«أتعلم كيف تتخيل ؟» حين سمع المُثمن كلمات «لين تشيان» ، دُهش وبدا وكأنه لم يستوعب مقصده.
تناول «لين تشيان» السيف المكسور من يدي المُثمن ، وأشار إلى موضع الكسر في الشفرة قائلاً: «سيدي ، أرجوك تأمل هذا جيداً ؛ ثمة ثقب دقيق في قلب نصل السيف».
وتابع: «من وجهة نظر خبير في صياغة الأدوات ، قد يتبادر إلى ذهنك أن هذا الثقب تشكل بفعل هجوم اخترق طرف السيف ، محدثاً هذا الأثر في منتصف الشفرة ، مما أدى إلى تحطمه على هذا النحو. أظن أن هذا ما جال في خاطرك ، أليس كذلك يا سيدي ؟».
بعدما أنهى «لين تشيان» حديثه ، أومأ المُثمن برأسه قليلاً ، وأتبعه في ذلك بعض صُناع الأدوات بين الحشود ، إذ نظروا إلى الثقب الصغير في الشفرة بالمنظور ذاته.
فصُناع الأدوات يدركون ماهية أجهزة الروح ؛ إذ ليس من الصعب استنتاج أن القوة التي مزقت الشفرة قد اندفعت من الداخل إلى الخارج بمجرد معاينة الثقب الدقيق ومقارنته بآثار التحطم.
أما «تشانغ كيرين» الذي كان يراقب المشهد من مكان غير بعيد ، فقد سخر في نفسه حين سمع كلمات «لين تشيان».
لقد كان هذا السيف المكسور هو القطعة التي جلبها بنفسه ليعرضها في «مؤتمر مقامرة الكنوز» ، وكان كبار صُناع الأدوات والمُثمنون في عشيرته قد فحصوه من قبل ، وخلصوا إلى الحكم ذاته بشأن ذلك الثقب الصغير.
لذا اعتدّ «تشانغ كيرين» بحكمهم ، وقرر عرض السيف في المؤتمر بحالته الأصلية كما استُخرج من الأرض ، دون ترميم ، التزاماً بقواعد المؤتمر التي تفرض عرض المقتنيات بوضعها الخام دون تنظيف بسوائل روحية أو إصلاح.
«ماذا لو كان هذا الثقب الصغير جزءاً أصيلاً من تكوين السيف نفسه ؟». في تلك اللحظة ، طرح «لين تشيان» هذا السؤال المفاجئ على المُثمن الذي أمامه.
جمد المُثمن في مكانه ، وارتسمت على وجهه ملامح الذهول ، وعجز عن الرد للحظات. ولم يقف الأمر عند المُثمن ، بل شمل الصمت والجمود صُناع الأدوات في الحشود أيضاً ؛ فقد كان سؤال «لين تشيان» فكرة لم تخطر ببال أحد منهم قط.
ولكن ، إن كان هذا الثقب جزءاً من السيف في الأصل ، فما الغرض منه إذن ؟
«المسار الباطني!» ، هتف أحد صُناع الأدوات من «عشيرة بحر الأذرع الثمانية» وسط الحشود. وبسماع هذا الهتاف ، توارد مصطلح «المسار الباطني» إلى أذهان الحاضرين والمُثمن الذي كان يقف أمام «لين تشيان».
«المسار الباطني» هو تقنية في صياغة الأدوات ، حيث تحتوي مواد بعض أجهزة الروح في جوهرها على قوى جبارة ، وللاستفادة المثلى من هذه القوى ، تُخلق مسارات دقيقة داخل جهاز الروح لتمنح تلك القوى اتجاهاً ومساحة للتدفق.
تعد تقنية «المسار الباطني» أسلوباً صارماً يتطلب مواد محددة ، ولا يتقنها صُناع الأدوات العاديون. وعلى أقل تقدير لم يكن أي من الصُناع الحاضرين يعلم كيفية تنفيذها ، بل كانوا يكتفون بمعرفة وجودها كتقنية فحسب.
قال المُثمن وقد بدت عليه علامات الاستنارة وكأنه أدرك حقيقة الأمر: «إذا كان هذا الثقب الدقيق يشكل بالفعل مساراً داخلياً ناتجاً عن تقنية "المسار الباطني " فلا بد أن قوى جبارة كانت تتدفق عبره. و من المرجح أن السيف تحطم أثناء معركة حين تعرض لهجوم عنيف للغاية ، مما تسبب في انفجار القوى الداخلية بشكل عشوائي».
بينما كان «لين تشيان» يتحدث ، مد يده نحو قارورة يشمية على مكتب المُثمن قائلاً: «بالضبط ، ولهذا السبب لا بد أن هذا السيف يحتوي على قوى جبارة كامنة في مواده ، بالتزامن مع تقنية "المسار الباطني "».
وما إن قال ذلك حتى سكب «لين تشيان» كل «ماء إزالة الغبار» من القارورة اليشمية على الشفرة المكسور. و تدفق الماء من القارورة وكأنه لا يبالي بمياه البحر المحيطة ، منساباً ليغمر السيف بالكامل.
وبفعل «ماء إزالة الغبار» ، تلاشت الأوساخ القديمة عن السيف المكسور ، واندثرت آثار الزمن العالقة عليه. وفور تنظيف الشفرة ، تفجرت الجواهر التي كانت محجوبة بآثار الزمن ، وانبعثت تقلبات مكانية قوية من جسد السيف ، أحس بها الجميع بوضوح. حتى إن السيف المكسور في يد «لين تشيان» جعل مياه البحر المحيطة تبدأ في الانهيار والانكماش ، ثم التوسع تارة أخرى.
في تلك اللحظة ، كثف «لين تشيان» طاقة الروح في يده اليمنى على هيئة إزميل اخترق تيار الماء ، وضرب به بقوة الكريستالة الشفافة عند قاعدة مقبض السيف.
وعلى الفور بدأت النقطة التي أصابها إزميل طاقة الروح في الكريستالة بالتصدع ، وانتشرت الشقوق حتى غطت الكريستالة بأكملها.
«طاخ!» ، بصوت تحطم حاد ، تهشمت الكريستالة تماماً ، مع وميض ضوء أبيض خافت انبعث منها ، لتبرز بلورة صافية كأنها الماء بحجم قبضة اليد.
أمسك «لين تشيان» بالكريستالة بثبات ، وتأملها وهو يومئ برأسه في رضا: «كما توقعت تماماً ؛ هذه الكريستالة عند قاعدة المقبض ليست سوى وعاء تخزين لـ "حجر المكان ". وهذا السيف الذي يوظف قوة المكان ، قد صاغه خبير فذ في صياغة الأدوات».
«غورغل غورغل...» ؛ حين رأى أفراد «عشيرة بحر الأذرع الثمانية» «حجر المكان» بحجم قبضة اليد في يد «لين تشيان» ، شهقوا جميعاً من هول الصدمة. و كما نظر القلة من «عشيرة البشر» بتوق إلى الكريستالة الشفافة في يده.
أما «تشانغ كيرين» ، فبدا وجهه كمن تجرع العلقم ؛ فقد كان «حجر مكان» بحجم قبضة اليد كنزاً لا يُقدر بثمن ، كفيلاً بإعالة «عشيرة بحر الأذرع الثمانية» لألف عام.
«تلك الآثار كانت تزخر بالكنوز ، فكيف كان يُظن أن ما يُستخرج منها قليل القيمة ؟» ، فكر «تشانغ كيرين» وقلبه يقطر دماً. و لقد كان تعاونه مع «قاعة متعطشي الدماء» للتآمر ضد «لين تشيان» وبالاً عليه ، فبعد أن ظن أنه نجح في نصب فخ للآخر ، وجد أنه هو من أوقع بنفسه في شباكه. وأدرك حينها لِمَ كان «لين تشيان» ينظر إليه وكأنه أحمق.
سأل «لين تشيان» وهو يلوح بحجر المكان أمام المُثمن: «إن أردت بيع هذا الحجر لـ "عشيرة بحر الأذرع الثمانية " فكم سيساوي ؟».
نظر إليه المُثمن بدهشة: «هل تنوي بيعه حقاً ؟».
كان «حجر المكان» ثميناً بالفعل ، لكن «لين تشيان» لم يكن في حاجة إليه ؛ فداخل «إمبراطورية هواشيا» كان لديه ما يكفي من بلورات المكان ذات الجودة الأعلى ، وهي مواد كان يحتفظ بها لنفسه ولا يفرط فيها.
أما هذا الحجر...
قال «لين تشيان» بابتسامة ودودة وهو يلتفت إلى «تشانغ كيرين»: «بالطبع سأبيعه ، ففي نهاية المطاف ، قد حصلت عليه كهدية كريمة من شخص ما. استبداله ببلورات الروح أمر جيد ، ولن أشعر بالأسى ، أليس كذلك يا زعيم العشيرة تشانغ ؟».