لا تشتهي السفن.
في تلك اللحظة ، وقع نظر "يون فان " فجأة على "يوان الأسمى " في الأفق ، فاستجمع قواه محاولاً النهوض والانحناء بذهول "لقد رأى هذا المبتدئ الجد الأعلى ".
ثم تابع "لدي طلبٌ جريء ، وأرجو منك العون. فابنتي وصهري ، وكذلك هذا الحفيد ، سيتعرضون للخطر دوني... ".
أجاب "يوان الأسمى " وهو يهز رأسه برفق مخاطباً "يون فان " "لا داعي لهذه الشكليات ؛ فإصاباتك تفوق قدرتي على العلاج ". وعندما سمع "يون فان " كلمات "يوان الأسمى " اعتلت وجهه مسحة من خيبة الأمل.
استطرد "يوان الأسمى " معيداً الأمل إلى وجه "يون فان " "ومع ذلك فقد رافقتُ السيد الشاب إلى هنا ، وقد أخبرني أنه قادر على علاج إصاباتك ، لذا لا ينبغي أن يكون ذلك معضلة ".
لم يكن "يون فان " ممن يتمسكون بالحياة خوفاً من الموت ، لكنه لم يكن يستطيع الرحيل ؛ فلو مات ، لصار مستقبل ابنته وصهره قاتماً ، ولأصبحت حياة زوجته في مهب الريح. أما الحفيد الذي قابله للتو ، فمن المحتمل أن يكون مصيره...
سأل "يون فان " "هل لي أن أسأل يا سيدي ، من هذا السيد الشاب ، وهل لي أن أتعرف عليه ؟ ". فالذي يطلق عليه "يوان الأسمى " لقب السيد الشاب لا بد أن يكون استثنائياً.
فمن هو "يوان الأسمى " ؟ إنه الشخص الذي يجب على كل من يلتقيه من البشر أن يخاطبه باحترام بلقب "الجد المرموق " حتى عرابه يجب أن يظل في حضرته موقراً. وبالنسبة لـ "يوان الأسمى " الذي يعلو القوم في "قارة الروح القتالية " فإن الوحيدين الذين يلفتون انتباهه حقاً هم أولئك الشيوخ العظام من الأجناس المختلفة.
قال "يوان هو " "عندما كنت شاباً ، زرت أراضي عائلة يوان ، وصادف أن ألقيت نظرة على يوان الأسمى ، وبذلك عرفته. حتى إن يوان الأسمى قد تفضل عليّ يوماً بالإرشاد واللطف. ومن يصفه مثل هذا الرجل بالسيد الشاب ، أخشى أن يكون ذا خلفية عظيمة ".
قال "يوان الأسمى " "حفيدك لين تشيان هو الشخص الذي تبجله عائلتنا كالسيد الشاب ، بناءً على توصية شخصية من جدنا الأعلى ". تركت كلمات "يوان الأسمى " "يوان هو " في حالة من الصدمة ، إذ راح ينظر إلى جده الأعلى دون أن يجرؤ على النطق ببنت شفة.
بدا أن "يوان الأسمى " قد توقع رد فعل "يوان هو " فأومأ إليه بضحكة خفيفة "سواء أأخفينا هذا الأمر أم كشفناه لم تعد هناك حاجة للكتمان ".
"تشيان إير ؟ ". صدمت كلمات "يوان الأسمى " "يون فان " ونظر بذهول إلى حفيده التي كان قد وقف بالفعل. و انتظر لحظة! "الجد الأعلى " الذي يقر به جنس بنو آدم حالياً هو لا أحد سوى "يوان الأسمى " حارس بوابة جيل عائلة "يوان ". والشخص الوحيد الذي يمكن أن يُلقب بـ "الجد الأعلى " من أمامه... هو اللورد "شوان يوان شيانغ " أسطورة جنس بنو آدم الأولى ، والشخصية الأسطورية التي سمت "قارة الروح القتالية ".
التفت "يون فان " ليرى حفيده بجانبه ، محاولاً فهم ما حدث له ؛ فأي شيء يمكن أن يكون قد جرى لحفيده حتى يعترف به اللورد "شوان " الأسطوري كـ "السيدٍ شاب " لعائلة "يوان " ؟
قال "يوان الأسمى " بمرح "ماذا لو قلت لك إن حفيدك هو حاكم قوة تُعرف بإمبراطورية هواشيا ، وأنه إمبراطورها ؛ كيف سيكون شعورك ؟ ". كان "يوان الأسمى " في هذه اللحظة مستمتعاً للغاية "إن النطاق الجنوبي بأكمله ، الممتد على ألف وتسعمئة واثنتين وسبعين ولاية ، قد تم استيعابه بالكامل داخل إمبراطورية هواشيا ، والآن حفيدك هو حاكم النطاق الجنوبي بأكمله ، وسيد النطاق الجنوبي ".
"ماذا ؟ ". لم يكن "يون فان " وحده من صُدم ، بل "يون رونغ " بجانبه و "يوان هو " أيضاً ؛ فقد غمرتهم جميعاً موجة عارمة من الذهول ، ولم يستطيعوا استيعاب كيف أصبح هذا الفتى الصغير الماثل أمام أعينهم حاكماً للنطاق الجنوبي بأسره.
ومع استرسال "يوان الأسمى " في حديثه ، ظهرت نظرة مشاكسة على وجهه "لذلك إذا قال السيد الشاب إنه قادر على معالجة حالتك ، فلا يساورني أي شك في ذلك. و من الآن فصاعداً ، اتبع كل ما يشير به عليك حفيدك ".
في تلك اللحظة ، ابتسم "لين تشيان " أيضاً نحو "يوان الأسمى ". فقد كانت كلمات "يوان الأسمى " قد جلبت ليس فقط صدمة شديدة لجده والآخرين ، بل عملت أيضاً كمحفز قوي لثقتهم بأنفسهم. فلو قال "لين تشيان " ذلك بنفسه ، لربما اعتبروه مجرد محاولة منه للتخفيف عنهم ، لكن صدور هذا الكلام عن "يوان الأسمى " جعل الأثر مختلفاً تماماً.
استطاع "لين تشيان " رؤية ثقة عارمة تملأ قلوب المحيطين بجده ؛ فقوة الثقة جبارة ، وبمجرد تغير عقلية جده ، سيكون ذلك عوناً كبيراً للعلاج القادم. فالمزاج البهيج والواثق يضاعف غالباً من نتائج الجهود المبذولة في العمل.
سأل "لين تشيان " جده "يون فان " بابتسامة "جدي ، نحن على وشك البدء ، هل أنت مستعد ؟ ".
جلس "يون فان " متربعاً على السرير ، ماسحاً عن وجهه غبار الكآبة ، وأومأ لحفيده موافقاً.