حين تجلّت "لين تشيان " في أبهى صور قوته وبسط سطوته ، تراجع "يو لي تشون " صامتاً دون أن ينبس ببنت شفة ، شاخصاً ببصره نحو ذلك الكيان الذي تحوطه تسعة تنانين ، بينما كان قلبه يرتجف رهبةً.
"أنا... أأنا حقاً من قلت إنني أريد أسر كائن كهذا ؟ " وبينما كانت تتردد في ذهنه كلماته السابقة التي بدت كحماقة لا تُغتفر ، راح "يو لي تشون " يغطي رأسه بيديه ويصفع نفسه بعنف مراراً وتكراراً.
لم يشعر "يو لي تشون " حينها إلا بمدى غبائه الذي بدا له لاحقاً لا يُصدق.
غير أن ما لم يدركه هو أن تجاربه الماضية قد خلفت في قلبه ندوباً من الألم ، بينما جاء حضور "لين تشيان " ليضمد تلك الجراح تماماً ، دافعاً إياه تدريجياً نحو طريق أكثر سلامةً.
فلطالما كان الفخر والثقة اللذان يتحلى بهما "لين تشيان " يلقيان بظلالهما المؤثرة على كل من حوله.
وإن قيل إن هيبة الإمبراطور تجعل أولئك الذين أقسموا بالولاء له يحافظون على إخلاصهم المطلق دون أدنى تفكير ، فإن ثقة "لين تشيان " في نفسه كانت كاريزما شخصية محضة تملأ قلوب من يرافقونه باليقين في المستقبل ، وتفتح أمامهم درباً ساطعاً.
لقد انطلقت هيبة الإمبراطور بكامل قوتها ، وانتشرت سطوته المهيبة لأول مرة في "عالم غابة العصور " لتتردد أصداؤها في الآفاق البعيدة.
وفي الوقت ذاته لم يكن "شين تشيشينغ " الذي كان بعيداً عن "لين تشيان " أقل شأناً ، إذ أطلق العنان لهالته الجامحة لتنفث قوتها دون قيود.
فما إن تصادمت هالاتهما فقط حتى ارتجفت أركان المكان ، وتلاطمت التيارات الهوائية من حولهما بصورة لا يمكن كبح جماحها.
لقد أثارت هذه الرياح العاتية إعصاراً في أعماق هذا العالم الجوفي ، فاجتُثّت أشجار الروح بلا عدد ، وتراقصت في كبد السماء.
أما "يو لي تشون " الذي أُخذ على حين غرة بجانب "لين تشيان " فقد قذفته أمواج الهواء المتجبرة بعيداً.
وعلى الجانب الآخر ، حيث "شين تشيشينغ " دارت تيارات هوائية قوية ، قذفت بمن تبقى من أفراد "عشيرة الدم الأسود " إلى مسافات سحيقة.
في طرفة عين ، استحالت هذه البقعة من الأرض والسماء ساحةً للحرب بين "لين تشيان " و "شين تشيشينغ " ؛ فبينما لم يمتد إليهما يدٌ بعد كانت هالاتهما قد بدأت تتصارع وتتلاحم بشراسة ، في نزالٍ لا انفكاك منه.
في تلك اللحظة ، استعاد "يو لي تشون " توازنه ، ورمق الأفق ببصره ، مدركاً أن النزال بين جلالته و "شين تشيشينغ " قد أضرمت نيرانه بالفعل.
كان صراع الهالات هذا فصلاً حاسماً ؛ فمن يفلح في قهر خصمه معنوياً قبل بدء النزال ، سيظفر بأفضلية كبرى في المعركة التي ستتلو ذلك.
"هالة "لين تشيان " هذه... قوية للغاية! " ومع تصاعد حدة الهالات تملك الرعب من "شين تشيشينغ " ؛ فـ "لين تشيان " ما زال في المستوى الأول من "عالم اليقظة " ومنطقيّاً ، لا ينبغي لزخمه أن يضاهي قوته.
ومع ذلك ولسبب غامض ، وبينما كانت هالاتهما تتصادم ، بدأ يشعر تدريجياً بأنه في موقف دفاعي.
لقد بدت هيبة الإمبراطور المنبثقة من خصمه كحصنٍ حصين لا يُخترق ، ومهما حاول جاهداً أن يقتحمها لم يجد ثغرةً لينفذ منها ويجعل هالة خصمه تنهار.
وعلى النقيض من ذلك كانت هالة خصمه ثابتة كثبات الجبال ، تنحدر نحوه كطود عظيم ، ولم يملك حيالها وسيلة لردعها.
كان هذا الشعور يماثل تماماً ما انتابهم حين قصف ذلك الكيان العملاق عاصمتهم الملكية ؛ إذ غمرهم حينها شعور بالعجز التام.
أدرك "شين تشيشينغ " أنه خسر جولة صراع الهالات ؛ وعليه الآن أن يهاجم "لين تشيان " قبل أن تنهار هيبته تحت وطأة خصمه ، وإلا استعصت الأمور عليه حال هزيمته.
وفي اللحظة التي عقد فيها "شين تشيشينغ " العزم على ذلك ومض نور ذهبي في عيني "لين تشيان " وزأر في وجهه قائلاً "تحطم! ".
وفي الآن ذاته ، فتحت التنانين التسعة التي تطوق جسد "لين تشيان " أفواهها ، وزمجرت نحوه.
اندفع زئير التنين مصحوباً بصيحة "لين تشيان " كمدٍّ جارف ، وكانت تلك الموجة الصوتية غير المرئية كأنها صدمة ارتجاجية ترج أركان جسده.
"آه! " تأوه "شين تشيشينغ " في مكانه ، متلعناً في سره بأن الأمر قد أضحى بالغ السوء.
لم يتخيل يوماً أن يباغته "لين تشيان " بهذا الهجوم ، ضغطٌ ساحق انصبّ عليه كطوفان لا قبل له به.
في تلك اللحظة لم يجد "شين تشيشينغ " متسعاً لرد الفعل ، فقد تلاشت هيبته تماماً ، واكتسى وجهه شحوباً كئيباً.
بااانغ!
انطلق "لين تشيان " في الهواء إلى الخلف ، ثم اختفى من موقعه الأصلي ، مندفعاً نحو "شين تشيشينغ " وقد غلّف "سيف ليل الرعد " بقوة "روح الرعد الذهبي الأحمر " وقوة "روح جليد الأوركيد الأبيض " اللتين تصاعدتا نحو الغيوم.
تفاعلت سمات "أرواح القتال " لديه فوراً ، معززةً بنيته وقوة روحه عشرين ضعفاً في لحظة خاطفة ، مما زاد من سرعة اندفاعه بشكل هائل.
"هيبة الإمبراطور! "
"الثبات! "
"السرعة الفائقة! "
"قوة المقاومة! "
"فيض القتال! "
"الدرع المزدوج! "...
وبينما كان "لين تشيان " يشق طريقه نحو "شين تشيشينغ " راح يطلق تلك العبارات واحدة تلو الأخرى ، مستنزفاً قوة روحه بسرعة ، بينما كانت ومضات من البريق تتفجر من العدم لتغلف جسده.
ولم يكن "شين تشيشينغ " وحده من يلاحظ ذلك ؛ فـ "يو لي تشون " وأفراد "عشيرة الزاوية السوداء " الذين كانوا يراقبون المعركة ، شعروا بوضوح بأنه مع كل وميض بريق يغشى جسد "لين تشيان " تزداد هيبته ضراوةً.
"تقنية الاستنزاف! " وحين اقترب "لين تشيان " من "شين تشيشينغ " كانت يده اليسرى القابضة على سيف "ليل الرعد " العريض قد غُلّفت بوهج أحمر "مضاعفة الهجوم ".
وعند رؤية "لين تشيان " وهو يندفع نحوه وهيبته في تصاعد مستمر ، بدأت ملامح "شين تشيشينغ " تتغير تدريجياً ، من الذهول إلى الصدمة ، ثم إلى الخوف.
شعر "شين تشيشينغ " الذي بدأ في حرق جوهره ، بقوة روحه المتضخمة في داخله وهي تنبثق فجأة من جسده ، بينما راحت الكريستالة الكروية على صدره تألق بضوء باهر.
لقد امتزجت قوة الروح المنبثقة من جسده -بمساعدة موهبة عرقه والطاقة الروحية للكون- لتخلق سبعة جدران درعية من الطاقة الروحية أمامه ، في محاولة منه لصد هجوم "لين تشيان " الخاطف.
والآن ، بعد أن خسر جولة صراع الهالات ، فقد زمام المبادرة ولم يجد بُداً من التصدي لهجوم "لين تشيان " بصورة دفاعية.
ومع تمتع "شين تشيشينغ " بقوة قتالية في مستوى "المعلم " كانت جدران الطاقة الروحية السبعة التي شيدها في غاية المتانة.
كان واثقاً تماماً في هذه الدروع السبعة ؛ إذ أدرك أن حتى محارب روح من المستوى "المعلم " في "عالم اليقظة " سيجد صعوبة بالغة في اختراق دفاعاته بهذه السرعة.
حتى ذلك الضغط الهائل الذي يمارسه "لين تشيان " لم يكن ليغير من هذه الحقيقة شيئاً.
وخصوصاً حين رأى أن "لين تشيان " لم يخفف من سرعته بعد تشكيل الجدران السبعة ، بل زاد من اندفاعه نحوها ، مما جعله يزفر ساخراً في أعماق نفسه "إنه يسعى لملاقات حتفه فحسب ".
ففي ظل هذه السرعة المرعبة للاصطدام ، ما لم يفلح "لين تشيان " في تفتيت كل جدرانه السبعة بضربة واحدة ، فإن أي اصطدام بأي جدار منها لن يُسفر إلا عن تحويله إلى أشلاء.
ولكن ، هل كان من الممكن تحطيم كل جدرانه دفعة واحدة ؟
حتى وإن كان "لين تشيان " متحدياً للنواميس ، فإنه لا يمكن أن يبلغ هذا الحد من التحدي ؛ أغمض "شين تشيشينغ " عينيه قليلاً ، مستذكراً أنه هو نفسه من المستوى "المعلم " وأنه الآن يحرق جوهره الخاص.
وفي اللحظة التي كانت فيها "شين تشيشينغ " يغرق في تلك الأفكار كان "لين تشيان " قد بلغ الجدران السبعة بالفعل.