الفصل 423 - 424: دخول منطقة التجمع
تُعد «منطقة التجمع» المصطلح العام لمساكن كلٍّ من: بني البشر ، وقبيلة القرون الحمراء ، وقبيلة الأقزام ، وقبيلة حوافر الأرواح ؛ وأولئك القاطنون فيها ينتمون جميعاً إلى القبائل الأربع التي تقاوم حكم «قبيلة الركن الأسود».
ووفقاً لما ذكره «باريت» ، فإن إمبراطور الركن الأسود الحالي قد دخل في عزلةٍ تامة ، وأضحى أبناؤه يتناحرون في ما بينهم طمعاً في الظفر بحق وراثة العرش. و لقد كان هذا الوضع صنيعة الإمبراطور نفسه ، إذ أراد لأبنائه أن يستخدموا قواهم ووسائلهم الخاصة لتحديد المنتصر ، فمن كان منهم الأكثر تفوقاً استحق أن يخلفه في منصبه.
أن يدفع الأبُ أبناءه إلى قتال بعضهم بعضاً حتى يخرج الناجي منهم مخضباً بدماء إخوته ليكون وريثاً كانت أساليب تثير في نفس «لين تشيان» الاشمئزاز ، وتجعله يهز رأسه أسفاً. فإذا كان هذا حالهم مع أبنائهم ، فلك أن تتخيل الوضع الذي تعيشه القبائل الأربع تحت وطأة جبروتهم.
أوضح «باريت» وهو يقف بجوار «لين تشيان» ويُطلُّ على منطقة التجمع: «نحن نستغل هذا الاضطراب لنبقى بعيداً عن الأنظار. فبمجرد أن ينتهي أبناء إمبراطور الركن الأسود من صراعهم ، ستكون قوة «دولة الركن الأسود» قد استنزفت بالتأكيد. ما علينا فعله الآن هو العمل بجدٍ على تطوير أنفسنا مسبقاً حتى نكون في وضعٍ يؤهلنا لمواجهتهم مستقبلاً».
سأل «لين تشيان» فضولاً بعد أن استمع إليه: «ألا يعلم أفراد قبيلة الركن الأسود بوجودكم ؟».
أومأ «باريت» برأسه متابعاً الشرح: «في الواقع ، هم يعلمون ، ولكن بقدر ما نريهم من قوة فحسب ؛ فهم يفترضون دائماً أن قوتنا ضعيفة للغاية».
واستطرد قائلاً: «الحقيقة أن عدداً من شيوخنا في حالة عزلةٍ مشتركة ، وما إن يحققوا اختراقاً في قواهم ، لن يكون التعامل مع إمبراطور الركن الأسود معضلةً تذكر. وتجنباً لجذب انتباههم ، تتسم جميع تحركاتنا بالتحفظ الشديد ، لذا لم نفكر قط في تأسيس دولة».
ثم أضاف «باريت» وعيناه تفيضان بالأمل: «حينما تشتد ساعدنا بما يكفي لنضمن أرضاً نعيش فيها بكرامة ، فسيكون ذلك كافياً لنا».
وعقب هذا ، أضاف «ليو فانغ»: «كل ما نريده هو أن نعيش دون قهر أو استعباد ، وأن نحيا حياة تملؤها العزة ، وأن تسود المساواة بين مختلف القبائل».
واختتم «ليو فانغ» حديثه قائلاً: «لقد اكتسب بنو البشر احترام الجميع وتقديرهم بفضل جهودهم الذاتية» ، وهنا ربت أقوى أفراد قبيلة حوافر الأرواح على كتفه ضاحكاً.
راقب «لين تشيان» منطقة التجمع بعناية ، ولاحظ أفراد قبيلة البشر وهم يبذلون جهوداً مضنية حقاً. ولأن قوتهم القتالية الفعلية كانت أقل بكثير من مستوياتهم ، فقد كان لزاماً على البشر أن يتدربوا بجهدٍ يفوق القبائل الثلاث الأخرى. وبفضل بصره الثاقب ، استطاع «لين تشيان» أن يرى بوضوح العديد من أفراد البشر جالسين متربعين فوق أسطح منازلهم ، يمارسون التأمل ، والعديد منهم شاحبو الوجوه جافةٌ شفاههم.
إن ممارسة التمارين الروحية تجدد النشاط ، بل ويمكنها أن تعوض عن النوم ، ولكن الإفراط فيها -وإن كان مفيداً للارتقاء B المستوي ات- يُعد استنزافاً هائلاً لموارد الجسد. و لقد رأى «لين تشيان» العديد من البشر يدفعون أجسادهم إلى أقصى حدودها لينهوا فترات تدريبهم ، ثم يلتهمون الطعام المفعم بالطاقة الروحية بنهم ، قبل أن ينهاروا فوق أسطح منازلهم في نومٍ عميق.
أما أولئك الذين يتدربون على القتال في ساحات التدريب ، فكانت معاركهم ضارية للغاية ؛ فلم تكن سوى مباريات ودية ، ومع ذلك كان الطرفان مغطيين بالدماء. وحتى حين تنفد طاقاتهم الروحية وتخور قواهم الجسديه كانوا يواصلون الاشتباك على الأرض ، معتصرين آخر رمقٍ من قوتهم قبل أن يطلقوا سراح خصمهم. ثم يعمدون إلى التأمل في وضعية الجلوس ، ممارسين تدريباتهم المعتادة ليستعيدوا عافيتهم قبل أن ينهوا تدريباتهم الشاقة ، ليعودوا إلى منازلهم محطمين ومجهدين. إنهم لم يجرؤوا على الإفراط في التدريب وهم في مثل تلك الحالة ، فذلك كان ليعد انتحاراً.
وبجانب ذلك كان المواطنون العاديون من بني البشر يبذلون قصارى جهدهم في كل ما تقع عليه أيديهم. و في تلك اللحظة ، أدرك «لين تشيان» تماماً لماذا كان «باريت» مستعداً للتضحية بجسده لحماية «ليو فانغ» ورفاقه ، رغم ما يُقال من أن بني البشر يشكلون عبئاً عليهم ، ولماذا كانت أعينهم تفيض بالإعجاب حين ينظرون إليهم. فكل فردٍ من بني البشر كان يثبت جدارته بكده وعرقه ودمائه ، وبروحهم الصامدة ومواقفهم المستبسلة التي نالت احترام القبائل الثلاث الأخرى. ولم يكن لديهم أي سبب للاحتقار ؛ فمثل هذا جنس بنو آدم الجسور لا يُهان.
في عالم «غابة العالم القديم» تحت الأرض ، شكلت البيئة لدى البشر اتجاهاً نحو الحياة ، وجعلتهم يستمدون فخراً داخلياً. هؤلاء هم جنسهم!
قال «لين تشيان» لـ «باريت» وهو يتطلع نحو منطقة التجمع: «هيا بنا ندخل!».
قاد «باريت» بعدها «لين تشيان» من أعلى الجرف ، وسار به إلى داخل منطقة تجمعهم.
بالقرب من منطقة التجمع كان هناك «مصفوفة وهم» ؛ بسيطة لكنها فعالة في إبعاد الوحوش الروحية عن المحيط. وبالطبع كانت هذه المصفوفة من إبداع بني البشر. فقبيلة الأقزام تمتلك موهبة فطرية في صقل الأدوات ، لكن هذه الموهبة لم تترك مجالاً لمواهب أخرى ؛ فهم لا يعرفون شيئاً عن المصفوفات. وكذلك كان حال قبيلة القرون الحمراء ، فهم بارعون في تقوية أجسادهم ، لكنهم عاجزون تماماً أمام المصفوفات. و كما أن قبيلة حوافر الأرواح ، رغم قوتهم الجسديه الهائلة ، لا يملكون أي براعة في هذا الفن. ومن هنا كانت أهمية «سادة المصفوفات» بين بني البشر بالغة الأهمية.
وفي الواقع ، داخل عالم «غابة العالم القديم» كان وضع «سيد المصفوفات» يحظى بمكانةٍ أسمى بكثير. ووفقاً لما ذكره «ليو فانغ» ، فإنه سعياً لتحقيق المزيد من العزة لبني البشر كان سادة المصفوفات بينهم يكرسون كل أوقاتهم -عدا ما يلزم لتدريباتهم- لدراسة هذا الفن. و لقد كان جهد بني البشر ينم عن استماتة ، لكن القبائل الثلاث الأخرى كانت لا تقل عنهم إصراراً ، إذ كان كلٌّ منهم يضغط على نفسه إلى أقصى حدٍ من أجل مستقبل القبائل الأربع.
في تلك اللحظة ، خطرت فكرة مفاجئة على قلب «لين تشيان»: إذا كان عالم «غابة العالم القديم» هذا يمكنه أن يصبح جزءاً من أراضي «إمبراطورية هواشيا» ، فلن يكون ذلك بالأمر السيئ. فإذا كان لمستقبل «إمبراطورية هواشيا» أن يكون واعداً ، فلا ينبغي لها أن تقصر مواطنيها على بني البشر فقط. فعندما تتألف الإمبراطورية بأكملها من قبائل متنوعة تتعايش بسلام ، وتساهم جماعياً في رفعة الإمبراطورية ، فإن ذلك سيكون دليلاً حقيقياً على قوتها.
بينما كان يفكر في هذا ، امتلأ قلب «لين تشيان» بالترقب ، موقناً بأن ذلك اليوم سيأتي عما قريب. وبعد دخوله إلى منطقة التجمع ، غمر «لين تشيان» شعورٌ مفاجئ بالوعي ، فقد أدرك أخيراً لماذا كانت القوة القتالية لـ بني آدم في هذا العالم السفلي أقل بكثير من مستوياتهم الروحية.